تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الإنترنيت: إرهاب شبكة أم شبكة إرهاب؟"

news-details

1- ليس من أحكام القيمة في شيء (ولا من الأحكام المسبقة حتى) أن " يتحامل" المرء على شبكة الإنترنيت معتبرا إياها تارة شبكة إرهاب، ومصنفا لها تارة أخرى (على النقيض من ذلك وفي الآن ذاته) إرهابية الطبيعة والطبع.

قد تبدو الشبكة إياها تجسيدا لهذا الاعتبار في حالات عدة، وقد تبدو تكريسا لذات التصنيف في حالات عديدة أخرى، وقد تبدو نقطة التقاء لهما معا وإن في تناقضهما:

 - فالشبكة صممت ونشأت وتطورت داخل أروقة المؤسسة العسكرية الأمريكية وفي عز حرب باردة كانت المعلومات في خضمها عصب الرحى، وفي سياق محموم لتطوير الأسلحة وغزو الفضاء وامتلاك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها.

 - ثم كانت (سيما بعد سقوطها في الميدان العام) مكمن "حرب غير معلنة" شنها (لصالح هذه الجهة أو تلك) قراصنة لا تنقصهم الخبرة في اختراق أحصن المواقع وأكثرها حساسية وأكبرها سرية وحماية...ذات الصبغة الاستراتيجية كما ذات الوظيفة الأمنية سواء بسواء.

 - ثم أصبحت (خصوصا بعد انطلاق موجة الإرهاب المواكبة لأحداث 11 شتنبر بالولايات المتحدة) أداة طيعة بيد "الإرهابيين" (أو هكذا يقال) يتبادلون عبرها المراسلات، ينسقون تحركاتهم من خلالها وينفذوا عن طريقها التوجيهات.

 لمتخصص في اقتصاد الشبكات أو لعارف بتقنيات الإبحار في الشبكة أن يتساءل: وما الآية من ربط الشبكة بالإرهاب وهي (أو هكذا يشاع) في هيكلتها كما في تصميمها، في انفتاحها كما في مرونتها، مصدر معرفة واسع وملهم "اقتصاد المعلومات الجديد" ووسيلة تبادل للمعطيات والخبرات في وقت آني وعبر الكرة الأرضية بكاملها؟ ما السر إذن في ربطها بالإرهاب وهي التي ما فتئت تكرس لنبوءة مارشال ماكلوهان حول "القرية الكوكبية"...المتواصلة، المتضامنة وذات "العلاقات الحميمية"؟

 وهو استفهام مشروع واعتقاده في فائدة الشبكة وإيجابية الارتباط بها لا يخلو من صواب، لكن زاوية البحث المعتمدة هنا لا تستنفر هذا الجانب ولا تراه يقدمها في شيء(1).

 ثم لباحث في سوسيولوجيا الإعلام والاتصال أن يستفهم: وما العبرة من مساءلة شبكة كشبكة الإنترنيت "محايدة" و"مستقلة" (عن المبحر فيها بالأساس) ومنفصلة، فضلا عن كل ذلك، عن فضاءي الإرسال والتلقي؟ أو ليست الشبكة (شأنها في ذلك شأن جل وسائط الإعلام والاتصال) أداة ووسيلة... القياس فيها لجهة الغاية من الاستعمال عوض أن يكون الأداة في حد ذاتها، بما هي معطى اجتماعيا وثقافيا قارا؟

 وهو أيضا تساؤل مشروع، ولا تنقصه الحجة فضلا عن ذلك. فالمدفع الرشاش قد يكون وسيلة حرب يهاب طرفه وقد يكون (بالجانب الآخر) حافظ أمن وعامل سلم تماما كشبكة الإنترنيت: فهي وسيلة اتصال وتواصل آنية لا سبيل لتجاوزها في الوقت الحاضر أو في الأمد المنظور، وهي (في الآن نفسه) معبرا لسريان الحقد وبنية لنشر الكراهية لا إمكانية لتفاديها...هي إذن، ودون جدال، استنبات لذاتها واستنبات، بموازاة ذلك، لنقيضها ولغريمها.

