تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"طهرانية" الإنترنيت

news-details

يعيش العالم، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، لعل إحدى أبرز معالمها تمظهرا على الإطلاق، ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، أجهزة وعلى مستوى المضامين، أعتدة وعلى مستوى المحتويات.

والواقع أن التطورات التقنية الحاصلة، لم يقتصر مداها على إيجاد مستجدات عادية يفيد منها عالم المال والأعمال، أو عالم الصناعة والتجارة وما سواها من قطاعات، بل دفعت بمنطق تشبيك هذه القطاعات مجتمعة، وإعادة النظر بقوة في التراتبية الهرمية التي كانت الخيط الناظم لذات القطاعات، في عصور ما قبل ثورة المعلومات والإعلام والاتصال، أي في عصور الندرة المعلوماتية التي لازمت تطور الرأسمالية واقتصاد السوق.

لم تعد المعلومات والبيانات والمعارف بيانات تماثلية قارة، كما كان عليه الحال قبل طفرة الرقمنة، بل باتت بفضل هذه الأخيرة، عبارة عن سلسلة من البتات، المكونة من متتاليات من الأصفار والآحاد، يسهل معها جمع المعلومات وضغطها وتخزينها واسترجاعها، وتوزيعها بالشبكة على نطاق أوسع لفائدة المستخدمين، أفرادا كانوا أم جماعات أم مؤسسات.

إن أبرز وأقوى ما ترتب عن هذه الثورة التكنولوجية بميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، إنما بروز وانتشار شبكة الإنترنيت، التي لم يقتصر مدها ومداها على الإفادة من تقنيات دمج الصوت والصورة والمعطى بحامل واحد موحد، بل عمدت بجهة انتقال اقتصادات ومجتمعات مرتكزة على المواد الأولية والطاقة، إلى اقتصادات ومجتمعات مبنية على المعلومة والمعرفة والتنظيم الأفقي، والموارد البشرية العالية التكوين والكفاءة، والإبداع التكنولوجي داخل المؤسسات، وفيما بين بعضها البعض.

وعلى هذا الأساس، فإن الشبكة لم تعد مجرد أداة اتصال وتواصل بين طرفين قريبين أو متباعدين، بل باتت، بحكم انفتاحها ولامركزيتها ومرونة الإبحار بداخلها، باتت وسطا تعتمل من بين ظهرانيه البوابات والمواقع والمدونات والمنتديات، ولكأننا حقا بإزاء "الفضاء الأثيني" الذي أرخ من قرون عديدة مضت، للإرهاصات الأولى للنقاش المباشر، والتداول والتفاعلية بقرية اليونان الأولى، حيث كانت المعلومات متاحة، وسبل تقاسمها مباحة، وإمكانات اتخاذ القرار على أساس من توفرها قائمة وثابتة.

إن فهم منطق اشتغال شبكة الإنترنيت، وفلسفتها العامة، لا يمكن أن يستقيم فقط بالارتكاز على الجوانب الصلبة أو الرخوة، التي تؤثث لها الهيكل والبنيان، بل وأيضا باستحضار وظائف محركات البحث بداخلها، وكذا أدوارها وطرق تصميمها كبوابات، وأدوات بحث واسعة المجال.

 بالمقابل، فجراء انفتاح الشبكة ولربما بسبب ذلك، وجراء لامركزيتها القوية، وقيامها على أحجام ضخمة من البيانات والمعطيات، وبكل الأنواع والأشكال، فإن الشبكة إياها، لم تستطع الدفاع عن "الطهرانية" التي لازمتها عند نشأتها أواخر ستينات القرن الماضي، بل تم اختراقها واغتصابها، ليس فقط من لدن ما يسمون ب"مجرمي الشبكة" أو الهاكرز أو ما سواهم، بل وأيضا من قبل تنظيمات متطرفة في الفكر، إرهابية في السلوك، تمرر من خلالها الرسائل والمعلومات، وتنسق فيما بين بعضها البعض، لإدراك هذا المبتغى أو ذاك.

إن إشكالية الأمن المعلوماتي لم تعد، بهذا الجانب، حكرا على المقاولة، بغاية حفظ قواعد وبنوك معطياتها من أي استهداف أو اختراق، بل أضحت أيضا رهانا قويا وتحديا كبيرا بوجه الدول والحكومات، والمصالح الأمنية بصورة مباشرة. بالتالي، فالمواجهة بين مصالح الأمن والتنظيمات المتطرفة لم تعد مقتصرة على الفضاء الواقعي الملموس، بل انتقل جزء منها ليتخذ من الشبكة ملجأ، ومجالا للحروب الافتراضية القادمة.

إن المراد التوكيد عليه بهذا المقام إنما القول بأن الشبكات قد تولد براء في هويتها وشكلها ومبتغياتها، وقد تترعرع بمنأى عن التحريف الذي قد تكون مكمنه، لكنها سرعان ما تتحول عن طهرانيتها، لتفسح في المجال واسعا للعناصر "الشريرة" التي لربما هي مضمرة بها، ولا تتمظهر إلا عند الاستخدام...الاستخدام السلبي في الغالب الأعم.

* "طهرانية الإنترنيت"، 31 ماي 2010.

يمكنكم مشاركة هذا المقال