تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

رمزية القدس الروحية

شمس الدين الكيلاني، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005، 116 ص.

تهتم هذه الدراسة، بصلة المسلمين الروحية بالقدس، بوصفها "أحد الأماكن الثلاثة التي تكون جغرافيتهم الروحية، إلى جوار مكة المكرمة، والمدينة المنورة. فلقد اشترك المسلمون وأصحاب الديانات والثقافات الأخرى، في إسباغ القداسة على مكان خاص، وفي تعيين منطقة مرجعية مقدسة، هي ما يعرف بالجغرافية المقدسة، حيث ينغمر الدنيوي بالمقدس ويرمز إليه. ويشكل هذا جزءا من التجربة الدينية العميقة للأفراد والجماعات، التي يكون الفكر الرمزي بعدا من أبعادها، في التصاق عميق بالشعائر والطقوس، التي تنتمي إلى الحقل الرمزي في الفكر".

ويصدر التعلق الروحي للمسلمين بالقدس عن دمجه العميق للمثلث المؤلف من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس داخل جغرافية الإسلام الروحية المنجذبة بقوة نحو البيت العتيق، البيت الحرام، الذي يشير المعتقد الإسلامي إلى أن "إبراهيم أبا الأنبياء قد بناه، ومعه ابنه إسماعيل. والأساس في هذا التصور، أن المسجد الحرام يتبادل الموقع المركزي مع القدس (المسجد الأقصى)، في وحدة عضوية ما بين تكويناتها الثلاثة، إذ إن هناك في المتخيل الإسلامي، وحدة عميقة بين أطراف الجغرافية المقدسة الإسلامية، وهو ما عبر عنه ماسينيون بقوله: (ما من مسلم مؤمن يقبل التنازل عن الخليل، ولا عن القدس خصوصا، وهي ثالث الحرمين (بين مكة والمدينة)".

وقد تجلت تلك الوحدة بين مكة (المسجد الحرام)، والمدينة المنورة (المسجد النبوي)، والقدس (المسجد الأقصى)، في الكثير من المعاني والرموز التي أسبغها المسلمون على تلك الأماكن المبجلة. و"لعل الإسراء والمعراج أول تجسيد لوحدة تلك المنظومة الجغرافية. فكانت استعادة لرحلة النبي إبراهيم الخليل إلى الكعبة (مكة)، ومنها إلى الخليل، حيث كانت رحلة إبراهيم إسراء أرضيا سبقت رحلة إسراء النبي روحيا من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه عرج إلى السماء، وليتمم بذلك قوس القدسية لرحلة جده إبراهيم من الأقصى إلى البيت الحرام، برحلته المعاكسة من المسجد الحرام إلى الأرض المباركة".

وتتجسد وحدة أطراف الجغرافية الروحية أيضا، في اشتراكها بصفة "القدم" في الزمان، إلى درجة أن قدسيتها تستبق زمان بنائها على أيدي البشر، بل إن بعض آثارها تبدو لبعض المسلمين وكأنها ذات مصدر سماوي، حيث يجري الحديث على أصل سماوي للحجر الأسود (الكعبة)، وللصخرة الشريفة (المسجد الأقصى)، فضلا عن تبادل كل من مكة والقدس لموقع القبلة.

فبعض المرويات تتحدث عن أن المسجد الأقصى، والكعبة شيدتهما الملائكة، قبل أن تبنيهما يد الزمان.من هنا، فإن قداسة موقعهما سابقة لبنائها من قبل البشر أو النبيين.

يذهب هذا التفسير الرمزي لوحدة الصعيد المقدس الإسلامي إلى ذروته، مع تمثل تبادل البيت الحرام، والمسجد الأقصى لمهمة "القبلة"، فإن كانت القدس قبلتهم الأولى إلى أن نزل الوحي الإلهي بتوجيه المسلمين وجوههم صوب المسجد الحرام، "إن القدس تأخذ موقع القبلة في نهاية الزمان، يوم النشور، يوم الحشر والنشر، فتزف الكعبة بجميع ما فيها إلى بيت المقدس، ومعها جميع مساجد الأرض".

لقد جسد المسلمون منذ الفتح العمري تعلقهم الروحي بالقدس بأشكال مختلفة، إن كان بتشييد عمارتها، ولا سيما العناية ببناء المسجد الأقصى وما حوله، أو الاتجاه للتقرب منها، أو البدء بالحج منها إلى مكة، والسكنى بها وتكريس إسلاميتها بشتى الطرق.

لم تبدأ علاقة العرب بالقدس بالفتح، إنما تكرست إسلاميتها منذ ذلك التاريخ، رغم الفسحة الواسعة التي تركت لأصحاب الديانات التوحيدية لممارسة عبادتهم فيها.

لم يقتصر العرب المسلمون على وضع القدس في قلب جغرافيتهم الروحية لتتكامل مع مكة والمدينة في تشكيلها، بل ذهب وعيهم أيضا إلى إدراكها في قلب جغرافيتهم البشرية ـ التاريخية والقومية، فنظروا جغرافيا إلى القدس على أنها جزء لا فكاك عنه من الجغرافية البشرية للجزيرة العربية، وبلاد الشام، فضلا على أن شعبها من الأرومة القومية نفسها التي تشكل شعوب المنطقة، وهو ما يظهر جليا في دراستهم السلالية التي اشتهروا بها، أو في تأليفهم التاريخي والجغرافي عنها، الذي يتمحور في وضع تاريخ القدس العام، داخل رؤيتهم لتاريخ الجغرافية ـ البشرية للمنطقة العربية، وفي صلب تاريخ العرب القومي، والسلالي، الذي يربط ما بين القدس والشام والجزيرة العربية ووادي الرافدين، جغرافيا وقوميا في بوتقة واحدة، وهو ما يضيف معطى جديدا لترسيخ فكرة وحدة الجغرافية الروحية الإسلامية التي تربط ما بين القدس ومكة والمدينة في صعيد واحد.

لم يقتصر الوعي العربي الإسلامي على وضع القدس في قلب الجغرافية الروحية الإسلامية، كجزء لا ينفصل عنها، بل كرس هذا الوعي تصورا ضمها فيه، مع بلاد الشام إلى الوحدة الأثنية/ الأقوامية، والسلالية، والجغرافية، والتاريخية للجزيرة العربية.

نافذة "قرأت لكم"، 31 ماي 2012

يمكنكم مشاركة هذا المقال