تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في معنى الفجوة الرقمية

news-details

ليست عبارة الفجوة الرقمية بالعبارة القديمة، ولا هي من تلك العبارات المشاعة جماهيريا أو الموظفة إعلاميا (إلا في القليل النادر) أو المتداولة كثيرا بين الكتاب والباحثين.

فالعبارة تستخدم حصرا، في منطوقها، لتوصيف واقع نشأ جراء الثورة التكنولوجية التي طالت ميدان الإعلام والاتصال على الأقل منذ بداية ثمانينات القرن الماضي...وتعني تحديدا واقع "البلوغ غير المتساوي لتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة بين الدول الغنية المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو الفقيرة".

ومعنى ذلك أن الفجوة الرقمية إنما تعني بوجه عام "اللامساواة أمام إمكانيات بلوغ المعلومة (والمساهمة فيها) والمعرفة والشبكات، وكذا الاستفادة من مقدرات التنمية الهائلة التي توفرها تكنولوجيا الإعلام والاتصال. هذه العناصر هي الأجزاء البارزة للفجوة الرقمية التي تعكس مزيجا من العوامل السوسيواقتصادية الواسعة، سيما عدم كفاية البنى التحتية والتكلفة العالية للبلوغ وضعف الإنتاج المحلي للمحتويات والقدرة اللامتساوية للاستفادة، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، من أنشطة شديدة الكثافة بالمعلومات".

لا يبدو الأمر هنا منحصرا على مستوى التباين واللاتوازن فيما يخص البنى التحتية والشبكات والتعذر الحائل دون بلوغها أو"الاستفادة من مقدرات التنمية الهائلة" التي يوفرها ذات البلوغ، بل وأيضا عدم القدرة (أو ضعفها) لإنتاج محتويات محلية لترويجها بذات البنى والشبكات.

بالتالي، فالفجوة الرقمية القائمة بين الشمال والجنوب بنى ومحتويات إنما هي تجلي موضوعي لطبيعة العلاقات السائدة أكثر مما هي مسبب من مسبباتها الكبرى.

وبما هي كذلك، فإن الفجوة الرقمية لا تحيل فقط على طبيعة اللاتوازن الذي ميز ذات العلاقات في مرحلة ما قبل "الثورة الرقمية"، بل ويحيل أيضا على فترة "الثورة" إياها وما ترتب عنها من تكريس لذات الفجوة وتعميقها في المظهر كما في الجوهر.

والواقع أن اللاتوازن بين الشمال والجنوب على مستوى تكنولوجيا الإعلام والاتصال لم يعد، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، حصرا على قطاع معين (اتصالات أو معلوميات أو سمعي/بصري)، بل أضحى جراء الرقمنة شاملا وعاما وشبه مطلق.

والسر في ذلك لا يكمن فقط في التداخل التقني الذي وفرته الرقمنة للقطاعات الثلاثة (مميعة بذلك الحدود التقنية فيما بينها)، بل وأيضا في الاندماج الاقتصادي للقطاعات إياها لم يعد من مجال لتمييزها سيما مع شيوع المتعدد الأقطاب والإنترنيت ومشاريع الطرق السيارة" وغيرها.

ومعنى هذا أنه مع تزايد ظاهرة العولمة واندماج الشبكات لدرجة الانصهار و"الوحدنة"، لم تعد الفجوة القائمة بين الشمال والجنوب حكرا على قطاع دون آخر، بل غدت مجسدة فيما أفرزته الرقمنة في شكل شبكة الشبكات أو شبكة "الفضاء الافتراضي" أوما سواها.

ومعناه أيضا أنه على الرغم من الاعتقاد السائد بأن عولمة الاقتصاد وانفتاح الأسواق وتوسع شبكات الاتصال...وغيرها، قد يكون من شأنها التقليص من ذات الهوة، فإن العكس من ذلك هو الحاصل والأكثر تجليا، إذ يبقى اللاتوازن بين الشمال والجنوب فيما يتعلق بإشكالية البلوغ أمرا عصيا شديد العصي:

+ فبلوغ البنى التحتية الأساسية يبقى حكرا على الدول ذات الدخول المرتفعة ليس فقط فيما يخص الخطوط الهاتفية والكوابل العابرة للمحيطات والأقمار الصناعية للاتصالات، بل وأيضا فيما يتعلق بالشبكات المعلوماتية (أجهزة حواسيب        و مطارف وقواعد معطيات وغيرها) ناهيك عن الأعتدة الجديدة الموفرة لسبل الإبحار بالشبكات كما بشبكة الإنترنيت مثلا أو بسواها.

+ وبلوغ المحتويات يبقى، إلى حد بعيد، متعذرا ليس فقط بتعذر البلوغ المترتب عن ضعف البنى التحتية، بل وأيضا لأن بنوك المعطيات الجادة غير متاحة مجانا ولا هي بالوفرة المروج لها بشبكة الإنترنيت. ففي جامعات الشمال مثلا بإمكان الطلبة الوصول مجانا إلى ما يناهز عشرين ألف قاعدة معطيات بواسطة شبكة الإنترنيت دون أن يكلفهم ذلك سنتا واحدا، في حين أن المنظمات غير الحكومية الإفريقية (مثلا) يجب أن تؤدي إلى حدود دولار واحد للورقة المرسلة أو المتلقاة  حتى وإن كانت الورقة إياها ذات طبيعة إشهارية لا قيمة لها تذكر".

+ كما أن بلوغ آليات إنتاج المعلومات يبقى محدودا بحكم تمركز الشبكات والقائمين على ذات الإنتاج ببلدان الشمال حيث وسائل البحث العلمي متوفرة ومؤسسات إنتاج واستغلال وتوزيع المعلومة مهيكلة وذات إمكانات عالية، ناهيك عن حقيقة تحول الدول إياها إلى اقتصادات مبنية على العلم والمعلومات والمعرفة.

بالتالي، فبالقياس فقط إلى هذه المستويات الثلاثة، يبقى واقع الفجوة واقعا لا مجال للتحايل عليه أو تجاوزه أو القفز على حقيقته على الرغم من ندرة الدراسات والأبحاث والإحصاءات الدقيقة المتعلقة بذلك.

* "عن الفجوة الرقمية"، مجلة دفاتر الاختلاف، ثقافية فصلية، العدد 1، شتاء 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال