لطالما كتبنا، وكتب غيرنا، عن محنة القطاع السمعي/البصري بالمغرب، وتحديدا قطاع التلفزيون، واعتبرنا أن ذات المحنة مركبة بأكثر من جانب، ومستعصية الحل بالاحتكام إلى المنظومة التي تدور في فلكها، أو تستشف منها الطبيعة والتصور والتوجه:
+ فهي محنة تمتح من منظومة عامة، مادية ورمزية، لم تستطع التلفزة تحديدا تجاوزها أو التخلص منها أو التخفيف من وطأتها. إن لذات المنظومة برامجها وموادها وأولوياتها، لا تستطيع التلفزة التطبيع مع برامجها العادية إن لم تمررها قبليا بالصوت والصورة، خطابا أو تدشينا أو زيارة هنا أو هناك، لهذا العضو بالمنظومة أو ذاك، بالقصر أو بالحكومة أو من بين لوبيات المال والأعمال.
إنها محنة مستدامة لم يتسن لها التراخي، ولا عن للمنظومة، زمن الثورة الرقمية والفضائيات، رفع اليد عنها حتى يتسنى لها التجاوب مع متطلبات العصر، وحاجيات جمهور أتخمته الرداءة، وبلغ به ضيم الصوت والصورة مدى لا يطاق.
+ وهي محنة تمتح من التكلس والجمود مادتها وطبيعتها في الممارسة والأداء. والمقصود هنا أن التلفزة بالمغرب لم "تنحرف" كثيرا عن الوظيفة الموكلة إليها لأكثر من خمسة عقود: وظيفة إعادة إنتاج المنظومة الرمزية في شموليتها كما في تفاصيلها، ولكأني بها ناطقة باسم نظام كلياني، تقليداني، لا فكرة لديه تذكر عن الديموقراطية أو عن الحق في الإعلام والصورة، أو عن مبدأ التفاعلية في تداول الأخبار الذي مكنته التلفزيونات الرقمية، مواقع وشبكات اجتماعية.
إنها محنة حقيقية بكل المقاييس، محنة ألا يدرك النظام، والمنظومة من حوله، أن العالم تغير وأن زمن التعتيم والتضليل قد ولى بكل الأشكال والصفات.
+ وهي محنة تمتح من سلوك قائمين على المجال السمعي/البصري متواطئ، متخاذل، منصهر في المطلوب منه، غير عابئ بمجريات التطور، ولا هو مكترث بالسياقات الجديدة التي بات فيها المواطن رجل إعلام بامتياز، مادام قادرا على إنتاج المعلومة وترويجها، وتمكين الآخر منها دونما قدرة على ممارسة الرقابة عليها، أو اعتراض ما يصدر عنه من أخبار وصور وتعاليق.
إنها محنة أناس خارج العصر، بجهل منهم أو بإدراك غير مبال من لدنهم، أو بتماهي من بين ظهرانيهم لا يستوجب التعليق. ونزعم أن التماهي هنا هو الأقرب لعين الصواب، مادام القائمون على الشأن التلفزيوني هم شخوص منتمون لبنيان المنظومة، مندغمون في صلبها، متشبعون بفلسفتها في شكلهم كما في الجوهر.
هي إذن محنة مركبة بكل المقاييس، لو قسناها بمنطق العمل التلفزيوني الصرف (المحتكم لثلاثية الإخبار والتثقيف والترفيه) لقلنا التالي:
+ لقلنا بأن التلفزة بالمغرب لم تستطع الاستجابة لعنصر الثلاثية الأول (أي عنصر الإخبار)، بل بقيت حبيسة نمط في الأخبار وتقديم الأخبار، رسمي وشكلي وعام، يخال للمرء معه أن "الأمور على ما يرام"، وليس ثمة من الأحداث ما يستوجب تعكير ذهن المشاهد، بداخل البلاد كما بما يجري من حولها أو بباقي بلدان العالم البعيدة.
لذلك لا نراها تهتم كثيرا بفتح مكاتب لها هنا أو هناك، ولا إرسال مبعوثين لتغطية الأحداث بهذا المكان "الساخن" أو ذاك، ولا تعير كبير اهتمام لاستضافة هذا الخبير أو المحلل أو ذاك... الكل لديها راكد وساكن، ولا يستوجب الاستعجال أو التواجد بعين المكان. بالتالي، تبقى الأخبار مركزية بالمكان كما بالزمان على حد سواء.
+ ولقلنا بأن جانب التثقيف بالتلفزة في المغرب يبقى آخر المفكر فيه...حتى ليبدو الأمر وكأن لا وظيفة تثقيفية للتلفزة بالمرة تذكر. إن الشبكة البرامجية للتلفزة بالمغرب لا تضم مواد ثقافية يعتد بها للرفع من مستوى الوعي العام، أو على الأقل للتأشير على أن ثمة أناس يشتغلون بالثقافة، المفروض تغطية ما يقومون به، أو التعرض لما يشتغلون عليه.
الثقافة بالتلفزيون المغربي، بكل محطاته، الأرضية منها كما الماسخة على الفضائيات، لا تعير كبير اعتبار للثقافة، لا بل ولا دراية للقائمين على ذات التلفزيون عما تكون الثقافة أو قد تكون.
+ ولقلنا أيضا بأن عنصر الترفيه يبقى المغيب الأكبر، ليس فقط قياسا إلى سهرات نهاية الأسبوع، نمطية، سطحية ومقيتة، بل وأيضا بالاحتكام إلى إمعان ذات التلفزيون في تمرير مسلسلات تركية لا ينقطع بثها آناء الليل وأطراف النهار.
أليس من الأجدى، والحالة هاته، أن يعمد للإعلان عن إفلاس التلفزيون بالمغرب؟
* "إفلاس التلفزيون"، جريدة المساء، 28 يناير 2013. موقع كرسيف 24، 29 يناير 2013.