1- كيف تفسرون «أزمة القراءة» في ضوء الانفتاح الإعلامي والتطور التكنولوجي؟
يحيى اليحياوي: أزمة القراءة سابقة على الانفتاح الإعلامي وعلى ظاهرة التطور التكنولوجي. هي ظاهرة بنيوية، لا يعتبر ذات الانفتاح والتطور بداخلها إلا عنصرا طارئا، غير محدد لها إلا بنسب معينة، قد تكبر وقد تصغر.
بمعنى أن التكنولوجيا عموما، وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال بالتحديد، لم تخلق ذات الأزمة، ولا أججت من مداها، بقدر ما أبانت عن تمظهراتها بالشكل والمضمون، وأكدت أن المجتمع غير القارئ غالبا ما يتدثر خلف تبريرات هي من قبيل قول الحق المحيل على الباطل.
صحيح أن ذات التكنولوجيا قد أثرت بعمق في تراتبية المكتوب والمرئي والمسموع والألكتروني، لكنها لم تذهب لحد قتل اللاحق للسابق، بدليل أنه بالبلدان المتقدمة، لم يتأثر الكتاب إلا نسبيا بوصول هذه التكنولوجيا، ولم تتأثر الصحافة إلا في حدود، جراء وصول الصحافة الألكترونية، لا بل إن المكتوب قد استفاد من الشبكة الرقمية لترويج مواده ومحتوياته.
أنا أزعم أن الذي يطرح السؤال بهذه الصيغة إنما يبرر لواقع حال قائم، هو بكل المقاييس تعبير عن منظومة أزمة عامة، وليس فقط أزمة قراءة. وقد كتبت وقلت الكثير بهذا الصدد ولا مجال لتكرار ذلك، أي أن التخلف منظومي بامتياز، وليس قطاعيا كما قد يظن بذلك البعض.
2- هل ساهمت وسائل الإعلام السمعية البصرية في العزوف عن القراءة؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟
يحيى اليحياوي: أتصور أن وسائل الإعلام والاتصال، من فضائيات وإنترنيت ومتعدد الأقطاب وما سواها، لم تدفع للعزوف عن القراءة، إذ المجتمعات القارئة بقيت كذلك حتى بتطور ذات الوسائل من بين ظهرانيها، بقدر ما دفعت إلى تكريس منظومة اللاقراءة باعتبارها معطى سوسيولوجيا ثابتا، كان ولا يزال قائما بهذه الطفرة وبدونها.
من المؤكد أن ذات الوسائل قد تكون قد عمقت من شرخ ذات العزوف، لكنها لم تستنبته ولا كانت ثاوية خلفه. إنها واكبته وعايشته وتزامنت مع مده، لكنها لم تخلقه ولا أشرت بمداه في الزمن والمكان، ولا استطاعت تقديم عناصر الجواب على إشكاليته.
3- هل يمكن أن تعوض وسائل الإعلام (انترنت-راديو-تلفزة...) وتلعب دور المطبوعات الورقية بمختلف أنواعها ما دام الهدف هو نشر المعرفة والتثقيف؟
يحيى اليحياوي: لكل أداة من أدوات الإعلام والاتصال دورها ووظيفتها. هي متكاملة دون شك، لكنها لا تتنافى في الهدف والغاية والأفق، أفق الترويج للمعلومة ونشرها وتعميمها على نطاق واسع. ثم إن تاريخ التقنيات لم يثبت أن مستجدا تكنولوجيا قد قتل ما سبقه، بل ضمن له على النقيض من ذلك، الامتداد والتجذر. العبرة بالجديد كما بالقديم، بالرسالة والغاية من ذات الرسالة، وليس بالضرورة بالعتاد والتقنية، كيفما تكن قوة ونجاعة ذات التقنية.
4- كيف يمكن أن نجعل وسائل الإعلام في خدمة القراءة؟
يحيى اليحياوي: هناك اليوم، بجيل الإنترنيت الثاني، إمكانية توفير كتب لم تكن متاحة من ذي قبل. وهناك سبل لتعميم المعرفة على نطاق واسع، بفضل الشبكات الرقمية والألكترونية وما سواها. وهناك إمكانية لضمان رجع الصدى في الحالتين معا. لكن الحلقة الرفيعة الغائبة هي القارئ. إن سبل القراءة متوفرة ومتاحة بنسب عالية، لكنها بحاجة لقارئ لم يستفزه لا الكتاب الورقي ولا الكتاب الألكتروني، إنه الغائب الذي يبقى الحديث بغيابه مجرد كلام عابر.
5- هل ساهم ضعف أداء الصحافة المكتوبة في العزوف عن القراءة؟ أم أننا نعاني من أزمة ثقافية عامة وعزوف جماعي عن القراءة؟
يحيى اليحياوي: مشكل القراءة مشكل منظومي، يطاول الجريدة ويطاول الكتاب، لا بل ويطاول الفضائية الجادة والموقع الألكتروني الهادف حتى. المسألة أبعد من أن تكون مرتبطة بالعتاد أو بالإناء، إنها مسألة سياق تاريخي لم يفرز إلا الجهل والتخلف والرداءة واحتقار المعرفة، لا بل والازدراء بأهل العلم والمعرفة. لو تمثلنا الأمر كما أزعم، فسيتأكد القول بأن المسألة خطيرة للغاية، وتتعدى البعد الأدواتي الصرف إلى قضايا عامة هي مصدر المشكل والمأساة.
6- هل بإمكان الصحافة المكتوبة أن تلعب دور التثقيف ونشر المعرفة خاصة أن الملاحق الثقافية لا تهتم بها أغلب الجرائد؟
يحيى اليحياوي: ليس من وظيفة الجريدة أن تعلم أو تثقف. إنها تقدم الأخبار وتنشر المعطيات. وظيفة التثقيف من صلاحية المدرسة والجامعة والخزانة والكتاب، وهي كلها مستويات مقصرة في دورها، ولا تستطيع أن تلعب الحد الأدنى من ذات الدور لأسباب يطول الحديث فيها هنا، لعل أصلها تعذر تأصيل منظومة القراءة كأداة تنمية وتطور وتغيير. إن المعرفة، بعكس ذلك في هذه الحالة، ستبقى عنصر ضبابية وتشويش، عوض أن تكون أداة تجنيد وتقدم.
* "يحيى اليحياوي لجريدة الرهان: عن أزمة القراءة في ضوء الانفتاح الإعلامي والتطور التكنولوجي"، استجواب، جريدة الرهان، أسبوعية، العدد 3، 28 يناير-3 فبراير 2010.