تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإعلام الجديد: سلطة فوق كل الحواجز...!

الإعلام الجديد فرض نفسه كسلطة حقيقية يعمل لها أصحاب القرار على كل المستويات ألف حساب، فسياسات التعتيم وإخفاء الحقائق لم تعد ممكنة في زمن مواقع التواصل والتفاعل والصورة الرقمية الفورية والجمهور «الصحفي».

والإعلام العربي ليس بمعزل عن هذا التغيير الجذري في مفاهيم الإعلام وأدواته، فإحصائيات المشاركين العرب في مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات تتصاعد بسرعة وهناك أكثر من 15 مليون عربي مسجلون على موقع الـ «فيس بوك» وحده.. وعلى امتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج تبدو انعكاسات الإعلام الجديد واضحة للعيان ونحاول رصدها في هذا الملف:

شارك في الملف:
هدى الزين
علياء دربك
جنان حسين
هناء نحلة
عبدالسلام لصيلع
إنشراح سعدي
حسن الأشرف
سكينة أصنيب

غياب المرجعية الثقافية

الدكتور صفوت العالم الأستاذ بإعلام القاهرة يعرّف الإعلام الجديد لمن أراد فهمه بأنه لغة صنع أدواتها كاميرا الهاتف المحمول، الإنترنت، تطبيقات الويب (فيس بوك - تويتر- يوتيوب)، والأهم من هذا كله هو عقل يتقد بالمواهب لم يجد التقدير في محيط وطنه. أنه لمن المسلم به، أنه لم يعد من الممكن حصر العقل بالإعلام التقليدي. فلقد أصبح الإعلام الجديد متنفساً لهؤلاء فهنالك يرى الفرد ما يختار فيقارن الرأي والرأي الآخر، فعلى سبيل المثال تشاهد مقطعاً لليوتيوب يروي «حقيقة ما» بطريقة متحيزة وعلى نفس الصفحة تجد رابطاً لمقطع آخر يناقض الأول في أسلوبه الروائي عنوانه الرد على.. وهنا يكمن التغيير!
يستطرد: إنه تأثير الإعلام الجديد حين أصبح التواصل الاجتماعي تواصلاً فكرياً يجمع بين المتعة وتبادل الأفكار بعيداً عن المرجعية الثقافية حيث يكون الفرد هنالك بنصه وليس بمظهره أو إنتماءاته. لذا لا يمكن تقييم ظاهرة كهذه بمؤامرة محلية أو خارجية فقط - وإن كانت كذلك في بعض الأحيان فلقد كشفت وكالة المخابرات الامريكية كما أوضح تقرير إخباري على قناة سي إن إن الاخبارية مؤخراً عن تبني وتمويل الفيس بوك كمشروع استخباراتي معلوماتي. ظاهرة كهذه لا يمكن فهمها هكذا فحسب أكثر من فهمها كظاهرة عالمية فالعديد من الشباب والشابات في أوروبا وأمريكا وأستراليا يتخذون ذات النهج في نقاش قضاياهم المحلية والعالمية إنها ظاهرة عالمية وليست عربية كما يظن البعض، اجتماعية «حيوية» جديرة بالاهتمام والـتأمل الرابح فيها هو من بادر لتبنيها وفهم أدواتها.

إنه لأن تنتقل بالعقل التقليدي من المسلمات إلى التساؤلات يعني أنه لا بد أن تكون هنالك إجابات ملموسة وفي حال غياب هذه الإجابات فإن المصير الحتمي لهذه التساؤلات أن تبدأ بافتراضات صائبة أو خاطئة، تولد تساؤلات جديدة.... وهذا هو منهج البحث العلمي؟! فما الذي حصل إذن؟

العرب والإعلام الجديد

يقول الكاتب والمدون محمد ناصر: أصبح مصطلح «الإعلام الجديد» واحداً من أهم المصطلحات التي تثار في العديد من المنتديات والمؤتمرات فهو الصناعة التي حققت المليارات السريعة لـ -مارك زوكربيرج- مؤسس الـ face book كما أنه وبأدواته المميزة استطاع أن يفجر قضايا عديدة على مستوى العالم وينقل المشاهد من المتابعة إلى المشاركة الفاعلة في كافة مراحل إعداد مادة الخبر وحتى ظهوره على الشاشة ولا يوجد مثال أقوى على ذلك من الاستخدام السياسي «للتويتر» من قبل نشطاء سياسيين فى مصر.

يستطرد: لقد أضحى الحديث عن الإعلام الجديد عالمياً وأعدت له الدراسات والأبحاث والتي ربما جعل بعضها المستخدم الأمريكي المقياس الحقيقي لما يدور على الشبكات الاجتماعية إلا أن هذا كان له ما يبرره بشكل كبير خاصة مع تنوع نمط استخدام المستخدم الأمريكي. والذي ساعد على تحقيق أرباح مطردة وسريعة جعلت الشبكات الاجتماعية الصناعة الأسرع نمواً في تاريخ البشرية.

وفى محاولة لفهم تجربة الإعلام الجديد بشكل أفضل يقول المدون محمد ناصر: لابد لنا من العودة إلى الخلف حيث كانت المعادلة الشهيرة هى السارية على كافة وسائل الإعلام مرسل/ وسيط «أياً كان جريدة أو تلفازاً أو راديو»/ مستقبل، وبالطبع الرسالة التي هى الهدف في الأساس من الاتصال.

وظلت هذه المعادلة سارية إلى وقت طويل حتى مع زيادة عدد القنوات التلفزيونية أو الجرائد أو حتى محطات الراديو.. صحيح أنه طرأ عليها تغير طفيف يسمى بالـ «الفيس بوك» أو ما يسمى بالتغذية الراجعة والتي تمثلت في مشاركة الجمهور بآرائهم سواء من خلال حضور حلقة تلفزيونية أو الاتصال الهاتفي أو حتى الإيميل.

إلا أن الإعلام الجديد ظهر ليقلب هذه المعادلة رأسا على عقب.. صحيح أن الإعلام الجديد تمثل في وسائل جديدة إلا أن التغيير لم يتوقف عند الوسائل لكنه امتد ليشمل المفهوم فأصبح الجميع قادراً على الإرسال وكذلك قادراً على استخدام الوسائط على اختلافها سواء كانت «نصاً أو صورة أو فيديو».. وبالتالي أصبح العالم أمام فيضان إعلامي غير مسبوق.

يستطرد: إلا أن هذا الفيضان يأتي في رأيي في إطار العودة لجذور الإعلام فعندما كانت المجتمعات قديما بسيطة سواء من ناحية العدد أو التركيب السكاني كانت المعلومات يتم تداولها في إطار القبيلة أو المجموعة بوسائل تحمل نفس مفهوم المشاركة الذي مثَّل عنصر القوة الحقيقي للإعلام الجديد فخلال أوقات التجمع داخل هذه المجتمعات كان يتم مشاركة المعلومات فيما بينهم بشكل علني وسريع وهو ما يشابه فكرة الكتابة على الحائط الشخصي في الفيس بوك أو حتى عمل تاج لمجموعة من الاشخاص في صورة أو موضوع ما.
وبالتالي فما فعله الإعلام الجديد لم يكن إلا إحياءً لمفهوم قديم مع تجديد الوسائل بحيث تتناسب مع مجتمعات أكبر حجماً وأكثر تنوعاً.

الحملات الانتخابية والرسائل القصيرة

تطورت ممارسات ومبادئ سلوك وسائل الإعلام في الحملات الاتخابية إلى ما نعتبره الآن «وسائل الإعلام» التقليدية: الصحف والإذاعة والتلفزيون. إلا أن أشكالاً جديدة من وسائل الإعلام تطورت الآن بشكل سريع مثل الرسائل القصيرة التي تنتقل عبر الهواتف المحمولة، على سبيل المثال.

ولكن ترى هل ستكون الممارسات والقوانين وأساليب نقل الأخبار التي وضعت على مدى السنوات لوسائل الإعلام التقليدية مطبقة أيضاً على «وسائل الإعلام الجديدة» ؟ أولاً، يوجد هناك ارتباك واضح يجب إزالته منذ البداية. هناك العديد من الطرق الممكنة لاستخدام تكنولوجيا الاتصالات الإلكترونية في العملية الانتخابية نفسها.

وتشمل التسجيل والتصويت على الإنترنت باستخدام شبكة الإنترنت أو الرسائل القصيرة. ولكنها محدودة للغاية، ويجب أن يتم تمييزها عن الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه التكنولوجيات في نقل الأخبار أو الحملات الانتخابية. ولن نتناول الحديث عنها هنا.

إن الكثير من الافتراضات التي تكمن وراء تنظيم وسائل الإعلام التقليدية لا تنطبق بكل بساطة على وسائط الإعلام الجديدة. فمساحة نشر المواد على الشبكة العالمية على سبيل المثال غير محدودة نهائيا، بالمقارنة مع تنظيم بث الطيف الترددي الذي هو مورد محدود ويجب أن يكون مشتركاً.

ويمكن أن تقوم التكنولوجيات الجديدة إلى حد ما، بتحدي الهيمنة القوية للشركات أو الجهات الحكومية. ومن الأسهل كثيراً بالنسبة للأفراد أو المجموعات الصغيرة، إقامة المواقع على شبكة الإنترنت، أو استخدام حملة رسائل نصية قصيرة، عن إنشاء الصحف أو محطات التلفزيون. ولكن في نهاية المطاف، إن شبكة الإنترنت وغيرها من التكنولوجيات الجديدة في وسائل الإعلام (مثل خطوط الهاتف) تملكها الحكومات أو أصحاب الشركات الكبيرة.

