تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"قراءة في الفصلين الرابع والخامس من تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002"

مقدمة

القراءة التالية للفصلين الرابع والخامس من تقرير التنمية الإنسانية لسنة 2002 (بناء القدرات البشرية من خلال التعليم وتوظيف القدرات البشرية من خلال مجتمع المعرفة) سنقدمها هنا، ولاعتبارات منهجية خالصة، من خلال ثلاثة محاور أساسية:

+ عرض عام للأفكار والمعطيات الكبرى الواردة في الفصلين.

+ نقط قوة التقرير فيما يتعلق بهذين الفصلين.

+ ثم المؤاخذات أو نقط القصور الكامنة في التقرير.

هي منهجية تقليدية و تبسيطية دونما أدنى شك، لكنها بالتأكيد مهمة وعملية ومفيدة من الناحية الإجرائية.

1- بالتالي، فلو كان لنا أن نستعرض القضايا الكبرى، التي تعرض لها التقرير في جانب بناء وتوظيف القدرات البشرية بالمنطقة العربية، لوقفنا إجمالا عند تسع قضايا هي في تصورنا بمثابة الأرضية القمينة إذا لم تكن للمساعدة على صياغة القرار، فعلى الأقل لتأثيت النقاش حول حاضر ومستقبل المنطقة العربية:

+ القضية الأولى: ينطلق فيها التقرير من ملاحظة واقع الحال القائم، فيعتبر أن البلدان العربية خطت حقا أشواطا واسعة في التعليم خلال الخمسين سنة الماضية، لكن ما تم إنجازه يبقى متواضعا (وهذه عبارة التقرير) قياسا إلى ما تم إنجازه بمناطق أخرى بما فيها بعض البلدان النامية:

- أول معيار يعتمده التقرير لقياس ذلك هو معيار "معرفة القراءة والكتابة".

فعلى الرغم، يقول التقرير، من تراجع معدل ونسبة الأمية بين البالغين من 60 بالمائة سنة 1980 إلى 43 بالمائة منتصف التسعينات، فإن حجم الأميين يتزايد بالمنطقة العربية بشكل مضطرد يجعلها تدخل القرن الحادي والعشرين بحوالي 60 مليون أمي معظمهم من النساء ومعظمهم بالمناطق الريفية.

وبناء على هذا، فالتقرير لا يتنبأ ب"اختفاء" الأمية (الأبجدية في تصور التقرير) بين الذكور قبل نهاية 2025 وبين النساء قبل 2040.

- المعيار الثاني، المعتمد في هذا التقرير، هو معيار "التعليم قبل المدرسي". ولأن هذا التعليم هو القاعدة لبناء الإنسان، فإن التقرير يلاحظ أن 2،5 مليون طفل عربي فقط هم الذين يستفيدون من خدماته، وهو مستوى أقل من متوسط ما يلاحظ حتى بالدول النامية.

- المعيار الثالث: الالتحاق بالتعليم النظامي. والتقرير هنا لا يقف عند مستوى الملتحقين (حوالي 56 مليون سنة 1995) ولكن بالأساس عند قصور المنظومة التعليمية وعدم قدرتها على استيعاب الأفواج الجديدة سيما أفواج البنات اللائي لا تستطعن ولوج المستويات العليا.

- المعيار الرابع، معيار الإنفاق على التعليم.

في هذه النقطة،  يلاحظ التقرير أن الإنفاق على التعليم بين 1980 و 1995 قد ارتفع بالأسعار الجارية من 18 إلى 28 مليار دولار، إلا أن حصة الفرد من ذلك تراجعت من 20 بالمائة (عما كانت تنفقه الدول الصناعية) إلى 10 بالمائة فقط بين 1980 ومنتصف تسعينات القرن الماضي.

- آخر معيار بهذا الجانب يتعلق بتردي نوعية التعليم وتراجع مستويات التحصيل وضعف القدرة على التحليل والابتكار ناهيك عن تزايد الفجوة بين ناتج التعليم من جهة وسوق العمل أو متطلبات التنمية من ناحية ثانية.

هذه المعايير الخمسة هي التي يبني عليها التقرير أرضيته ويؤسس عليها مطالبته بضرورة إصلاح منظومة التعليم في شكلها كما في الجوهر.

+ القضية الثانية التي تعرض لها  التقرير، في فصليه الرابع والخامس، هي قضية إصلاح التعليم من خلال إعادة نظر جذرية في النسقية القائمة عليها.

في هذه النقطة، يكتفي التقرير بتقديم مجموعة مبادئ لهذا الغرض من قبيل مركزية الفرد في العملية التربوية، اعتبار المعرفة أداة قوة، احترام العقائد والقيم الكبرى دون الاعتقاد بقدسية المواريث الفكرية، مركزية العمل المبدع...الخ.

بالتالي، فالتقرير يعتبر أن هذه المبادئ هي الخلفية الأساسية التي من شأنها بناء المنظومة التعليمية والتربوية  للمنطقة العربية للقرن الحادي والعشرين.

+ القضية الثالثة وتتمحور حول ما أسماه التقرير بالتوجهات الاستراتيجية الكبرى والتي يحصرها إجمالا في ثلاثة توجهات:

°-  التوجه الأول مطالبته ب"النشر الكامل للتعليم الأساسي".

°- التوجه الثاني تركيزه على مبدأ إقامة نظام تعليمي مرتكز على التعليم المستمر (التعلم مدى الحياة).

°- التوجه الثالث: الرقي بنوعية التعليم لاستيعاب قيم العصر.

والتقرير، في كل توجه من هذه التوجهات، يعطي اقتراحات عامة (وعملية أيضا) من قبيل تظافر جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني (على المستويات القطرية) لحسم إشكالات جوهرية كالتعليم المؤدى عنه وطبيعة التعليم المرجو إقامته وغيرها.

إضافة إلى المستويات المحلية، فالتقرير يطالب أيضا بضرورة خلق شبكات مختلفة بين مؤسسات التعليم العربية ومؤسسات التعليم الفوق- وطنية بهدف تبادل التجارب والخبرات.

 نلاحظ إذن بالمحصلة، أن التقرير يبين ويؤكد بأن بناء القدرة البشرية العربية إنما يمر ويجب أن يمر عبر التعليم بمختلف أطواره ...من هنا ضرورة إصلاحه وفق تصور استراتيجي واضح  يجعل منه رافعة للتنمية الإنسانية للمنطقة العربية خلال القرن الحادي والعشرين.

2- الفصل الخامس من التقرير خصصه الخبراء  لإشكالية " توظيف القدرات البشرية: نحو مجتمع المعرفة". وهو امتداد للفصل الرابع مادام التعليم هو حتما البنيان الذي على أساسه يقام مجتمع المعرفة.

هذا الفصل تعرض هو الآخر لمجموعة قضايا جوهرية يمكن إيجازها في خمس أساسية:

+ القضية الأولى وتتعلق بواقع حال البحث العلمي والتطوير التقاني أو التكنولوجي للمنطقة العربية.

التقرير يرى هنا بأن ما أحرزته البلدان العربية في هذين المجالين ضعيف وضعيف للغاية، ويستشهد في ذلك بدراسات قام بها خلال التسعينات أنطوان زحلان يثبت من خلالها:

- توتر العلاقة بين عملية التنمية من ناحية والسياسات العلمية المعتمدة من ناحية ثانية، إذ استثمار حوالي 3000 مليار دولار طيلة العشرين سنة الماضية في تكوين الرأسمال الثابت الإجمالي لم يفرز إلا عوائد ضئيلة للفرد كما للمجتمع.

- تدني مستويات تمويل البحث العلمي في البلدان العربية، إذ لا يتعدى معدل الإنفاق العلمي من الناتج المحلي الإجمالي 0،14 بالمائة سنة 1996 مقابل 2،53 بالمائة لإسرائيل، 2،9 بالمائة لليابان و 1،62 بالمائة لكوبا.

- وتعمق التبعية العلمية والاقتصادية جراء اعتماد سياسات لاكتساب التكنولوجيا عبر تعاقدات مع هيئات استشارية أجنبية لإنشاء المشاريع بالتكامل أي بالمفتاح...وهكذا.

من ناحية ثانية، يلاحظ التقرير أن مخرجات البحث والتطوير في المنطقة العربية ضعيفة للغاية باعتماد معيار " ناتج" النشر العلمي نسبة للفرد الواحد. إذ على الرغم من مضاعفته (انتقاله من 11 ورقة بحثية لكل مليون فرد سنة 1985 إلى 26 سنة 1995)، فإن هذه النسب تبقى مع ذلك ضئيلة قياسا إلى الصين التي تضاعفت فيها هذه النسبة 11 مرة وكوريا الجنوبية التي انتقلت بها من 6 ورقة إلى 144 (كوريا هاته كانت تنتج سنة 1981 حوالي 10 بالمائة من مخرجات العالم العربي ، 10 سنوات بعد ذلك أصبحت مساوية له).

أضف إلى هذا فقر الصلات بين العلماء العرب داخل الوطن العربي وعلى المستوى الدولي إما بسبب ضعف البنى المؤسساتية والنسقية أو غياب الإطار السياسي الذي يمكن هذه الصلات ويفتح لها في المجال.

بالتالي ومن خلال هذه المعطيات لوحدها، يتبين أن واقع حال البحث العلمي والتطوير التكنولوجي هو ليس فقط دون المستوى المرجو بل ودون حتى ما بلغته دول كانت من عشر سنوات خلت موازية ومتساوية مع المنطقة العربية.

+ القضية الثانية وترتبط بما أطلق عليه التقرير " نحو نسق فعال للبحث العلمي والتطوير التقاني":

- أول عناصر هذا النسق، يقول التقرير "التزام جاد من صانعي ومتخذي القرار بتبني حد أدنى من الشروط الواجب توافرها لتعزيز ودعم العمل في مجال البحث والتطوير، واحترام حقيقي للعلم والمعرفة من جانب أفراد المجتمع ورغبة صادقة في استمرار مواكبة التقدم العلمي".

- أما ثاني عناصره فتتمثل في ضرورة توفر بيئة ممكنة من البحث العلمي والتطوير التكنولوجي: بيئة اجتماعية (تحفيز العلماء وخلق المناخ الاجتماعي الملائم لهم) بيئة علمية (مختبرات، تمويلات، تشريعات محفزة...الخ) وبيئة تجارية يحفز فيها القطاع الخاص لإقناعه بأن البحث العلمي هو أيضا عملية مربحة حتى وإن كانت طويلة المدى، وبيئة تنظيمية وتشريعية تحفظ الملكية العلمية وتضمن للعلماء حقوقهم ومردو براءات اختراعاتهم.

قد تبدو هذه القضايا بديهية، لكن تركيز التقرير عليها يشي بمركزية الإطار العام المصاحب لعمليتي البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

+ القضية الثالثة وتتعلق بإشكالية ما أسماه التقرير "الكفاءات العربية في الخارج".

فحسب أنطوان زحلان يوجد حوالي مليون مهني عربي بدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية...وهو حجم يثير التساؤل ويتزايد بانتظام حتى بتفاؤل التقرير فيما يتعلق بإمكانية الاستفادة من هذه الكفاءات على شكل استشارات محلية أو تكوين دياسبورا بالمهجر يمكن للوطن الأصل من جني ثمارها مع مرور الزمن.

وهي إشكالية تحدث فيها التقرير بإسهاب كبير.

+ القضية الرابعة وتخص ما يسميه التقرير "الفجوة الرقمية" فيما يتعلق بالمعلومات والاتصالات.

تركيز التقرير على جانب المعلومات والاتصالات لا يأتي فقط من كون هذه التكنولوجيا هي ركيزة مجتمع المعرفة بل وأيضا لأنها هي البنية التي بالإمكان بلوغ المعلومات والمعارف والمعطيات من خلالها.

وتركيزه على الفجوة الرقمية لا يأتي فقط من وعيه بمسألة التباين في سريان المعلومات بين الدول بعضها البعض، بل وأيضا داخل الإقليم الواحد والقطر الواحد.

بالتالي، ووفق التقرير، فإن هذه الفجوة لم تعد تقاس فقط بعدد الهواتف (حتى النقال منها) ولا بعدد الحواسيب الشخصية أو بأحجام الفاكسات بقدر ما أصبحت تقاس بعدد مواقع الإنترنيت والمستخدمين لهذه الشبكة، إذ يلاحظ التقرير أن نصيب العرب من إجمالي مستخدمي شبكة الإنترنيت لا يتعدى 0،5 بالمائة حتى وإن كان العرب يمثلون خمسة بالمائة من ساكنة العالم.

والتقرير هنا يحيل أيضا على الفجوة الرقمية العالمية حيث الولايات المتحدة وأوروبا واليابان يحتكرون الشبكة ويبنون عن حق للطرق الألكترونية السيارة...ويحيل أيضا إلى فجوة أخرى (الفجوة الرقمية بين البلدان العربية) حيث التباين خطير مثلا بين الإمارات العربية المتحدة (ودبي تحديدا) وبين دول أخرى كاليمن أو جيبوتي أو موريطانيا أو غيرها.

+ آخر قضية يتعرض لها التقرير تطال ما يسميه "المشهد المعلوماتي العربي الراهن" ويلاحظ من خلاله غياب "سياسة معلوماتية على صعيد العالم العربي" بالرغم من مجهودات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي أولت اهتماما بالغا لانعكاسات هذا الغياب على المستوى الثقافي والإعلامي والتربوي وغيرها.

غياب هذه الساسات حسب التقرير أدت إلى:

°- طغيان البعد القطاعي في الاختيارات القطرية حتى بتداخل القطاعات (السمعي- البصري والمعلوميات والاتصالات وباقي قطاعات الإعلام والاتصال).

°- وفوضى في اقتناء نظم الاتصالات يتعذر معها أمر الربط بين البلدان العربية بحكم تباين الأنظمة، وهو ما يدفع خبراء التقرير للمطالبة ب "إعادة هيكلة قطاع الاتصالات" بغرض تحريره في أفق خوصصته والعمل على تسهيل السبيل (بطرق تشريعية) لتزاوجه وقطاعات أخرى (كالسمعي- البصري والمعلوميات) بغرض تقييم "عنصر المحتوى" الذي هو الأساس والمقصود بداية المطاف ونهايته.

والتركيز على المحتوى في التقرير هو أصلا من التركيز على محورية توظيف هذه الشبكات والتكنولوجيا في التعليم والتدريس، في تطوير البرمجيات وفي " تعزيز الوصول إلى تقانة المعلومات والاتصالات" مع التركيز على جعل اللغة العربية لغة منافسة في الشبكات الألكترونية.

3- هذه إجمالا هي القضايا الكبرى التي تعرض لها تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002 في فصليه الرابع والخامس: واقع تعليمي وتربوي متردي وأفاق لا تقل عنه ترديا، واقع بحث علمي وتطوير تكنولوجي متردي وآفاقه كذلك، وواقع عربي في ظل "مجتمع المعرفة" المتصاعد ضعيف ولا يمتلك سبل المناعة.

هو واقع متردي بكل المقاييس، لكن إيجابية هذا التقرير (ضمن إيجابيات أخرى دون شك) هو كونه يضع واقع الحال السائد على المحك:

- فهو لا يكتفي بملامسة الإحساس بالضعف بل و يطالب بضرورة الوعي به حالا ومستقبلا.

- وهو مسح لسياسات، في التعليم كما في التربية كما في العلم والتكنولوجيا، غير سليمة، لم تعتمد الخيارات الصحيحة ولم تنبن على رؤية استراتيجية واضحة ولا على أهداف إصلاحية صادقة...

بالتالي، وبالمحصلة، فالتقرير يدق ناقوس الخطر (بمعطيات مجردة واستنتاجات موضوعية) فيما يخص واقع حال المنطقة العربية ومآلها في ميادين هي الأكثر حساسية والأكثر دقة والأكثر تنافسية...بل والأكثر تحديدا لمستقبل هذه الأمة أو تلك.

لايستطيع المرء بالتالي إلا أن يثني على الخبراء الذين قاموا على هذا العمل أو أشرفوا عليه في الشكل كما في الجوهر: فالعمل موثق وجريء ويتعرض للقضايا الإشكالية الكبرى في هذا المضمار.

4- لكنه على الرغم من ذلك فإن لهذا التقرير نواقص ونقط ضعف يمكن إجمالها في النقط التالية:

+ أولى نقط ضعفه تتمثل أساسا في السياق العام الذي جاء  في ظله:

فالتقرير يأتي في سياق دولي أصبحت الأنظمة التعليمية والتربوية القطرية (في الدول العربية بالأساس) في محك ظواهر جديدة ليست أقلها ظاهرة ما يسمى بالإرهاب.