 لا نعتقد جازمين بحيادية الشبكة (ولا بحيادية التكنولوجيا بوجه عام)، فهي نتاج حركية اجتماعية وثقافية ومخرج نظام قيم وعصارة تصارع قوى ومصالح. بالتالي، فالشبكة (كما التكنولوجيا) لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تنفصم عن السياق السوسيوثقافي الذي أنتجها ولا عن النظام القيمي الذي ابتدعها وأفسح لها في سبل التجسد والتطور والانتشار.

 وبقدر ما لا نعتقد بهذه الحيادية وبتلك الاستقلالية، فلا نعتقد أيضا بابتعاد الشبكة عن الرهانات التي تهيكلت في إطارها ولا عن الأبعاد التي حددت لتطورها وانتشارها: فهي نتاج رهانات وموسطة لرهانات أخرى في آن واحد.

 هل الإنترنيت هو، بمحصلة التحليل، إرهاب لشبكة طالما بقيت المؤسسة العسكرية الأمريكية متكتمة على منظومتها التقنية (حتى وإن لم تنف يوما "الوظيفة الوقائية" التي أنيطت بها) ومتسترة، لسنوات طويلة، على مختلف نقط ترابطاتها (التي لم تطل في البدايات الأولى إلا حواسيب المؤسسة العسكرية وروافدها المختلفة)؟

هل كانت، للدقة أكثر، قوام " سياسة إرهابية" نهجتها الولايات المتحدة ضد " شريكها" في الحرب الباردة كما ضد حلفائها (في شكل "إرهاب اقتصادي وتكنولوجي" في الحالة الثانية)؟

 هناك، للرد على التساؤلات إياها، ثلاث حقائق كبرى لا بد من سياقها هنا تلمسا لبعض عناصر الجواب:

 - الحقيقة الأولى وهي الكامنة في القول، منذ طفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال لأواخر عقد الثمانينات بالأساس، بأن شبكة الإنترنيت إنما أقحمت (سيما بعد انتهاء الحرب الباردة) في منظومة أكبر وأوسع من الشبكة ذاتها تمثلت، إلى جانب الشبكة إياها، في نظام الاعتراض والتنصت المعلوماتي الذي طورته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون تحت مسمى نظام "إيشلون"(2).

 ليس النظام، نظام إيشلون، وسيلة مراقبة وتنصت عالمي على المكالمات وتجميع للمعطيات والمعلومات فحسب، بل هو أيضا وبالأساس، نظام لاعتراض المراسلات البريدية والإلكترونية وقرصنة الذبذبات الإذاعية والتلفزية ولأمواج البث عبر الأقمار الصناعية والكوابل الأرضية وكوابل الألياف البصرية والشبكات المعلوماتية وغيرها.

 من هنا فمن غير الوارد أن تسلم شبكة الإنترنيت من " شبكة القرصنة" هاته: فهي تعترض (وتخزن وتستغل وتصون) كمية لا تضاهى من المكالمات الهاتفية والمراسلات عبر الفاكس وعبر البريد الإلكتروني (حوالي ثلاثة مليون بالدقيقة في المجموع) سواء أمرت تلك المكالمات والمراسلات وتبادل المعطيات تلك عبر شبكة الهاتف التقليدية أو عبر كوابل الألياف البصرية (الأرضي منها وما هو تحت البحار) أو عبر الأقمار الصناعية أو عبر غيرها.

 ألسنا هنا، ولو بمحصلة أولية، بإزاء إرهاب شبكة إن لم يكن ذلك في المطلق، فعلى الأقل في جانب استباحة المراسلات والمكالمات وتبادل المعطيات التي لم يتخلف دستور في العالم (وفي مقدمتها دستور الولايات المتحدة) إلا وسطر قدسية سريتها وجرم التعرض لها أو اغتصاب حرمتها؟

 - الحقيقة الثانية وتتمثل في القول بأن شبكة الإنترنيت (كما نظام إيشلون سواء بسواء) إنما هي تعبير على تطلع من لدن الولايات المتحدة الأمريكية (ملهم النظامين والساهر على ديمومتهما) لصياغة استراتيجية هيمنة كبرى إحدى أضلاعها خلق نظام سيبرنطيقي عالمي(3) يتجاوز الحدود والمسافات ويفسح في المجال لتنقل المعلومات والأخبار والمعطيات على نطاق واسع ودونما رقابة قومية تذكر.