الجمهور متلقياً ومشاركا

يعبر الصحفي الكويتي محمد الشمري عن رأيه قائلاً: مع انتشار التقنيات الحديثة للاتصال وتزايد تطبيقاتها في مجال الإعلام وخاصة على الإنترنت وظهور الصحف الإلكترونية بدأ انتشار الصحافة الإلكترونية وبدأت تأخذ مكانها وتغيرت معها المفاهيم من حيث الطرح والتواصل ما بين الصحفي أو الكاتب وما بين القارئ فقد بات القارئ أو بلغة التقنيات «المستخدم» لهذه التقنيات المتطورة، يلعب دوراً محورياً في العمل الإعلامي.. أصبح متلقياً ومشاركاً في نفس الوقت من خلال فرصة التعبير عن آرائه مباشرة والانتقاد كما يحلو له كما أن هذا التوجه فتح المجال أمام القراء للمشاركة بشكل أوسع عبر شبكة واسعة النطاق ألغت العزلة والاحتفاظ بالرأي حيث كان القارئ يحتفظ بما يريد التعبير عنه لنفسه لأن ليس من وسيلة للتواصل إلا بزيارته إلى مقر الصحيفة.

ويستطرد قائلاً: من خلال ممارسة للعمل الصحفي يومياً هناك تواصل مع القراء من خلال التعليقات على الخبر أو المادة المنشورة وأيضا النقد أو طرح الأسئلة كل ذلك يساعد على تطوير العمل الإعلامي بشكل عام لأن ما ينطبق على الصحافة ينطبق على كافة وسائل الإعلام.

ويرى وليد العبد الله أن إفساح المجال للجمهور من المساهمة يساعد في دعم الإعلام الجديد الذي يتماشى مع طبيعة العصر الحديث والتطورات التي نشهدها.

ويقول: الإعلام الجديد عالم واسع ومتنوع لا يقتصر على الصحافة بل مختلف وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة حيث تواصل الجمهور دون حواجز أو قيود والأمثلة عديدة لا سيما نشرات الأخبار التي تنقلنا لموقع الحدث بالصوت والصورة حتى أن هناك تعليقات من المسؤولين حول ما ينقل من حدث أو خبر وبالتالي يشعر المشاهد والضيف والإعلامي بأن الجميع في دائرة الأحداث. مشيراً إلى أن الاهتمام والتوسع نحو الإعلام الجديد ازداد بعد الأزمة المالية العالمية في نهاية 2008 وتساقط شركات عالمية كبرى ومن بينها في مجال الإعلام فكان التوجه نحو الإعلام الجديد باعتباره الحل الأنسب من ناحية اقتصادية خاصة للصحف الورقية وتكلفة الطباعة.

أما نوال الشهاب فترى بأن الإعلام الجديد في دولنا العربية ما زال مقتصرا على بعض المجالات مثلا في برامج الواقع الاجتماعي ومراسلي الأخبار وإن كانت برامج الواقع (التوك شو) أيضاً عليها رقابة في اختيار المواضيع المطروحة أما الصحافة ما يزال البعض متمسكاً بالعقلية التقليدية التي تعطي الصحفي فرصة لممارسة نفوذه على ما ينشر على عكس الآليات الجديدة من الممارسات الإعلامية العصرية التي تجعل الإعلام أكثر شفافية. وتقول: تبدو أهمية التقنيات الحديثة والتوجه نحو الإعلام الجديد في الصحافة الإلكترونية فقد أصبحت الصحف اليومية الورقية لديها موقعها الإلكتروني الذي تتواصل من خلاله مع الجمهور ويزيد الإعلامي - الصحفي منافسة لتقديم الأفضل طالما هناك منه يرصد أعماله ويتابع ما ينشر.

وتقول مروة الهاشم طالبة في السنة الرابعة إعلام: الإعلام الجديد له ايجابياته الكثيرة المتمثلة في نقل الأخبار ساعة وقوعها وكأن المتلقي في موقع الحدث فلم يعد هناك تأخير أو عدم الحصول على المعلومات كل شيء يتم بسهولة عبر شبكات الإنترنت والاتصال كذلك برامج الواقع التي شجعت الكثير من الكوادر على طرح قضايا هامة وإتاحة المشاركة بالإضافة إلى اللقاءات عبر الستالايت التي تفتح آفاقاً أوسع للمعرفة والتواصل. وتشير إلى أن تطور مفهوم الإعلام الجديد بات واضحاً فتقول: وسائل الإعلام التقليدية شهدت من قبل تعاون بين الجمهور والمؤسسة الإعلامية مثل بريد القراء والرد على استفسارات الجمهور وتحول الأمر إلى التفاعلية وهذا ما لم يكن متوفراً في البيئة الإعلامية التقليدية.