لا يروم التلميح هنا فقط إلى اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية "دمقرطة" الدول العربية من خلال إصلاح منظوماتها السياسية، بل وأيضا عزمها على تغيير النظم التعليمية والتربوية السائدة بهذه البلدان بغرض " تطويعها" وإخضاعها للمنظومة السائدة عالميا أو التي يراد لها أن تسود.

صحيح أن التقرير صيغ في خطوطه العريضة قبل أحداث الحادي عشر من شتنبر، لكنه يوحي في خطابه إلى تصور ليس من الهين استبعاد خلفياته أو الإيديولوجية الكامنة خلفه. والتقرير بكل الأحوال نتاج إحدى وكالات الأمم المتحدة ذات الأدبيات المتداولة والخلفية المعروفة.

صحيح أيضا أن التقرير صاغه خبراء عرب مشهود لهم بالكفاءة العلمية والكتابات الرصينة، لكنهم في هذا التقرير "اشتغلوا" وفق رؤية محددة مسبقا وعلى أساس" دفتر تحملات" وبناء على منهجية معينة بل وبأدوات تحليل ليست من صياغتهم .

ثانيا: التقرير يركز على واقع متردي يعبر في المحصلة عن حالة من الإحباط إزاء سياسات غير مضبوطة. ويركز على ضرورات الإصلاح (في بعض الأحيان على التغيير)، لكنه لا يركز كثيرا على تزايد الوعي بذلك قياسا إلى بعض التجارب كالهند التي هجرتها كفاءاتها إلى كاليفورنيا  وبدأت تعود تدريجيا. وإذا لم تتسن لها العودة فهي تساهم في بناء المدارس والمعاهد وما سواها. وهذا أمر مهم في حد ذاته. بالتالي، فموقف التقرير من هجرة الكفاءات العربية لا يتعدى جانب الملاحظة السائدة في الوقت الذي كان من المفروض فيه التنبيه إلى خطورة الظاهرة وتداعياتها المستقبلية.

ثالثا: كنا ننتظر من أول تقرير عن التنمية الإنسانية في المنطقة العربية ألا يكون فقط تأليبا أوجلدا للذات، بل كنا نريده فاتحة أمل يستنفر صاحب القرار وصاحب الكفاءة لبناء المنظومة البشرية التي تحدث عنها الفصل الرابع وإسنادها ماديا كما تبين ذلك في الفصل الخامس...وهو لربما لم يكن ممكنا قياسا إلى واقع الحال السائد. يبدو التقرير إذن ولكأنه يفتقد إلى أدوات تصريف الخطاب حتى وإن لم يكن ذلك مطلوبا منه.

من ناحية الجوهر، بالإمكان إبداء ثلاث ملاحظات:

+ في الفصل الرابع يركز التقرير على إشكالية التعليم والتربية بوجه عام، لكنه لا يركز على الميادين الحساسة التي أصبحت المنافسة بشأنها كبيرة للغاية. بالتالي، فالمنطقة العربية بحاجة إلى تعليم تؤدي براءات اختراعاته إلى تطبيقات اقتصادية...الخ.

معنى هذا أن التعليم بالمنطقة العربية ليس بالضرورة هدفا في حد ذاته بقدر ما هو أداة لبناء الفرد وتنمية المجتمع.

بنفس النقطة، لا يتعرض التقرير بالتفصيل لإشكالية هجرة الأدمغة ولا يضعها إلا بطريقة غير مباشرة في إطار الفجوة الرقمية، في حين هي (أعني الهجرة هاته) عنصر مباشر يصب في توسع هذه الهوة وتعميقها.

ثم التقرير، وإن تحدث عن الأدمغة العربية بمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، فهو لا يتحدث عن سبل وآليات استرجاعها. ولم يوضح كيف أن النخب الحاكمة تلائمها هذه الهجرة لأنها ترتاح من عقول تتحفظ أصلا منها.

 بنفس الفصل يتحدث الخبراء عن الأمية لكنهم لا يموضعونها كأداة من أدوات الحكم...وهي أصلا هكذا وإلا فما معنى تعثر المنظومة التعليمية طيلة العقود الخمسة الماضية في إفراز سبل إذا لم يكن في استرجاع الكفاءات فعلى الأقل في إيقاف النزيف التي هي عرضته.