 لا تدخل فقط في هذا الإطار "البنية المعلوماتية الشاملة"(4) التي طالما نادى بها نائب الرئيس الأمريكي السابق وعمل على أن تكون أمريكا هي مركزها وحاميها، ولكن أيضا جيل الإنترنيت الثاني الذي يفوق الجيل القائم حاليا سرعة ونجاعة.

 لن يكون النفع (أو هكذا قيل) محصورا على التبادل الآني للخبر والمعلومة والمعطى ولا منحصرا في الفوائد الاقتصادية المترتبة عن ذلك، بل سيتعدى ذلك (أو هكذا يزعم) ليطال التربية والتكوين ونظم التسيير وقواعد التدبير وما سواها.

 قد لا يبدو العيب كبيرا إذا تعممت أساليب في العمل والتدبير والتسيير عقلانية (وإن بمنطق الآخر)، لكنها تبدو على النقيض من ذلك (ولا يمكن إلا أن تبدو) عصية على الانصهار في أنظمة قيم أثبتت التجارب تجذرها و صمودها ومحاربتها لكل من لا يدخل في سياق منظومتها العام.

 وعلى هذا الأساس، فلو كان الإنترنيت رمزا للحداثة وللمعاصرة، فهولا يبدو (في نظر المناهضين " للمثاقفة") إلا غزوا واستهدافا وإعلان حرب...أفلا تبدو الشبكة (في نظر هؤلاء على الأقل) تمريرا لتمثلات لا تختلف عن الإرهاب المباشر إلا الطريقة غير المباشرة التي تعمد لارتهان ثقافات الأفراد والجماعات وصهر حقهم في التميز والاختلاف في صيرورة للتمثل والتفكير واحدة وموحدة؟

 - الحقيقة الثالثة وتكمن (في مرجعية الهيكلة كما في صيرورتها اللاحقة) في أن شبكة الإنترنيت كانت تستهدف وبامتياز بناء "حائط سيبرنطيقي" (5) يحمي صاحبها (الولايات المتحدة تحديدا) مما من شأنه أن يستبيح أنظمة معلوماتها أو شبكات اتصالاتها أو مواقعها لاستغلال وصيانة وتخزين المعلومات والمعطيات.

 لم يكن للحائط إياه (على الأقل في تصور القائمين عليه) من مواز إلا حائط الصواريخ (المعروف بحرب النجوم) والذي سرعان ما أحياه جورج بوش الإبن بعدما غض كلينتون الطرف عنه عقب انتهاء الحرب الباردة.

 هناك إذن (أو هكذا نتصور كمحصلة لهذه الحقائق) معطى قارا في الفكر الاستراتيجي الأمريكي ليس فقط منذ انتهاء غريم الحرب الباردة ولكن أيضا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: وهو قناعته أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست جزءا من الكرة الأرضية ولا هي طرف مما تعيشه هذه الكرة من مصائب ومن محن... هي تمارس الإرهاب بقوتها العسكرية والاقتصادية وتمارسه أيضا بقوة شبكاتها الإعلامية والإلكترونية (6)...أي بقوة "السلطة الناعمة" التي مكنتها إياها طفرات التكنولوجيا وتجمع الخبرات (من كل بلدان العالم) لديها.

وهي تمارس الإرهاب على الدول والشعوب من خلال ممارستها له تحت مسوغة " نمط العيش الأمريكي" الذي تحول إلى إيديولوجية  في المعيش اليومي للأفراد والجماعات، كما في وسائل الإعلام، كما في شبكة الإنترنيت.

 وهي تمارس الإرهاب في فرضها " لمسلمات" سيميائية (في الإعلام كما في الشبكات الإلكترونية) وفي فرض شركاتها لمعايير الشبكات إياها ونظم اشتغالها دونما إعارة كبير اهتمام للتنسيق مع الدول والحكومات (الديموقراطية منها بالأساس) التي ترى حرجا في تصريف ذلك لشركاتها وشعوبها.