وتؤكد مروة على أهمية مواكبة التطور في مجال الإعلام لمسايرة الجديد فما نعيشه اليوم لم يعشه أهالينا فاليوم يمكننا متابعة ما فاتنا من برامج أو عمل إعلامي في غضون دقائق على الانترنت.

من جانبه يقول أستاذ الإعلام د. عماد الزيد ما نعيشه اليوم من انفتاح على كافة دول العالم إعلامياً أمر يحتاج لوقفة وتفكير فالأخبار تنقل لنا من كل مكان بالصوت والصورة ونشر الخبر لم يعد يستغرق سوى دقائق فنحن نعيش ثورة الإعلام الجديد وثورة الإنترنت بتقنياته التي كسرت الحواجز وتغلبت على الآليات التقليدية في نقل الخبر والحدث.. أصبح اليوم توثيق للخبر والمعلومة ما يؤكد مصداقية ما ينقل من أخبار وتغطيات إعلامية.

مع هذا التطور لم يعد هناك ما نخفيه أمام الجمهور نحن نعيش إعلاما مفتوحا نرى كل ما يدور حولنا، لا تعتيم ولا إخفاء للحقائق وأعتقد ما يجري اليوم على الساحة من ثورة الربيع يؤكد هذه الحقيقة. أستطيع أن أقول الإعلام الجديد هو إنقلاب في عالم الإعلام له حضور وتأثير في مسار المجتمعات والدول لما يميزه من إعلام تقني سريع ومباشر وآني.

كشف الفساد

عرف المغاربة التأثيرات القوية للإعلام الجديد قبل سنوات عندما أقدم مدون مغربي بنشر وثائق على مدونته في الإنترنت تكشف قيام مسؤول وزاري كبير بتبذير الأموال العمومية عبر سفريات إلى خارج البلاد دون مسوغات أو مبررات منطقية، فكانت النتيجة المباشرة أن هذا المسؤول تعرض لضغط وإحراج شديدين دفعاه إلى تقديم استقالته من منصبه داخل الوزارة.
وبعد تلك الحادثة بسنوات قليلة، صار عدد من المغاربة يلجؤون إلى وسائل الإعلام الجديد للاستفادة منها بغية إيصال أصواتهم أو احتجاجاتهم إلى المسؤولين، ومن ذلك مقاطع فيديو بثها ناشطون شباب نالت شهرة واسعة في العالم، وهي تسجيلات مرئية لدركيين وهم رجال أمن يعملون في المدن الصغيرة يأخذون رشاوى من مستعملي الطريق، سواء كانوا سائقي الشاحنات أو السيارات في مدينة صغيرة ومهمشة تقع شمالي البلاد.

وكشفت الفيديوهات المبثوثة عبر موقع اليوتوب بعض رجال الدرك يأخذون إتاوات مالية من السائقين حتى يتركوهم يمرون دون تطبيق القانون عليهم، خاصة أن هؤلاء السائقين يضعون في سياراتهم وشاحناتهم حمولات من البضائع لا يسمح بها القانون. وأفضى نشر هذه المقاطع إلى فضح ممارسات الرشوة لدى مستعملي الطريق، مما دفع السلطات إلى توقيف ومحاكمة من تم ضبطهم من خلال تلك الفيديوهات، وهو ما جعل الكثيرين يتصرفون بحذر إزاء منح أو أخذ الرشاوى.

قوة ضغط؟

ولعب الإعلام الجديد أيضاً تأثيرات كبيرة في ما سُـمي بالربيع العربي في المغرب، متمثلا في حركة 20 فبراير، والتي أعقبتها إصلاحات سياسية هامة دشنتها البلاد لتُتوج بدستور جديد أفرز انتخابات برلمانية أفضت إلى حكومة جديدة بقيادة الإسلاميين؛ ومن تلك التأثيرات أن عددا من الشباب كانوا ينظمون المسيرات التي تطالب بالكثير من الحقوق الاجتماعية والسياسية من خلال التواصل عبر موقع الفيسبوك، وغيرها من وسائل الإعلام الجديد.

وأضحى هذا الإعلام الجديد مثار اهتمام العديد من المغاربة الذين لا يجدون وسيلة ناجعة لإيصال أصواتهم إلى أصحاب القرار، فاهتدى الكثيرون إلى تسجيل مقاطع فيديو يبثونها عبر موقع اليوتوب أو المنتديات الإلكترونية المختلفة، بهدف الكشف عن ممارسات مختلة في تسيير الشأن العام، أو للبوح بظلم أو اعتداء تعرضوا له.

