لم يمض زمن طويل بين تزكية الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري لدفاتر تحملات القطب الإعلامي العمومي بالمغرب، وإرسالها من لدن رئاسة الحكومة للأمانة العامة، بغرض نشرها بالجريدة الرسمية، لم يمض زمن طويل حتى انفجر الجدل بشأنها، بين من يرى فيما أتت به بارقة أمل أولية لإصلاح قطاع الإعلام العمومي، وبين من رأى فيها ارتدادا على "مكتسبات" هذه القناة أو تلك، أو محاولة للهيمنة عليها، أو عملا المراد به "الحد من حرية الإبداع والتعبير".
والحقيقة أن الجدل إياه احتد واشتد وانتشر بالصحافة المكتوبة، كما بالمحطات الإذاعية كما بالتلفزيون، لا بل وأضحى حديث الخاصة والعامة، ولربما حديث من لا دراية له بالموضوع البتة.
فانبرى أهل الاختصاص خلف خطابات المزايدة والابتزاز، وتراجع العارفون بخبايا وخفايا الرهانات، وراء كائنات شفوية أزعم أن نسبة معتبرة منها لم تطلع على مضامين الدفاتر، بل انجرت خلف التيار كما ينجر قطيع من أبقار الغابة، وهم مهرولون غير مبالين، لينتقلوا من هذه الضفة من النهر إلى تلك.
لو غض المرء النظر عن هؤلاء، متكلمون هواة، وغوغاء منجرون على حد سواء، فإن فريقي الفتنة إنما يتمثلان بالنهاية في جبهتين رئيسيتين:
+ جبهة وزارة الاتصال، وزيرا وحكومة وكل من سار في ركبهما بهذا الشكل أو ذاك، وجبهة المناهضين لهم فرادى وجماعات، ليس فقط فيما يتعلق بمضمون هذه الدفاتر، بل وتحديدا بإزاء الفلسفة الثاوية خلف صياغتها في الشكل كما في الجوهر.
+ ولما كان طرح الوزارة جليا واضحا بجهة تصريف مبادئ وروح الدستور، فإن ردة فعل المناهضين خرجت عن ذات السياق وركبت سياقا آخرا مغايرا:
فهم، ببداية الأمر، لم يكونوا راضين على الطريقة التي تمت بها استشارتهم، إذ يعلنون جهارة أنها كانت متسرعة، غير متأنية، ولم تأخذ بالحسبان هذا الرأي المخالف كما ذاك.
وهم، بثاني الأمور، لم يستلطفوا بالمرة أن تفرض معايير ومضامين جديدة بالشبكة، لا سيما وهي تسير برأيهم، ضد مبدأ الحداثة والانفتاح، الذي اعتمدته بعض قنوات الإعلام العمومي، والذي، بزعمهم، كان السر خلف "نجاحها وتألقها".
ثم هم، بالثالث من الأمور، لم يقبلوا بالمرة أن ينفخ الوزير من "روحه المتدينة" طقوسا، كالآذان وصلوات الجمعة والأعياد، من شأنها أن تعطي الشبكة البرامجية (بالقناة الثانية تحديدا) لبوسا دينيا لا يتساوق برأيهم ومبدأ التعددية الفكرية والتعبيرية، التي طبعت الشبكة إياها لسنين طويلة مضت.
قد لا يجد المرء صعوبة كبيرة لتفهم هذا الموقف أو ذاك. فالحكومة، ممثلة في وزير الاتصال، صاغت ونجحت إلى حد ما في تمرير ما تعتقده الصواب لإصلاح القطاع السمعي/البصري العمومي، بصرف النظر عن هذا الرأي أو ذاك.
والجهة المقابلة ناهضت "المشروع"، وتصدت له بالكلمة والصوت والصورة، باعتباره "انتكاسة على ما تم تحقيقه" بهذه القناة أو تلك.
لكن الذي لا يستطيع المرء تفهمه، فما بالك استساغته أو قبوله، هو أن ينبري القائمون المباشرون على ذات القطاع، فيجاهروا برفضهم لهذه الدفاتر، ويطعنوا في مسلكية صياغتها، ويطالبوا أمام الملأ أو بالمضمر، إذا لم يكن بسحبها جملة وتفصيلا، فعلى الأقل بمراجعتها في الشكل كما في البنود الضمنية.
صحيح أنه لا حق لامرئ أن يصادر هذا الرأي المخالف أو ذاك، وصحيح أنه من حق الفاعلين المباشرين أن يدلوا برأيهم، ويعبروا عن ملاحظاتهم وقناعاتهم.
لكن الذي لا يستقيم، فما بالك أن يكون مكمن قبول، إنما الطعن في مبدأ التحفظ من لدن الموظف التكنوقراط، عندما يلتزم رئيسه السياسي والمنتخب بأمر من الأمور. إن واجبه والحالة هاته، هو تنفيذ ما يعتمد ويقرر، وليس له أن يعترض أو يعارض أو يتلكأ في تصريف القرار.
ولما لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لدفاتر تحملات وزير الاتصال، فإننا نؤكد على حقيقة لطالما رددناها: القطاع السمعي/البصري بالمغرب قطاع عصي على الإصلاح، لأنه جزء من السلطة ولا سلطة لسواها عليه.
الرباط، 23 أبريل 2012