طلعت علينا مؤخرا أصوات هنا وهناك، في أعقاب إذاعة الفيلم الأمريكي وملف المجلة الفرنسية شارلي إيبدو، المسيئين لصورة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، طلعت علينا تندد بالاحتجاجات الضخمة التي تلت ذلك، وأعمال العنف التي استتبعتها بهذا البلد الإسلامي كما بذاك.
وقد ارتفعت وتيرة هذه الأصوات بعد مقتل السفير الأمريكي في بنغازي بليبيا، وإحراق أكثر من مصلحة دبلوماسية أو اقتصادية متواجدة بالبلدان الإسلامية، وتابعة للولايات المتحدة أو للبلدان المتعاطفة مع الفيلم الأمريكي والرسوم الفرنسية.
وارتفعت ذات الأصوات أكثر وهي تصرح علانية بأن هذه السلوكات هي سلوكات أفراد، وليست سلوكات دول، وأن لا سبيل لهذه الأخيرة (الدول أعني) لمنع الفيلم أو مصادرة عدد المجلة، لأن ذلك يتنافى ومبدأ حرية التعبير والتفكير الذي ترفعه دساتير هذه الدول لمرتبة القداسة.
وعليه، فإن هذه الأصوات لم ولا تتوانى في الدفع بأمرين لمواجهة هذه السلوكات المسيئة للرسول (ص): الاحتجاج بالطرق السلمية، ثم ركوب أساليب حضارية لتبليغ خطاب الرفض والتنديد بهذه السلوكات، إما بعرائض احتجاج، أو بمقالات علمية، أو بمواجهات فكرية أو بشتى أشكال التعبير الأخرى.
وحجتهم في ذلك (لا سيما الأصوات العربية والإسلامية المناهضة لطبيعة هذه الاحتجاجات) إنما القول بأن الإسلام دين سلام وتسامح، ينبذ العنف بكل أشكاله، ويطالب بتفعيل الآية الكريمة "لا تزر وازرة وزر أخرى"، أي والحالة هاته، الولايات المتحدة وفرنسا، ثم الغرب المسيحي بكل تلاوينه.
وحجتهم في ذلك أيضا أن الرسول (ص) لم يكن ليقبل بهذه الاحتجاجات، ليس فقط لأنها تتضمن العنف، وتطاول النفس التي نهى الله تعالى عن إيذائها، بل وأيضا لأن الرسول الأكرم ذاته تعرض في زمنه لإهانات من هنا وهناك، ولم يقتص البتة من الجهات مصدر هذه الإهانات.
وبناء عليه، فإن هذه الأصوات، ومعظمها نابع من عرب ومسلمين، مفكرين وسياسيين، علماء دين وبعض من العامة المتنورة، إنما ترى في امتطاء ناصية العنف من لدن المحتجين، ترويجا وتكريسا للصورة السلبية أصلا عن الإسلام، فضلا عن كونها تصور المسلمين في كونهم غلاة ومتطرفين وانفعاليين.
قد تكون بعض هذه الأصوات على حق، بما فيها تلك التي تذهب لحد تجاهل أعمال من هذا القبيل، بالسينما أو بالتلفزيون أو بالصحافة المكتوبة، على اعتبار أن سمو مرتبة الرسول (ص) في نفوس المسلمين، هي أقوى وأعمق من أن تنال منها أعمال كالتي تستقصده بالسوء والإهانة هنا أو هناك.
وقد يكون بعضها الآخر على حق أيضا، بما فيها تلك التي تطالب بالقصاص من أصحاب هذه الأعمال أمام العدالة، أو تلح على تجريم الإساءة للدين الإسلامي في القوانين الوطنية للدول.
إلا أنه إذا كان بالإمكان فهم طبيعة والغاية من تصريحات هؤلاء، فليس من الوارد تفهمها دائما، على اعتبار مكانة الرسول (ص) في نفوس المسلمين، عربا وغير عرب، متدينين وعلمانيين على حد سواء:
+ فالرسول محمد (ص) هو النموذج الروحي المقتدى به وبرسالته من لدن أكثر من مليار من بني البشر، وبكل بقاع الأرض، والتعرض لشخصه بهذه الطريقة أو تلك، هو استهداف مباشر لعقيدة مجرد التشكيك فيها يوقع صاحبه في المحذور المطلق، ومن ثمة في تصرفات من المستحيل تحديد مداها أو حدة رد فعلها.
+ والرسول (ص) هو المثال المحتذى به خلقا وسلوكا وعبرا من لدن ملايين البشر، لا يستقيم دينهم أو تثبت صلواتهم إذا لم يستحضروه ويستلهمون سلوكه، ويجددون الصلوات عليه آناء الليل وأطراف النهار.
كيف يطالب البعض إذن أن "يضبط المرء أعصابه"، ويرد "بطريقة حضارية" على من يتهكم عليه، أو يشتمه، أو يجعل منه مادة صرفة للاستهتار والسخرية؟
ثم ألم يتعرض المسيحيون أنفسهم (رعاة حرية التعبير حسب ما يدعون) لأكثر من دار للسينما، كان لها أن عرضت أفلاما مسيئة للسيد المسيح عليه السلام؟
ثم ألم يطرد أكثر من صحفي، بهذه الجريدة أو المجلة، بأوروبا وبأمريكا، للطرد والتضييق، لمجرد نشره مقالات تسيء لشخص البابا، أو لقدسية مركزه بالكنيسة، أو لسبب آخر قد يكون أخف وطأة؟
قد لا يبلغ الأمر مبلغ إيذاء الأديان، بل قد تكون قضايا أقل شأنا، ومع ذلك لا يستطيع المرء الاقتراب منها، دونما التعرض إذا لم يكن للمتابعة القضائية، فعلى الأقل للإقصاء والتهميش والمقاطعة.
فمن يجرأ للتعرض بالتشكيك أو المزايدة "لمحرقة اليهود" دونما احتمال تعرضه للعقاب والمحاسبة، بل ولربما المتابعة والقتل؟
* "ما معنى الاحتجاج بأسلوب حضاري؟"، 24 شتنبر 2012.