ويعتبر الخبير الإعلامي الدكتور يحيى اليحياوي بأن أدوات «الإعلام الجديد»، من قبيل اليوتوب والدايلي موشيون والفيسبوك وغيرها، قد باتت بالفعل الميزة الأساس للشبكات الإلكترونية بداية هذا القرن؛ إذ أضحى بإمكان كل من لديه مادة أو صورة أو معطى أن يتحصل على حساب مجاني يمكنه من هذه العمليات دونما مراقبة من سلطة، أو رقابة رقيب».
واستطرد الخبير بأن «هذه المواقع بات لها بعض من النفوذ كقوة ضغط، فتمرير صور حية على هذا التجاوز أو ذاك عن هذه الفضيحة أو تلك، عبر هذه المواقع، غالبا ما يؤثر على أصحاب القرار، ويدفعهم للتجاوب مع المواد المروجة».

 
كسر احتكار النخب

وفي الجزائر حضور ملموس لأشكال الإعلام الجديد وهي في كل الاحوال إرث من مجمل الارث الذي نستورده للاستهلاك من الغرب، هذا الإعلام يمكن أن تسميه صحافة الإنترنت التي تؤسس لتغيير جديد في مفهوم الصحافة وعمل الصحافي عموماً ساعية إلى كسر شوكة الإعلام التقليدي كي تحقق ما فشل قي تحقيقه الأول، وأن يضع أسساً لفضاء صحفي افتراضي جزائري يكسر الحواجز خاصة في غياب حرية الصحافة.

 يقول الاستاذ أحمد عشوي من كلية الاتصال والإعلام أن مصطلح الإعلام الجديد يطلق على تكنولوجيات الاتصال الحديثة وثورة المعلومات التي ظهرت في أواخر القرن العشرين، والتي تشمل شبكات الاتصال الرقمية والحاسوبية المختلفة، فالإعلام الجديد أحدث ثورة في عملية الاتصال، حيث نقلها من شكل الاتصال التقليدي إلى الاتصال الحديث أي من العديد إلى العديد من المتصلين أي من الجماهير إلى الجماهير، فقد ساهم هذا النظام من التواصل في تفاعل المجتمع، وفي إعادة تشكيل الأنماط التواصلية القديمة القائمة على احتكار النخب السياسية والثقافية لوسائط الإعلام وباقي وسائل التعبير في الفضاء العام، فالإنترنت مثلاً لم تسهل عملية الوصول إلى المعلومات والأخبار فحسب، بل أتاحت الفرصة للمستخدم لإنتاج مضامين ورسائل وبيانات من خلال أشكال تعبيرية مختلفة كمنتديات الحوار والمدونات والصفحات الشخصية، وهكذا يصبح مستخدم الشبكة يشارك ويساهم في صناعة المعلومة وتبادلها، فيتفاعل ويستقبل، مما يجعله طرفاً في العملية التواصلية، فالإعلام الجديد فتح المجال أمام أفراد المجتمع لممارسة مختلف أنواع الاتصالات عن طريق البريد الإلكتروني، والفيس بوك واليوتوب...الخ.

وهكذا ظهرت مصطلحات جديدة، كالفضاء الإلكتروني الافتراضي العام، والحكومة الإلكترونية، والديمقراطية الإلكترونية، وديمقراطية وسائل الإعلام، وصحافة الموطن.....إلخ، فرص عديدة إذن يقدمها الإعلام الجديد للمواطن الجزائري وللحكومة للخروج من وضعية عدم التواصل، وعدم الحوار، ومن الإعلام العمودي في اتجاه واحد إلى الإعلام الأفقي والاتصال في كل الاتجاهات ومن قبل مختلف الفعاليات وإلى بناء شبكة اتصال متنوعة، وتفاعلية، وسريعة، وبتكلفة بسيطة جداً، فالإنترنت مثلا يمكن الاستفادة منه لوضع أسس صلبة لفضاء عام اجتماعي، سياسي، ثقافي ومعرفي، يلتقي فيه الجميع للحوار الصريح والجاد، بهدف الوصول إلى اقتراحات بناءة للتأثير على العمل السياسي، فالفضاء العام هو المجال الذي يحتضن الممارسة السياسية ويؤثر فيها إيجابياً.

ومن بين الأمثلة على تعاطي الجزائريين لهذا النوع من الإعلام الجديد هو تفنن الشباب بواسطة الإعلام الجديد في نقل الاحتجاجات من مختلف أنحاء الوطن عبر الإنترنت، وأصبح ما يقدم على شبكات التواصل الاجتماعي مادة إعلامية متميزة للعديد من الجرائد والقنوات العالمية في تغطيتها لما كان يحدث بأحياء ومدن الجزائر، واستمرت ثورة إعلام المواطن في تغطيتها مع تواصل إحجام التلفزيون الرسمي عن نقل الكثير من الأحداث والكوارث الطبيعية مثل فيضانات ولاية البيض، ومظاهرات سكان الولايات ضد المسؤولين المحليين وضد تفشي البطالة.

وتشير آخر الإحصائيات التي يقدمها موقع «socialbakers.co» المختص في متابعة شبكات التواصل الاجتماعي إلى أن عدد الجزائريين المسجلين في الفيسبوك قارب ثلاثة ملايين مشترك (2835000) شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، بنسبة زيادة بلغت 85 في المائة مقارنة مع نهاية سنة 2010. ويمثل هؤلاء المسجلون ما نسبته 8.20 في المائة من العدد الإجمالي للسكان الذي يقدر بـ 36 مليون نسمة، واحتلت بذلك المركز 47 عالمياً والرابع عربياً بعد كل من مصر والسعودية والمغرب، متقدمة على تونس التي تعتبر مهد الربيع العربي، وأول بلد استخدم شبابها الفيسبوك لإسقاط النظام.وبالرغم من أن نسبة عدد الجزائريين المسجلين في الفيسبوك بالنسبة إلى عدد السكان لاتزال ضعيفة، وذلك بسبب ضعف الربط بالشبكة العنكبوتية على المستوى الوطني مقارنة مع دول عربية أخرى، حيث يمثل عدد المشتركين في الشبكة الاجتماعية الأشهر عالمياً ما نسبته 60.32 في المائة من المنخرطين في خدمة الإنترنت الذين يقدر عددهم بـ7 ملايين مشترك.

وساهمت السلطة في الجزائر من خلال استمرارها في سياسة التحكم في قطاع الإعلام، في أن تكون شبكات التواصل الاجتماعي البديل الإعلامي المتاح لفتح أبواب التفاعل والنقاش السياسي أمام الشباب وكشف الكثير من الملفات والقضايا التي لا يزال «مسكوتا عنها» في الإعلام التقليدي.

وتبلورت ضمن هذه الصفحات أفكار تدعو إلى التغيير الهادئ، والدفع بالاتجاه نحو مزيد من الحريات السياسية والإعلامية، ولم تخل هذه الصفحات من الانتقادات الشديدة لبعض الوجوه في الحكومة الحالية التي تصف بعضها بأبشع الأوصاف.

لغة العصر

وتؤكد مديرة القسم الدولي في كلية (CFPJ) الفرنسية المتخصصة في الإعلام ( فيرونيك غاري ) مدى اهتمام العالم اليوم بعلوم الإعلام المهني الإلكتروني الذي بات أحد أهم الجوانب التي تركز عليها المؤسسات الإعلامية المتميزة حول العالم، معتبرة أن التوجه العالمي نحو التركيز على الإعلام الإلكتروني ليس بالمستغرب في عصر سخرت فيه التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة لخدمة المتابعين والقراء للأخبار والأحداث التي تنتقل لكل أرجاء العالم بسرعة فائقة من خلال شبكة الإنترنت وعبر شتى وسائل التواصل وبالتالي فهو بلا شك لغة العصر الحديث.

وكلية (CFPJ) والتي تقع في العاصمة الفرنسية باريس ركزت على هذا الجانب من خلال تقديم برنامج أكاديمي بدرجة الماجستير في الإعلام الإلكتروني إلى جانب برامج تدريبية تنفذها في منطقة الشرق الأوسط والعديد من الدول بالتعاون مع مؤسسات إعلامية ضخمة لها صيتها ومتابعوها من أجل تطوير مهارات الصحافيين المحترفين.

أما السيد كريستان من صحيفة فرانس سوار فيقول: إن أبرز شكل لعصر الانفتاح الفضائي الإلكتروني هو النقل الحر للمعلومة في العالم، من خلال بروز شكل جديد من أشكال الإعلام، وهو الإعلام الإلكتروني، الذي استفاد من ثورة عالم الإنترنت وطوعها لتكون وسيلة مناسبة لنقل الرسالة الإعلامية إلى جمهور واسع، وشكَّل التطور المتواصل في عالم البرمجيات المستخدمة من إكساب هذا النوع الجديد من الإعلام بعداً تفاعلياً مع الجمهور ربما غاب في وسائل الإعلام التقليدية، ذلك أن هذا النوع من الإعلام يستخدم الصور والصور المتحركة والأشكال والرسومات بطريقة تجعل القارئ يتفاعل بشكل أكبر مع الموضوع، حيث تميزت سهولة التعليق على الأخبار في هذا النوع من الإعلام في سرعة التغذية الراجعة من الجمهور والتي تسهم في معرفة القائمين على الإعلام الإلكتروني بما يطلبه جمهور المتلقين، وبالتالي سرعة تطوير المحتوى الإعلامي بما يجذب المزيد من الجمهور.

إلا أن وسط هذه الثورة الجديدة في عالم الاتصال ارتفعت أصوات عديدة حول العالم تحذر من بروز خطر حقيقي أمام وسائل الإعلام التقليدية خصوصاً أمام الصحافة المطبوعة، وبأن الإعلام الجديد بات يجذب جمهور الصحافة المطبوعة، ويهدد مستقبلها في حال اختفاء نسبة كبيرة من جمهورها، في وقتٍ قلل متابعون للواقع الإعلامي من خطورة الموقف، ورأوا في الأمر أنه طبيعي عند ظهور أي نوع جديد من وسائل الإعلام ويقولون إن الشعور بالخطر والتهديد كان يظهر مع بروز أي وسيلة إعلام جديدة فهو ظهر مع بروز الإعلام الإذاعي والتلفزيوني، ورغم ذلك استمرت جميع هذه الأنواع من وسائل الإعلام، ولكل وسيلة جمهورها.

تغيير جذري

اما المصور الصحفي ممدوح انور وهو مصور محترف في منظمة اليونسكو وعدد من الصحف فهو يتحدث عن تأثير تقنيات الديجتال على الصورة الصحفية قائلاً: لقد تغيرت الامور كثيراً في السنوات الأخيرة بعد وصول تقنية الديجتال حيث انتهينا من تعقيدات الطريقة الكلاسيكية من استخدام الأفلام وتحميضها وكنا لا نعرف نتائج الصورة قبل تحميضها وهذا كان يصرف الوقت والجهد معاً، الآن من خلال الديجتال والصور الرقمية نستطيع أن نرى النتيجة بشكل سريع نستطيع تصغيرها أو تكبيرها وأصبحت تقنية الصورة أفضل بكثير. كما أننا نستطيع التقاط ألف صورة لاختيار الافضل، كما أننا نستطيع إرسال المادة المصورة عبر ما يسمى الفلاشة أو السي دي والإنترنيت وهناك أجهزة تصوير حديثة تتيح إرسال الصورة مباشرة إلى الصحيفة بنفس لحظة تصويرها مما يتيح السهولة والسرعة في نشر الأخبار سواء على المواقع الإلكترونية أو الإنترنيت.

وحول سؤالي: أنت كمصور صحفي قديم في فرنسا هل تفضل قراءة صحيفة ورقية أو إلكترونية على الإنترنت قال ممدوح أنور:

في العصر الراهن الوقت أصبح سريعاً لذلك أفضل أحياناً تصفح الأخبار على الإنترنت لأن من الصعب أن أبحث عن صحيفة أحب قراءتها لا أشتريها من باريس. وخصوصاً مع قلة عدد المجلات العربية المتوفرة في المكتبات وأماكن بيع الصحف. إلا أني أجد متعة كبيرة في قراءة الصحيفة الورقية. فنستطيع أن نحملها معنا في كل مكان في المترو وفي المقهى ونستطيع أن نقرأها بتأن وروية واستمتاع وهو لا يتوفر في قراءة الصحيفة الإلكترونية خصوصاً أن شبكة الإنترنت قد لا تكون متاحة في كل مكان للقارئ المتلهف لمعرفة الأخبار أو قراءة موضوع يهمه.

الصحافة الإلكترنية العربية

وبنظرة إلى واقع الصحافة الإلكترونية فيى العالم والعالم العربي نجد أن صدور أول نسخة إلكترونية في العالم يعود إلى عام 1993م حيث أطلقت صحيفة سان جوزيه ميركوري الأمريكية نسختها الإلكترونية، تلاها تدشين صحيفتي ديلي تليجراف والتايمز البريطانيتين لنسختيهما الإلكترونيتين عام 1994م، وعربياً أصدرت أول صحيفة عربية نسختها الإلكترونية منذ أكثر من ثلاث عشرة سنة وهي صحيفة الشرق الأوسط الصادرة من لندن،تزامن معها إصدار النسخة الإلكترونية لصحيفة النهار اللبنانية.وتعد صحيفة إيلاف التي صدرت في لندن عام 2001م أول صحيفة إلكترونية عربية، وبإمكان متصفح الإنترنت العربي العثور يومياً على المزيد من الصحف الإلكترونية العربية الوليدة لم تتعد أعمارها الأيام أو الأشهر. على الرغم من انخفاض نسبة قراءة الصحف بشكل عام وفقاً للدراسات في هذا المجال.

فوضى إعلامية!

وحول الإعلام الجديد بأدواته وتتقنياته الحديثة وتأثيراته على الصعيد العربي، يقول لـ «اليمامة» الباحث والإعلامي التونسي الدكتور خالد شوكات: «أصبح الإعلام اليوم سلطة حقيقية بكل المعايير، وأعتقد بأن الإعلام العربي لم يتشرب بعد معاني الحرية في ارتباطها بالمسؤولية، والبلدان التي شهدت «تغييراً ثورياً» في الأشهر الأخيرة شهدت أيضاً نوعاً من الفوضى الإعلامية جراء عديد الأسباب من بينها أن مواردنا البشرية في المجال الإعلامي لم تتعود على الاشتغال في مناخ حرّ حتى أن بعضها غَصَّ بجرعات الحرية، وأيضاً رأسمالنا لم يتعود الاستثمار بطريقة مهنية واحترافية في المجال الإعلامي، وحكوماتنا لم تتعود على النظر إلى المؤسسات الإعلامية على أنها مؤسسات إعلام حكومي باستطاعتها أن تمارس النقد وألا تتكلم باسم الحكومات أو تبشر بإنجازاتها ومشاريعها، أعتقد بأن المنظومة الإعلامية مرتبطة بمنظومات أخرى، سياسية واقتصادية وثقافية وغيرها.. وستتغير في كليتها مع تغيّر هذه المنظومات.

المجتمع والإعلام

ويضيف الدكتور خالد شوكات: «أرى أن وضع المجتمع مؤثر بلا شك في علاقته بالإعلام، كما أن الإعلام يمكن أن يؤثر بشكل أو بآخر في قيادة المجتمع نحو هذه الوجهة.. إن مجتمعاً لم يألف وسائل إعلام حرة، ووسائل إعلام ألفت مجتمعاً خاضعاً ومطيعاً بلا انتظارات، هذه إشكالية كبيرة، كيف نعيد بناء الإعلام على نحو متفهم فيه خصوصية المجتمع الجديد وفي نفس الوقت نساعد مجتمعاتنا على أن تتفهم أكثر مسؤولية الإعلام ووظيفته في نسق حر تعددي؟ تلك مسألة يسهم الزمن والمثقفون والمفكرون في حلها.. ويسهم النظام السياسي القائم أيضاً في حلها.. وتسهم عوامل كثيرة في حلها.. أتمنى ألا يصل التناقض بين وضع المجتمع ووضع الإعلام إلى الحد الذي يمكن أن يعطل حركة التغيير نحو الأفضل ونحو المستقبل.

نحو إعلام عربي آخر

ويعتبر الدكتور خالد شوكات أننا «مطالبون بالاستفادة من أدوات الإعلام الجديد وتقنياته الحديثة ليكون لنا إعلام عربي آخر عصري لا يتخلى عن الأخذ بإيجابيات التكنولوجيا في المجالات الإعلامية في العالم ويراعي خصوصياتنا الاجتماعية والأخلاقية العربية الإسلامية والتاريخية، ومع تكثيف ورشات العمل وحلقات البحث والدراسة والتربصات يشارك فيها الإعلاميون لتطوير كفاءاتهم وخبراتهم وتجاربهم والارتقاء بمردودهم المهني، ليكون لنا إعلام عربي جديد يحافظ على منطلقاته الوطنية والقومية والدينية ويتواصل مع كل ما هو جديد على مستوى التقنيات المتطورة والمتجددة باستمرار في حركة طبيعية وعادية ليواكب الإعلام جميع مسارات الحياة في عالم اليوم حتى لا يتخلف ن ركب الحضارة البشرية التي تتقدم وتتغير بأشكال سريعة».

أم الثورات

ثورة المعلومات التي نعيشها اليوم، هي ما يشبه الإجماع، إحدى أهم الثورات التي عرفها الجنس البشري، إذ أصبحت المعلومات وطرق تداولها وحفظها واسترجاعها وآليات انتقالها غايةً في التطوّر، وفي متناول الأغلبية العظمى من الناس في كرتنا الأرضيّة.
الثورة المعلوماتية هذه، بكل أجهزتها وتقنياتها ومكوناتها، ساهمت بشكل كبير جدّاً في اختصار طُرق وأشكال الحصول على المعلومات وحتّى من مصادرها. فبعد أن كانت محطات الإذاعة، ثمّ التلفاز، وفي وقتٍ لاحق القنوات الأخبارية المتخصّصة هي مُحتكر المعلومة من خلال المراسلين ووكالات الأنباء، غدت المعلومات تنتشر اليوم بطرقٍ جديدة تماماً غيّرت عناصر العملية الاتصاليّة تغييراً جذرياً من خلال وسائل الإعلام الجديد: مدوّنات، شبكات اجتماعية، مواقع تدوين مصغّر... إلخ.

* "الإعلام الجديد: سلطة فوق كل الحواجز"، تصريح، مجلة اليمامة، الرياض، 15 يوليوز 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال