تصدرت إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم بالأسابيع القليلة الماضية، جل المحطات الإذاعية المغربية، الخاص منها كما العام، فيما يتعلق بنسب متابعة الجمهور لبرامجها. وعلى الرغم من أن المحطة موضوعاتية بامتياز ومتخصصة، فإنها استطاعت الحصول على استلطاف ما يناهز ثلث العينة التي تم الاحتكام إليها لقياس ذات النسبة.
ويبدو أن تصدر إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وللمرة الثانية، لنسبة مشاهدة معتبرة، له أكثر من دلالة، لا سيما على ضوء تواضع إمكاناتها المادية والبشرية، وحداثة نشأتها وتواضع تجربتها:
+ الدلالة الأولى هو أن الإذاعات عموما، والإذاعات المتخصصة تحديدا، لا تزال تلقى رواجا مهما لدن المتلقين، بكل الأعمار وبكل الأجناس. وقد سبق لنا التأكيد في أكثر من مناسبة على أن مستقبل الإذاعات في ضوء الطفرة الرقمية، لا يثير الخشية أو التخوف، على اعتبار أن الجماهير بدأت تعود للإذاعة، إما من باب الحنين أو لجدية برامجها، قياسا إلى التلفزة التي لم تعد تعير كبير اهتمام إلا للمتلقي كمستهلك إشهار وبرامج عابرة.
إن للإذاعة جمهورها الخاص بها، ولها خاصياتها التي لا تستطيع باقي وسائل الإعلام الأخرى، بما فيها الإنترنيت ذاته، مجاراتها فيها، لا سيما بجانب كونها تخاطب الأذن مباشرة، ولا تستجدي باقي الحواس كما حال الوسائط الرقمية التي تستنفر أكثر من حاسة في الآن معا.
ثم إن الإذاعة ضامن لعنصر الحميمية الذي قد لا نجده في باقي وسائل الإعلام، لا سيما التلفزيون الذي يراهن على الاستعراض، ولا يهتم كثيرا بمواصفات المتلقي، حيث لا يتعدى هذا الأخير كونه جهة مشيأة، منمطة وموحدة.
ولعل هذه العناصر هي التي راهنت عليها إذاعة محمد السادس، واستطاعت بفضلها أن تستقطب جماهير واسعة، التفت حول شبكتها البرامجية العامة، وبقيت لدورتين متتاليتين ملتزمة بخيارها.
+ الدلالة الثانية: إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وإن كانت متخصصة وتشتغل في مجال محدد، فقد استطاعت الحصول على هذه النتيجة، وهو ما يثير الدهشة، لا سيما بوجود إذاعات بشبكات برامجية جامعة وشاملة، المفروض أن تكون هي الأولى بمقياس الاستماع. وهذا يشي بحقيقة أن التخصص ليس إكراها في حد ذاته، كما أن الشمولية ليست امتيازا.
قد يكون التخصص مصدر استقطاب للجمهور، لا سيما في مجالات الطلب عليها قائم وثابت، كقنوات الأفلام أو السينما أو الرياضة أو ما سواها، لكن هذا لا ينفي حاجة هذا الجمهور إلى الزاد الروحي والرمزي الذي لا يستطيع المرء تحصيله إلا بقنوات تخدم ذات المجال في الشكل كما في المضمون.
+ الدلالة الثالثة وتكمن في تعطش المغاربة لإعلام ديني هادف وجاد، ومغربي صرف، فضلا عن ذلك. إذ على الرغم من توفر عشرات المحطات الإذاعية والتلفزيونية بالمشرق تحديدا وبكل ألوان الطيف، فإن نسبة الاستماع لإذاعة محمد السادس تبين أن المغاربة لا يستلطفون إلا المواد الدينية التي تخرج من رحم مجتمعهم ومن محيطهم ومن بيئتهم وقيمهم.
إننا نزعم أن إذاعة محمد السادس بهذه النسبة من الاستماع، إنما تتجه باتجاه تكريس إعلام القرب الذي لطالما طالبنا به، وعاتبنا القنوات الأخرى على عدم اعتماده. وإعلام القرب في حالة إذاعة محمد السادس هو إعلام يقدم الدين ببساطة ويسر، ويعمل على تصريف قيمه دون تطرف أو تشدد في الرأي.
المغاربة متدينون بقوة ووسطيون بامتياز، لكنهم بحاجة إلى أن تقدم لهم مواد دينية توضح لهم المقاصد والغايات، تخاطبهم بلغة ناعمة وبأسلوب سلس. وهذا لربما هو الذي نجحت فيه إذاعة محمد السادس وإلى حد كبير.
الرباط، 7 يناير 2013