 وهي تمارس الإرهاب، دونما هوادة، حينما تجعل من تشريعاتها الوطنية (ذات البعد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العسكري أو الأمني أو غيرها) تشريعات دولية لا سبيل للإفلات منها إلا التصنيف السلبي أو المقاطعة أو الحصار أو التهديد بالاستهداف العسكري (في حالة استحالة الامتثال).

 ليس من التحامل في شيء إذن لو قلنا بأننا إزاء الإنترنيت (منذ نشأته وحتى 11 شتنبر ولربما بعد هذا التاريخ) إنما بإزاء إرهاب شبكة لم تكتف باستباحة ما ضمنته الدساتير الوطنية والعالمية فحسب، بل تعدتها إلى استباحة نظم قيم وأنماط عيش لطالما تحطمت حضارات وثقافات على محرابها...

 لو سلمنا بما لا يدع مجالا للتردد (في تصورنا الخاص على الأقل) بأن الإنترنيت إنما يكرس وبامتياز لإرهاب شبكة وإرهاب القائمين عليها في التصور كما في الصيانة، هل من الوارد (بالمقابل) اعتبارها شبكة إرهاب ما دام صك الاتهام إياه قد ألصق بها على الأقل منذ تفجيرات نيويورك وواشنطن؟

 من غير المؤكد، ولا من المفروض إضافة إلى ذلك، أن تتحول "الطبيعة الإرهابية للشبكة" إلى جعل الشبكة إياها مكمنا للإرهاب أو وكرا لممارسيه.

لكن الحاصل، من واقع الحال الملاحظ، أن شبكة الإنترنيت لم تكن فقط أداة حقيقية من أدوات الإرهاب المختلفة، بل أيضا وبالأساس الشبكة التي عبرها "الإرهابيون" لنيل مبتغاهم:

 - فالشبكة، منذ نشأتها وإلى حدود 11 شتنبر وما بعدها،  كانت البنية "المادية" التي كرست بامتياز لعمليات القرصنة المعلوماتية التي مارسها "خبراء المعلوماتية" لاختراق مواقع الشبكة والفعل فيها.

 ليس القصد هنا فقط زرع الفيروسات في المواقع الحساسة (موقع حلف شمال الأطلسي عقب ضرباته العسكرية لصربيا أو استهداف مواقع منظمة التجارة العالمية من لدن مناهضي العولمة أوغيرها) ولا إغراق صناديق البريد الإلكترونية بما لا تطيق من رسائل (كما في حالة إغراق قراصنة من هونغ كونغ لمواقع البيت الأبيض عقب ضرب سفارة الصين ببلغراد)، ولكن أيضا توظيف الشبكة من لدن الإرهابيين لتبادل الرسائل والمعطيات (موظفين في ذلك، للتمويه، مواقع بالشبكة "مسالمة" كمواقع الرياضة أو مواقع البيئة أو المواقع الإباحية وغيرها).

 قد يكون الأمر هينا، ومسيطرا عليه إلى حد ما، في حالة قراصنة هواة يتغيأون التسلية أو الابتزاز (من مواقع المؤسسات المالية والتجارية بالخصوص)، لكنه سرعان ما يضحى متعذرا عندما يطال اعتبارات الأمن الاقتصادي (حالة تجسس الشركات المعلوماتية الإسرائيلية على غريماتها الأمريكية) أو القومي بوجه عام حينما تستهدف العقول الإلكترونية للمؤسسة العسكرية أو بنوك معطيات الجهاز التنفيذي أو غيرها.

 - والشبكة تتحول إلى شبكة للإرهاب واسعة عندما لا يقتصر توظيفها على الأفراد والجماعات بل تصبح أداة للدول والحكومات.

فإسرائيل لم تتوقف يوما عن استهداف مواقع حزب الله ومواقع المؤسسات الحكومية (الاقتصادية والثقافية) وغير الحكومية العربية: تشوش عليها وتضللها تارة (كما حدث في العديد من الحالات مع موقع "إسلام أون لاين") وتقرصن معلوماتها (لتجنب عامل المفاجأة في ذلك) تارة أخرى، وتدمرها بالكامل إن أمكن ذلك في حالات عديدة.

