هشام القروي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، يوليوز 2012، 56 ص.
في محاولة منه لتحديد "مفهوم الشرق الأوسط"، يلفت الكاتب النظر إلى أن "أطلس الشؤون الشرق الأوسطية" يفتقر إلى تحديد مصطلح الشرق الأوسط تحديدا دقيقا. فهو يشمل تارة إيران والخليج الفارسي (أو العربي)، كما يشمل في بعض الأحيان إفريقيا الشمالية وليبيا، فيما يعتبر البعض مصر كحد فاصل.
لكن الأطلس يقترح تعريفا يشمل "تركيا وإيران ومصر وليبيا والعربية السعودية والعراق وسوريا ولبنان والأردن وإسرائيل"، بحيث لا يمتد إلى شمال إفريقيا ولا إلى آسيا الوسطى.
أما سمات هذا الشرق الأوسط فهي:
+ يشير الأطلس أولا إلى الإسلام بصفته دين الأغلبية.
+ كون هذه المنطقة كانت في غالبيتها تحت السيطرة، الإسمية أو الواقعية، العثمانية.
+ كون هذه المنطقة تقع في مفترق طرق العالم القديم، حيث تلتقي أوروبا وإفريقيا وآسيا.
ولأن هذا التحديد ليس دقيقا، على الأقل بحكم أن الإسلام يتجاوز بكثير مضمون التحديد إياه، فهذا يعني أن هذه السمة ليست حكرا على الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من اختلاف تحديدات الباحثين والأكاديميين، فإنهم غالبا ما يعتبرون المصطلح أكثر نجاعة، على الأقل من زاوية رسوخ العبارة وانتشارها وتداولها الواسع.
ويلاحظ الكاتب أن "تحديد الشرق الأوسط قد خدم في العديد من الأحيان مصالح القوى الكبرى التي هيمنت على المنطقة. وأي بلد قد يعد منتميا إلى المنطقة أو واقعا خارجها، وفقا للدور الذي تمنحه إياه في نهاية المطاف، مصالح تلك القوى".
وعموما، فإنه يعتقد أن الشرق الأوسط " أراض تقع على ثلاث قارات، هي إفريقيا وآسيا وأوروبا (الجزء الأوروبي من تركيا). وعندما يقع التأكيد على بعض السمات اللغوية والدينية والسياسية مع التعقيدات التاريخية للمنطقة، توسع الخريطة لتشمل أفغانستان وباكستان، وبعض دول آسيا الوسطى السوفياتية التي للإسلام فيها تأثير كبير".
ويعتقد الكاتب أنه من وجهة النظر التاريخية، "فإن هذه المنطقة الجغرافية التي تشير إليها التسمية المعاصرة، تتوافق على نحو وثيق مع الموجة الأولى من الفتوحات الإسلامية والأمبراطوريات الثلاث الأكبر زمن توسعها: الأمويون ( 661 إلى 750) والعباسيون في الفترة الأولى (750 إلى 800) والعثمانيون من بداية القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر".
أما عن اعتبار الشرق الأوسط قلب الإسلام، فإن ذلك يبدو مضللا برأي الكاتب، لأن المسلمين يتوزعون اليوم على منطقة واسعة جدا، تمتد من إندونيسيا إلى الفلبين، وتعبر شبه القارة الهندية/الباكستانية، وآسيا الوسطى وإيران وتركيا والمناطق العربية في الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فضلا عن أوروبا وأمريكا واستراليا.
كما أنه ليس صحيحا، يقول الكاتب، الحديث عن العالم العربي، أي المنطقة التي يعيش فيها الناطقون باللغة العربية وكأنه قلب الإسلام، "وهو ما لا يتوانى عنه بعض الكتاب العرب، بما يعنيه ذلك من نقلهم رؤية خاطئة، متمركزة حول الذات في الحضارة الإسلامية".
كما يعتبر أن البناء على العربية باعتبارها لغة الإسلام والشرق الأوسط، من شأنه تحجيم الإسهام الفارسي في الحضارة الإسلامية.
إن الشرق الأوسط المعاصر، يتابع الكاتب، إنما هو وإلى حد كبير اختراع "لم يظفر بشهادة ميلاده (ببراءته) من شعوب المنطقة. وإنما من القوى الأجنبية، لا سيما بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية".
ويستشهد الكاتب بالمستشرق الأمريكي ماهان، والذي يعتقد أنه أول من استخدم عبارة الشرق الأوسط لبيان المشروعات الكولونيالية الإنجليزية. لكنه (أي ماهان) لم يحدد المنطقة الجغرافية بدقة، بل اعتبر الشرق الأوسط كمنطقة غير محددة، تحرس جزءا من الطريق البحري من السويس إلى سنغافورة".
ويلاحظ المؤلف أنه مع بداية الحرب العالمية الأولى، بات مصطلح الشرق الأوسط رائجا بقوة في القاموس الإنجليزي، ولكن "فيما كان الشرق الأدنى يوجه التركيز نحو تركيا، نجد الشرق الأوسط يوجه التركيز نحو الصين. وهكذا فقد بدا الشرق مقسما إلى ثلاثة أقسام".
ويستشهد الكاتب أيضا بالموسوعة البريطانية التي تشير إلى الشرق الأوسط باعتباره وحدة غير متجانسة، وأنها "تسمية مصطنعة أدخلتها القوى الخارجية إلى المنطقة"، عندما بدأت تخطط لسياسة منسقة في هذا الجزء من العالم.
وهكذا، فإن الشرق الأوسط، كما عرف بعد الحرب العالمية الثانية، يشمل " تركيا واليونان وقبرص وسوريا ولبنان والعراق وإيران وفلسطين والأردن ومصر والسودان وليبيا ودول شبه الجزيرة العربية نفسها: المملكة العربية السعودية والكويت واليمن ومسقط وعمان والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة واليمن الجنوبي". ثم أضيفت إليها فيما بعد تونس والجزائر والمغرب، التي كانت مرتبطة بفرنسا.
كما تضيف الموسوعة البريطانية، انطلاقا من العناصر الجغرافية والثقافية والدينية، أفغانستان وباكستان. وتعترف الموسوعة مع ذلك، بأن العالم العربي هو قلب الشرق الأوسط.
أما الأدبيات الأمريكية، فهي لا تختلف كثيرا عن تحديد الموسوعة البريطانية، لكنها تضيف دولا وتزيح أخرى في تحديد مجال المصطلح. من هنا، فهي تستثني دول المغرب العربي الثلاث، وتضع قبرص محل اليونان...كما أنها تقر بأن الإسلام هو دين 90 بالمائة من سكان المنطقة، وبها ظهرت الديانات التوحيدية الثلاث.
ويلاحظ المؤلف أن التحولات الكبرى التي عرفتها الخارجية الأمريكية، استنبتت مصطلحات أخرى، كمصطلحي "الشرق الأوسط الكبير" و"الشرق الأوسط الأوسع".
وهي مصطلحات غالبا ما يتم التركيز عليها، لا سيما عندما يراد ربطها بالإسلام أو بالنزعة الإسلاموية أو بمشاكل الأقليات.
إلا أن الأمريكيين هنا يعتبرون العالم العربي قلب الشرق الأوسط، لأنهم "لا يركزون على عناصر التجانس، بقدر تركيزهم على عناصر التنافر".
وبناء عليه، فإن مفهوم الشرق الأوسط، بجميع مرادفاته وبكل تطوراته وأشكاله، كان دائما يتضمن دلالة استراتيجية تجعله في قلب العلاقات الدولية، لا بل وفي قلب الاستراتيجيات الكبرى.
لذلك، نجد أن الشرق الأوسط، والمفهوم الثاوي خلفه، "هو النظام التحتي للعلاقات الدولية الأكثر اختراقا في العالم اليوم".
* "الشرق الأوسط الكبير...أهو حقيقة أم اختراع؟"، هشام القروي، نافذة "قرأت لكم"، 20 شتنبر 2012.