في الفصل الخامس يتحدث التقرير عن شبكات الاتصالات والمعلوميات لكنه يتجاهل إشكالية السمعي-البصري. فهو يتحدث عن البنى الأساسية وضرورة إعادة هيكلتها، لكنه في مضمار المحتوى لا يتحدث عن التلفزة ولا عن المضامين التي تمررها أو من المفروض أن تمررها على اعتبار المضامين هي ركيزة مجتمع المعرفة المتصاعد.

خاتمة

تقرير "التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002"  تقرير يطرح من القضايا والإشكالات لربما أكثر مما يجيب عنها:

+ فالمسألة التعليمية والتربوية بالمنطقة العربية هي مجال أخذ ورد منذ مدة طويلة وهي مثار تنابذ وممانعة بين من له "سلطة" تحديد توجهاتها وتفاصيلها ومن لا سبيل له في معارضتها إلا سبيل الاعتراض والتنديد بالسائد شكلا وفي الجوهر.

لا تكمن أهمية المسألة التعليمية والتربوية في كونها البنية المؤسسة لمنظومة التنمية البشرية والإنسانية العربية فحسب، بل وأيضا في كونها مكمن التجاذب على السلطة التي لم يتسن للأنظمة العربية بعد حسم أمرها كي تضحو ذات المنظومة في مأمن عن المزايدات السياسيوية وفي منآى عن عمليات التقاطب الآني الذي يؤذي ذات المسألة أكثر مما يساعد على تقديم الطرح بشأنها.

+ ومسألة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي لا تسائل  المنظومة التربوية والتعليمية فحسب (باعتبار كونها البنية التي لا كائنة لذات المنظومة في غيابها)، بل وتسائل أيضا وبالأساس التصور العام الذي يحكم ذات المنظومة كما ذات التصور سواء بسواء. ومعنى هذا أن الأهمية المولاة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي بالمنطقة العربية لا يحتكم فيها إلى ذات المنظومة في حد ذاتها بل اساسا إلى الخلفية السياسية التي ترهن ذات المنظومة وتحدد لحاضرها كما لآفاقها.

لن يكون من الموضوعي، من لدن هذا التقرير كما من لدن سواه، استبعاد البعد السياسي (حتى وإن استحضره التقرير إلا بالتلميح المبطن)، لكن القائم السائد بالمنطقة العربية إنما هو الهيمنة المطلقة للخلفية السياسية على ما سواها من مستويات ولكأنما السياسة هي بلية العرب بامتياز.

+ لن يكون بمستطاع المرء التسليم بطرح التوجه بجهة بناء "مجتمع المعرفة"، كما دفع بذلك التقرير، في غياب البنى التكنولوجية والمؤسساتية القمينة بذلك او التي من شأنها إقامة البنية المادية لتجسيد ذات التوجه.

صحيح أن المطمح قائم والتوجه موضوعي إلى حد بعيد لكن الإشكال الحقيقي إنما يتمثل في مدى مصلحة النخب القائمة على تجسيد هذا التوجه أو العمل على تكريسه على أرض الواقع.

لا يروم التلميح هنا إلى الحذر القائم في كل ما يتعلق بالحق في الإعلام (بما هو منطلق ذات المجتمع ومصبه الموضوعي)، لكن أيضا وبالأساس في مدى قبول المصالح القائمة بأهمية ذات الحق ومركزيته في بناء منظومة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

ليس صحيحا أن منظومة البحث العلمي هي تهديد للمصالح القائمة بل هي إسهام في بناء مصالح للمجتمع عوض الاتكاء على مصالح فئوية ضيقة التوجه ومنغلقة المنحى.

وبصرف النظر عما قد يكون تقصيرا من القائمين على أول تقرير للتنمية الإنسانية بالمنطقة العربية، فإن المأمول هو أن تتدارك التقارير القادمة ذلك سيما الذي سيتمحور خصيصا حول الحرية والمعرفة.

(+)- مداخلة باليوم الدراسي حول "تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002"، مركز الدراسات الدستورية والسياسية، جامعة القاضي عياض، مراكش، 21 مارس 2002.

* "قراءة في الفصلين الرابع والخامس من تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002"، مداخلة باليوم الدراسي حول تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2002، مركز الدراسات الدستورية والسياسية، جامعة القاضي عياض، مراكش، 21 فبراير 2003  ، جريدة العلم ، 27 يوليوز 2003.

يمكنكم مشاركة هذا المقال