 لا ينحصر الأمر عند إسرائيل، فالصين كما الهند وغيرها لم تتوان يوما في توظيف الشبكة للحصول على معلومات بخصوص التكنولوجيا النووية الأمريكية والروسية، وأمريكا من جانبها راهنت على الشبكة للحصول على صفقات لشركاتها الكبرى وهكذا...هي إذن مأوى "لإرهاب مؤسساتي" خفي ومعلن، تماما كما هي خفية ومعلنة في آن واحد، طرق وأدوات الإرهاب ذاته.

 - والشبكة، في كل هذا، لم تكتف ب " وظيفتها" الجديدة هاته كواقع حال قائم بل دفعت بجهة تشريعها وشرعنتها.

ليس المقصود هنا إصباغ "الصفة الشرعية" على ممارسة القراصنة الفرادى وإدماجهم في نموكلاتورا القرار السياسي والعسكري كمستشارين وخبراء في الميدان، بل وكذلك سن تشريعات تبيح للجهاز التنفيذي (بالولايات المتحدة بالأساس عقب أحداث 11 شتنبر) بتعقب مواقع بالشبكة ترى السلطات الأمنية والاستخباراتية أنه "مشبوه فيها" أو من شأنها تأجيج الحقد والكراهية والتطرف الموصلة للإرهاب...

 تحت هذا المسوغ (وتحت مسوغات أخرى سابقة له) عمد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (ف.ب.آي)  إلى إغلاق مقر مزود لخدمات الإنترنيت كانت قناة الجزيرة القطرية إحدى زبنائه المعروفين.

وتحت هذا المسوغ وغيره، استباحت السلطات الأمنية في أمريكا وكندا كما في ألمانيا وبريطانيا، مواقع ل "أصوليين إسلاميين" لمجرد الاشتباه فيهم نتيجة تنديدهم بالضربات الأمريكية على أفغانستان وتعاطفهم مع الضحايا الأبرياء.

لن تكون الشبكة، نتيجة كل هذا، مدعاة تخوف لأنها شخصنت إرهاب الأفراد والمجموعات في صلبها، ولكنها بدأت تؤسس (منذ غزو الدول والحكومات لها) للإرهاب كعقيدة جديدة وكمنظومة متجددة للتحكم في العلاقات الدولية.

 إن التحكم في الفضاء السيبيرنطيقي العالمي لم تعد مبرراته التحوط دون استهداف خارجي محتمل، مدمرا كان أم مهددا للاستقرار، بل أضحى خيارا استراتيجيا يتغيأ الاستعداد للحروب الافتراضية القادمة التي لربما ستتكافأ في ظلها قوة الضعف بضعف القوة.

 لهذا الاعتبار ولغيره ربما، فلن تتزايد الميزانيات العسكرية لدفاع الدول والحكومات مستقبلا إلا بالقدر الذي ستزداد بموازاته ميزانيات البحث في تطوير الأنظمة المعلوماتية والإلكترونية وميزانيات البحث لتوسيع أنظمة الاتصالات ونظم الحاسوب والبرمجيات وغيرها، وزيادة التنسيق بين الدول في هذا المجال على نطاق كوني.

 لن يصبح العدو المستقبلي إذن كامنا في إرهاب الشبكة أو في شبكة الإرهاب، بقدر ما سيكون متجذرا في طبيعة العلاقة بين الإرهاب والإنترنيت (والنظم الإلكترونية بوجه عام):

 + فشبكات الإرهاب، كما شبكة الإنترنيت، متحركة ولا قارية لديناميتها.  فهي لا تتلون بتلون الظروف والملابسات فحسب، بل تتحرك بقوة البرق من موقع إلى موقع/صورة له كما في شبكة الإنترنيت(7)، ومن شكل إلى شكل (أي من التنديد السلمي إلى التدمير المباشر في حالة شبكات الإرهاب).

 + وشبكة الإنترنيت، شأنها في ذلك شأن شبكات الإرهاب، مدولة لحد التعولم، إذ لا عنوان لها مضبوط ولا مكانا محددا ولا مقرا قارا ولا هوية تذكر (هي عدو متخفي)...هي هنا وهناك ولا جدوى " لشرطة سيبيرنطيقية" معها كما يطالب بذلك البعض.

 من هنا، فلا التشريعات الوطنية القائمة ولا لوائح المنظمات الدولية المختصة ولا احترازية القوانين الدولية ذات الصلة بقادرة على تحديد موقعها و لا معرفة هويتها ولا تموقعها الإيديولوجي حتى.

 قد يأتي "الشر" من مناهضين للعولمة مسالمين، وقد يأتي من طوائف ذات أطياف متنوعة(8)، وقد يأتي من منظمات مدنية متشددة...كما قد يأتي من مجموعات سئمت (لدرجة التذمر) من شروط النضال السلمي للدفاع عن قضيتها (الفلسطينيون بالأساس) أو للدفع بتميزها وخصوصيتها (الأكراد في تركيا وغيرهم).

 + وشبكات الإرهاب، كما شبكة الإنترنيت سواء بسواء، ليست مسؤولة لا أمام دولة ولا أمام منتخبين ولا مطالبة، فضلا عن ذلك، بتقديم حساب لهذه الجهة أو المحاسبة أمام تلك: هي "مستقلة" عن كل ذلك و لا تحتكم إلى مقاييسها.

 الإرهاب كما الإنترنيت إضعاف لهيمنة الدولة وتحدي لسلطانها...كلاهما صنيع الدولة (والعولمة أيضا) وكلاهما عصي على الانضباط...وكلاهما ظاهرة متميزة (على الأقل منذ أحداث 11 شتنبر) وليستا حالتين عرضيتين سرعان ما سيطالهما الصدأ أو التقادم.

 وعلى هذا الأساس، فتزاوج الإرهاب بالإنترنيت لن يكونا فقط مصدر زعزعة استقرار الدول والحكومات، بل لن يفتأ في المستقبل المنظور (وكلاهما بطريقته) في تأجيج حروب كونية يتساوى في صلبها الجاني بالضحية، مدشن الفعل بصاحب رد الفعل، صاحب القضية المشروعة والقارة...بالمدافع عن تصور أو المندد بظاهرة.

 بالتالي فالثابت في مستقبل الدول والشعوب كما في مستقبل العلاقات بين الدول تلك والشعوب هاته، لن يكون قطعا من محاربة الإرهاب في شتى صوره وأشكاله بقدر ما سيكون من إعلان الحرب على أسبابه وعلى الظروف التي فسحت له في المجال للتجسد والانتشار.

 لن يكون، في تصورنا، بعد ذلك من مسوغ لتبرير "الحروب الافتراضية" ما دامت أسبابها الحقيقية قد قوضت من على أرض الواقع...

 هوامش

 (1)- أنظر في ذلك بحثنا:

El Yahyaoui.Y, « Internet et société de l’information : Essai sur les réseaux du savoir », Ed. Boukili, Kénitra, Juin 2001

 (2)- "إيشلون" هو نظام للمراقبة والتنصت والتعرض للمعلومات، صممته الولايات المتحدة في غضون الحرب الباردة، لكنه لم يعرف الشهرة الحالية إلا بفضل التطورات التكنولوجية التي كرسته منذ نهاية عقد السبعينات.

يوظف النظام العديد من الأقمار الصناعية الدولية والجهوية (إنتلسات، إنمارسات، عربسات وغيرها)، تلتقط جميع أنواع المعلومات المتداولة عالميا وتعالج بمحطات ضخمة بكل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واستراليا وألمانيا واليابان ونيوزلاندا ثم تتمركز بين يدي "وكالة الأمن القومية" (ن.س.أ) التي تصل ميزانيتها السنوية إلى حوالي 4 مليار دولار ولها أكثر من 4000 نقطة مراسلة بالعالم منها ما هو معروف (كمصالح السفارات والقنصليات) ومنها ما هو غير معروف، إضافة إلى 200000 مراسل...هي تضمن سرية المعلومات القومية وتستبيح معلومات الآخرين.

والوكالة إياها هي الوحيدة التي تتحكم في نظام التشفير ووسائل الإبحار في المعلومات المحصلة.

 أنظر للمزيد من التفاصيل عن نظام "إيشلون":

Assemblée Nationale, «Rapport d’information sur les systèmes de surveillance et d’interception électroniques pouvant mettre en cause la sécurité nationale», Rapport d’information n° 2623, Paris, 11 Octobre 2000

 أنظر كذلك:

Patrick S. Pool, «Echelon : America’s Secret Global Surveillance Network», The privacy Papers, n° 4, November 1998, Free Congress Research and Education Foundation, Washington DC

    Cyberespace mondial- (3)

 (4)- هي البنية التحتية الوطنية التي نادى بها ألبرت غور عندما كان نائبا للرئيس كلينتون...و "البنية العالمية الشاملة" يراد لها أن تكون الامتداد "الطبيعي للأولى على المستوى الكوني".

 راجع للتفصيل في هذه النقطة كتابنا:

El Yahyaoui. Y, «La mondialisation : communication-monde, ultra libéralisme planétaire et pensée unique», Ed. Boukili, Kénitra 1998

(5)- لعل تطور "البنية التحتية الوطنية"(والشاملة فيما بعد على الشاكلة الأمريكية) وكذا طفرة "الاقتصاد الجديد" هي التي جعلت الولايات المتحدة تعتبر الفضاء " السيبر" فضاء استراتيجيا بامتياز. وقد خضع هذا الفضاء لتجارب في النجاعة وضرورة السلامة ضد هجمات ما تسميه الولايات المتحدة ب "القوس الإسلامي للأزمات" (ينطلق من الخليج وباكستان والجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفيتي سابقا ويصل إلى شمال إفريقيا).

وقد طورت أمريكا في خضم هذا الفضاء مفهومين لل"حرب الافتراضية" جديدين:

+ مفهوم "الحرب السيبرنطيقية" ومعناه اعتماد حرب إعلامية على هذا القوس تقود إلى الزعزعة وتحطيم المعلومات الموجودة بالحواسيب وبالشبكات المعلوماتية بوجه عام.

+ ومفهوم "حرب البنى التحتية المتعددة الجنسيات" ومفاده العمل على تدمير البنى المعلوماتية الاقتصادية والإدارية الضرورية لحياة دولة أو مجمعة من الدول (نظم الاتصالات، النظم البنكية والمالية، نظم النقل وشبكات توزيع الطاقة والمياه وكذا المراكز الصحية الاستعجالية...الخ).

 (6)-  سيما بوجود شركات أمريكية ضخمة في تكنولوجيا الإعلام والاتصال: ميكروسوفت، أوراكل، نتسكايب، لوتيوس بالنسبة للبرامج المعلوماتية... إنتيل، أ.م.د وموطورولا بالنسبة للرقائق الدقيقة...و أي.ب.م وكومباك وديل وآبل في تجميع المكونات المعلوماتية...وأ.ت.ت و م.س.آي وسبرينت في الخطوط الهاتفية والضوئية...الخ.

 وحسب دراسة قامت بها جامعة طكساس سنة 1998 (على عينة من 3000 مقاولة أمريكية)، فإن "الاقتصاد الجديد" الذي تشتغل فيه هذه المقاولات قد وفر لها مداخيلا تناهز 300 مليار دولار ( أكثر من ثلثيها أتت من التجارة الإلكترونية) ومكنت من خلق مليون و 200000 منصب شغل.

من جهة أخرى، يقدر مايكل ديرتوزوس  (مستشار بيل كلنتون لشبكة الإنترنيت والأستاذ ب "الميتي") بأن سوق تكنولوجيا الإعلام والاتصال سيبلغ سنة 2020 حوالي 3 إلى 4 تريليون دولار.

 (7)- النموذج الصارخ في ذلك هو حصول مجموعات نازية ألمانية على مواقع بالولايات المتحدة بعدما منعتها السلطات الألمانية من ذلك...نفس الشيء بالنسبة للمواقع الإباحية واغتصاب الأطفال التي تتعدد بروسيا دون أن تحرك السلطات الروسية ساكنا.

 (8)- من قبيل بعض الطوائف التي لا تتوانى في شن الإرهاب على الحكومات كما وقع في اليابان وفي غيرها.

* "الإنترنيت: شبكة إرهاب أم إرهاب شبكة؟ 10 أكتوبر 2001.

يمكنكم مشاركة هذا المقال