تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثرثرة العربية تطغى على الصورة التلفزيونية

من دون مقارنات بين الإنتاجات الأجنبية والعربية، كما يلمح كثير من متابعي التطورات في الصناعة التلفزيونية العربية، وبدون مبالغات كما يوصي مديرو المحطات الفضائية في الوطن العربي، ومن غير أحكام مطلقة كما يرى الدارسون والباحثون في اللغة المرئية وتداعياتها على المتلقي، تطرح "البيان" سؤالاً واضحاً مفاده: ما السبب في طغيان الثرثرة في مشهدنا التلفزيوني العربي، رغم التقدم التكنولوجي للغة البصرية عالمياً؟

والسؤال لا نقصد به إقصاء المجهودات الأخيرة للمحطات الإخبارية، خاصةً في ما يسمى بالرسوم التوضيحية أو الغرافيك التفصيلي للأحداث العالمية والعربية.

ولكننا أمام إشكالية فقدان الحدث التلفزيوني القدرة في التعبيرعن نفسه بسبب التزام القنوات الفضائية بكثرة الحديث عنه والتوغل في تفاصيله بالنقاش من دون اعتبار لمفهوم القناة التلفزيونية ومقدرتها على تعاطي لغة الصورة، ما بات يشكل فوضى بصرية، تتطرق إليها متخصصون في ملتقيات وندوات نقاشية، مبينين أنها ظاهرة، تزايدت حدتها بعد الأحداث العربية أخيراً، مشكلةً فجوة بين التقنية والثقافة السائدة في الإنتاج المرئي، والذي أثقل كاهل الخطاب التلفزيوني الحالي، مطالبين بإعادة استثمار الثورة التكنولوجية كمحرك أساسي للثقافة البصرية العربية، وأنها وسيلتنا إلى النهوض بها.

فجوة

قد نحتاج إلى أمثلة واستنتاجات واقعية واستلهام نوعي كالذي بينه الباحث الجزائري د. نصر الدين لعياضي، أستاذ قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الشارقة في كتابه أخيراً والذي حمل عنوان: "هوامل الحديث عن الميديا". وقال حول ذلك: "إن العديد من القنوات التلفزيونية الأجنبية تتسابق لإنجاز برامج تعري الواقع بالصورة، وترفع إدراك الإنسان لواقعه، وللعالم الذي يحيط به.

برامج تتحول مرآة ينظر فيها المشاهد إلى ذاته، يقيم فيها سلوكه، ويطلع فيها على سلوك الآخرين. برامج تنبض بحياة الشارع، يتحدث فيها الناس المغمورون بأسلوبهم الخاص وطريقة فهمهم للأشياء والأحداث. لكن مع الأسف، نجد جل القنوات التلفزيونية العربية تتسابق نحو الثرثرة".

ويبقى السؤال مستمراً بعد توضيح لعياضي السابق، في ما هو دور التكنولوجيا في الانتقال إلى مراحل متقدمة من تأسيس وتعزيز الثقافة البصرية العربية، ونقصد بالتكنولوجيا: احتلال الهاتف الذكي ووسائل التواصل الرقمية المعنية بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو، والذي أصبح معنياً بصناعة الصورة التلفزيونية، وبالنظر بشكل عام تنبهت بعض القنوات الفضائية لهذا الاتجاه، وخاصة القنوات الإخبارية العربية، ولكنه ظل غيثاً من فيض أمام تطورات اللغة البصرية عالمياً.

إذاعة متلفزة

لا نستطيع في هذا المحور تجاهل الحراك العربي سياسياً ودوره في ازدياد برامج الدردشة من جهة، وازاه اهتمام بصري عبر بعض الوسائل التكنولوجية ومنها موقع الفيديو العالمي "اليوتيوب " باعتبارات أنه صناعة لأشخاص خارج نطاق المنظومة التلفزيونية، والذي بدوره أفضى عن فقدان القنوات العربية إلى منهجية مرئية في معالجة الحدث، كونها مسؤوليتها الأولى.

ولفت لعياضي أن الرسم والصورة يحتاجان إلى ثقافة مرئية، يجنبهما التحول إلى فوضى بصرية مغمورة بالثرثرة، مما يحولهما إلى عبء بدلا من أن تصبح مكوناً أساساً في الخطاب التلفزيوني.

وتوقفاً عند تحليل الباحث المغربي د. يحيى اليحياوي عبر دراسة "المعالجة الخبرية التلفزيونية العربية بين المتطلبات المهنية والتوجهات السياسية" بين فيها أنه "بغياب الصورة بالحدث التلفزيوني، نكون مع هذه القنوات إزاء أخبار إذاعية متلفزة"، لافتاً في الدراسة إلى بعض التحديات التي تواجه زمن الصورة التلفزيونية: "التقارير الميدانية المصورة لاتزال تحتل نسبا ضئيلة في بعض القنوات الحكومية، لاسيما عند تغطية الأخبار العالمية، إما بسبب قلة المراسلين أو تواضع الإمكانات المادية، فتبقى رهينة ما تبثه وكالات الأنباء العالمية ذات التغطية المتحيزة".

* "الثرثرة العربية تطغى على الصورة التلفزية"، جريدة البيان الإماراتية، دبي، 5 نونبر 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال