الحديث عن المعلومة في علاقتها بتوازن المعرفة، لا سيما بين النخب الحاكمة والمواطنين، إنما هو من الحديث عن من له الحق في تحديد حدود المعرفة، أي تحديد من يمكنه أن يعرف ماذا، عمن يجب أن يعرف، ما يمكن إخفاؤه وما يتوجب كشفه، وما الذي يجب نشره وما الذي يجب طمسه في الأرشيفات ودهاليز التعتيم على المعلومات.
ويبدو هنا أن الصراع على السلطة إنما هو، بالبداية وبالمحصلة النهائية، صراع لا يستطيع الصمود في خضمه، إلا من له القدرة على التحكم في إنتاج المعلومات وتدفقها وترويج المعرفة، أو خنق هذه المعلومات والمعارف ومنعها عن الآخرين بالجملة أو بالتفصيل.
وهذه مسألة بالإمكان التأكد منها بالنظر إلى تاريخ تقنيات الإعلام والاتصال، وكيف أن وصول مستجدات حديثة وجديدة غالبا ما كان يتزامن مع صراع مستميت بشأن حق الوصول إلى المعلومة والمعرفة، وتوظيفها من لدن هذه الجهة أو تلك، لولوج ميادين الممارسة الاجتماعية والسياسية، ثم السيطرة على إنتاج المعرفة، وبالمحصلة السيطرة على إنتاج وتوزيع المعنى بين الجماهير.
إن المستجدات التقنية في ميدان الإعلام والاتصال، من ورقية وسمعية وبصرية ورقمية وغيرها، لا تقوض بعضها البعض، بل إنها غالبا ما تؤدي إلى توسيع مساحات إنتاج المعلومة والمعرفة، ووضعها بالمجال العام، عوض أن تبقى حكرا على النخبة وعلى السلطة التي دأبت على تمريرها بطريقة أحادية، فوقية، عمودية، وإلى حد ما أبوية.
بالتالي، يبدو لنا أن وصول الإعلام الجديد، محمولا على ظهر الشبكات الرقمية، قد مكن حقا وسيمكن أكثر في القادم من سنين، من إعادة التوازن المعرفي بين النخب عموما، والنخب الحاكمة على وجه التحديد، لصالح الجمهور العام، العارف بخبايا الشبكات كما الذي لا تتعدى معرفته بها حدود الإبحار بهذا الشكل أو ذاك.
ويبدو لنا أيضا أن الجمهور العام سيصبح لا محالة مصدرا مفتوحا لإنتاج المعلومة والمعرفة، ولربما إنتاج المعنى والحقيقة أو ما سواها، تجاوزا على أطروحة "صناعة القبول" التي أسهب تشومسكي في التنظير لها.
ومعنى ذلك، أن هذا الإعلام الجديد سيسهم لا محالة في بناء وإعادة بناء توازن المعرفة بين من يعرف، عماذا، وعمن وما الذي يعرف عنه وهكذا.
ومعناه أيضا أن مفاهيم الأرشيف والسرية والمراقبة والرقابة لن يكون لها بعد اليوم من قوة كبيرة، على الأقل بحكم ما تمكنه بنية التكنولوجيا الرقمية من سبل تخزين وأرشفة واستعادة المعلومات وما سوى ذلك.
بالمقابل، فإن هذه الشبكات الرقمية، والإعلام المترتب عنها، ستمكن الدولة والنخب أيضا من إعادة بناء شبكتها في الرقابة على المعلومة وعلى المعرفة، إذ ستمكنهم من تجميع المعلومات والمعارف من جديد، وتوظيفها لمراقبة حل الأفراد والجماعات وترحالهم في الزمن والمكان.
والسر في ذلك أن للدولة قدرات خارقة في حشد الإمكانات التقنية التقنية (من تشفير وحجب وما سواهما)، بغرض إعادة استنبات أدوات الرقابة على الجماهير.
ولهذا السبب فإننا نقول بأنه بقدر قوة الإعلام الجديد على تكريس معادلة السلطة والمعرفة والحرية، بقدر قوة الدولة والنخب الحاكمة على تطويع هذا الإعلام، وتوظيفه لصالح "الوحدانية" التي تدعيها الدولة والنخب في إنتاج المعلومة والمعرفة، ثم المعنى والحقيقة.
* "الإعلام الجديد وتوازن المعرفة"، 2 يوليوز 2012.