تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التحرير وحرية التعبير بالمغرب: نموذج السمعي/البصري"

news-details

بمنطوق الفصل التاسع من الدستور المعدل للعام 1996، نقرأ التالي: "يضمن الدستور لجميع المواطنين حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة، حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع، حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم. ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون".

بديباجة الظهير المنشئ للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، نقرأ ما يلي: "واقتناعا من جلالتنا الشريفة بوجوب ضمان الحق في الإعلام، كعنصر أساسي لحرية التعبير عن الأفكار والآراء، ولا سيما عن طريق صحافة مستقلة وبوسائل سمعية/بصرية، يمكن أن تتأسس ويعبر من خلالها بكامل الحرية، وبواسطة مرفق عام للإذاعة والتلفزة، قادر على ضمان تعددية مختلف تيارات الرأي، في دائرة احترام القيم الحضارية الأساسية والقوانين الجاري بها العمل في المملكة، وخاصة منها تلك المتعلقة بحماية الشباب، وبصيانة حرمة الأشخاص وكرامتهم".

بقراءة أولية للظهيرين، يبدو أنه ثمة ليس فقط توكيدا واضحا ومباشرا على حرية الرأي والتعبير، بأشكالها المختلفة وبالآليات المتوافرة قانونا، ولكن وأيضا ملازمة ذلك بمعطى جديد، معطى "ضمان الحق في الإعلام"، باعتباره مدخل ذات الحرية، ورافدها الأساس على مستوى الصحافة (المستقلة باصطلاح الظهير الثاني)، كما على مستوى الوسائل السمعية/البصرية سواء بسواء.

بالتالي، فإن الحركية التي تغيأ الظهيران (وظهير تكسير الاحتكار أيضا) إفرازها، إنما طاولت المجال السمعي/البصري بالأساس، بجهة إخراجه من مجال الاحتكار الذي عاش بظله لأكثر من خمسة عقود، وفتح المجال للفاعلين الخواص للاستثمار به، وإنشاء مستوى للتقنين والتنظيم يراقب سلوك الفاعلين، ويعمل على احترام قواعد اللعبة التي وضعتها التشريعات، وهي بمعظمها ظهائر مباشرة صادرة عن القصر.

ليس الغرض هنا، معاودة التذكير بالسياق العام الذي أتت بظله هذه التحولات، ولا مساءلة أداء هذه المحطة الإذاعية أو التلفزية أو تلك. القصد هنا تحديدا إنما طرح مجموعة قضايا، يبدو أنه من الضروري التوقف عندها لفهم ما يعتمل بالقطاع، منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، على خلفية من التطلع لملامسة جوانب القصور الأولية:

القضية الأولى: حرية التعبير الواردة بالنصوص التأسيسية الكبرى لم ترد بالمطلق، بل جاءت مردوفة بخيار الحرية الاقتصادية والتعددية السياسية، الذي اعتمده المغرب منذ الاستقلال وإلى اليوم. طيلة هذه الفترة، كان مجال الصحافة المكتوبة مفتوحا، ولم يكن مكمن احتكار، لكنه كان مجال صحافة حزبية في الغالب الأعم، ولم يكن ثمة من أثر كبير يذكر لما يسمى اليوم ب"الصحافة المستقلة"، يوميات وأسبوعيات ومنشورات دورية وما سواها.

بهذا المشهد العام، بقي القطاع السمعي/البصري عصيا على التحرير، ومتمحورا حول ملكية الدولة لجل مفاصله، على الرغم من التحولات التكنولوجية القائمة من حوله، وعولمة التيارات الإعلامية، وانفتاح الأسواق المرتبطة بالمجال الإعلامي، وانتقال العديد من دول العالم بجهة الدمقرطة، واعتماد منظومات ليبيرالية في الفعل والتفاعل.

بالتالي، وعلى الرغم من أن جل الدساتير التي اعتمدها المغرب، نصت جهارة على ضمان حرية التعبير والإعلام، فإن القطاع السمعي/البصري بقي، من الناحية العملية الصرفة، احتكارا عموميا، مرتكزا في شكله وجوهره على تشريعات، عمدت إلى تضييق مجال البعد السياسي لحرية الاتصال السمعي/البصري لما يناهز ستة عقود من الزمن.

لو سلمنا جدلا بأن الاحتكار يحد من منسوب حرية التعبير، ويضيق من مجال التعاطي دون محذورات مع قضايا الشأن العام، فإننا سنسلم بأن ذات المنسوب ظل ضعيفا، ولربما منعدما بالمجال السمعي/البصري، بالإذاعة كما بالتلفزة على حد سواء. المقصود هنا ليس فقط طبيعة الخطاب المروج بالإذاعة والتلفزة، المقصود تحديدا انغلاق السوق، وتعذر الوصول إليه من لدن فاعلين، قد لا يكون لهم بالضرورة نفس التصور للمهمة الإعلامية، ولا لديهم القدرة على اختراق الآليات، التي كونت الخيط الناظم للعمل الإذاعي والتلفزيوني العمومي.

القضية الثانية: لم يكن السمعي/البصري بالمغرب مجال احتكار فحسب، بل كان مجال سيادة بامتياز منذ الاستقلال، خصوصا عندما تم إلحاق الوزارة الوصية على القطاع بوزارة الداخلية أواسط ثمانينات القرن الماضي، وتعيين ولاة وإداريين على رأس الإذاعة والتلفزة،  لدرجة شارفت المؤسسة على أن تتحول معها إلى مقاطعة من مقاطعات الداخلية.

من الملاحظ، طيلة هذه الفترة، أن السمعي/المرئي إنما بات جزءا من السلطة، بات جزءا من جهاز حكومي، أعني جزءا من بنيان مادي ورمزي تثوي خلفه الداخلية، وتمرر به ما تسنى لها من رسائل عمودية، رسمية، دونما حد أدنى من استحضار الرأي الآخر، رجلا سياسيا كان أم فاعلا ثقافيا، أم مشتغلا بالفضاء الجمعوي، اللهم إلا ما رضيت عنه السلطة وارتضت نبرة الخطاب المدفوع به، أو أرادت توظيفه للتسويغ.

لو قسنا، بهذه الزاوية، "حجم" ومنسوب حرية التعبير بالإذاعة كما بالتلفزة، لتبين بتحصيل حاصل بأنهما كانا متدنيان للغاية، ليس فقط على اعتبار ارتهان المنبرين من لدن الداخلية، بل وأيضا بحكم طبيعة الرسالة المراد ترويجها، أعني رسالة السلطة في سياساتها، في منظورها، وفي تسييرها للشأن العام.

صحيح أنه تم خلق قناة ثانية أواسط الثمانينات، ارتفع بفضلها نسبيا منسوب حرية التعبير وإبداء الرأي، لكن ذلك سرعان ما تم الارتداد عنه، لتتكفل الدولة بإنقاذها من "الإفلاس"، وتلحقها تدريجيا بطبيعة الأداء الإعلامي الذي دأبت عليه القناة الأولى، على مستوى الشكل كما على مستوى المضمون.

القضية الثالثة: لو تسنى للمرء أن يؤرخ لبداية مسلسل التحرير بالمغرب، لأرخ له بالقطع انطلاقا من مرسوم- قانون 10 شتنبر 2002 (وهو امتداد لقانون 24-96 المنظم لقطاع الاتصالات)، الذي كسر قانون احتكار الدولة بميدان البث والتلفزة، المعمول به منذ ظهير الحاكم المدني للمغرب الماريشال ليوطي، بعشرينات القرن الماضي. وأيضا قانون إنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري (31 غشت 2002)، ثم القانون 33-77 المتعلق بالاتصال السمعي/البصري ليناير 2005، الذي يقول بالواضح الصريح ببنده الثالث: "الاتصال السمعي/البصري حر. وهذه الحرية تمارس مع احترام الكرامة الإنسانية للشخص، ومع احترام الاختلاف والطابع التعددي للتعبير، بكل أشكال التوجهات الفكرية والتعبير، وكذلك مع احترام القيم الدينية والنظام العام والطقوس، وكذا احتياجات الدفاع الوطني".

صحيح أن هذه القوانين ضرورية للتجاوز على حالة الاحتكار بالقطاع السمعي/البصري، التي حالت، ولعقود طويلة، دون ولوج السوق من لدن الفاعلين الخواص. وصحيح أنها ضرورية لوضع سياسة لتحرير القطاع. لكن الملاحظ أن التجاوز على الاحتكار كان قائما منذ مدة (وبظل سيادة الداخلية على القطاع أيضا)، إذ كانت إذاعة البحر الأبيض المتوسط تبث والاحتكار قائما، وأنشئت القناة الثانية كقناة خاصة والاحتكار قائما، وسمح لإذاعة سوا الأمريكية فيما بعد، أن تبث من الأراضي المغربية وقانون المارشال ليوطي قائما أيضا.

القانون، بهذه الجزئية، لم يعمل إلا على تسوية حالات غير قانونية كائنة، على الرغم من أنه تغيأ في فلسفته ومنطوقه فتح السوق، والدفع بالتنافسية في القطاع، والسماع بالفاعلين الخواص من ولوجه، والخروج من وضعية العصي التي لطالما ميزت القطاع بالمغرب.

السؤال الأساس، بهذا الجانب هو التالي: هل التنصيص القانوني على حرية التعبير بارتباط وتحرير القطاع، كاف لإعطاء ذات الحرية بعدها السياسي، أعني القبول بها كمنظومة حكامة، بمحكها يمكن تقييم منسوب الحرية إياها، وقياسها بالنظر إلى العقود الخمسة السابقة؟ هل التشريع لوحده كاف لتكريس ذات الحرية على أرض الواقع، واعتبارها معطى لا يمكن الارتداد عليه، أو التنكر له، أو التجاوز على جوهره عندما يستجد مستجد؟

أزعم جازما أن القانون هنا، كأي قانون آخر، سيظل نصا جامدا طالما لم يخلق له آليات التصريف، وإذا لم يستتبع بضمانات تجعل ذات القانون مجردا عن التأويل، أو عن التحريف، أو عن الإحالة القصدية على قوانين أخرى، قد يتم اللجوء إليها لتضييق هذه الممارسة أو تلك (كقانون الإرهاب مثلا أو القانون الجنائي). وهو حال القوانين المشار إليها  من قبل، دون شك.

إن ممارسة حرية الصحافة والإعلام عملية شمولية، لا تنحصر فقط في الجانب القانوني والمؤسساتي، بل تمتد أيضا إلى حق الجمهور في الخبر، وإلى قيام مؤسسات الصحافة والإعلام بدورها، في تقديم الأنباء والآراء والأفكار بطريقة موضوعية ونزيهة وصادقة، في إطار احترام أخلاقيات مهنة الصحافة، وحقوق العاملين المادية والمهنية.

القضية الرابعة: حرية التعبير بالإعلام السمعي/البصري ليست دائما لازمة ضرورية لتحرير مجال ذات الإعلام، أو رهينة بانفتاح السوق المحيل عليه، أو تعدد الفاعلين من بين ظهرانيه. بمعنى أنه قد يكون منسوب الحرية مرتفعا بحالة احتكار، وقد يكون متدنيا بحالة تعدد الفاعلين. العبرة هنا بمدى مأسسة الحرية بالمجال إياه، والقبول بها كقاعدة أساس من قواعد اللعبة، التي لا يمكن التحايل عليها متى عن للمرء ذلك، أو ارتأى أن ذات المنسوب يطاول مصلحته المادية كما الرمزية على حد سواء.

بالمقابل، فمنسوب الحرية قد يكون مرتفعا بظل احتكار عام أو خاص، وقد يكون منخفضا بظلهما معا، تماما كما قد يكون مرتفعا أو متدنيا، بظل منافسة حقيقية أو شكلية. العبرة بكل الحالات، هي بمدى انفتاح هذا المنبر أو ذاك على الرأي المخالف للخطاب السائد، واعتباره جزءا من المنظومة، لا غريما يجب إقصاؤه أو تجاهله، أو إغلاق الإعلام بوجهه جملة وتفصيلا.

 والعبرة هنا أيضا ليست بطبيعة الملكية، أو بمستوى انفتاح السوق أو بعدد الفاعلين به (وهي إشكالية إجرائية وتقنية هينة)، العبرة بالقابلية على القبول بالآخر، والسماح له بالتعبير من على المنصة، دونما حرج أو خوف، أو خشية متابعة، على خلفية من هذا القانون أو ذاك.

القضية الخامسة: بقدر ما لا يمكن الارتكان إلى فلسفة وطبيعة التحرير والخلفيات الثاوية خلفه، فإنه لا يمكن الارتكان بالمطلق للأدوات التي أنشئت "للسهر" على ذات التحرير ضمانا للحق في ولوج السوق، واحتراما لقواعد اللعبة المحددة لذات الغرض.

لو تجاوزنا على وظيفة الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، وطبيعتها، وجهة انتمائها، ومميزات القائمين عليها منذ مدة، فإننا لا يمكن أن نتجاوز على حقيقة أن ذات الهيئة إنما هي بالمحصلة ذات طبيعة إجرائية خالصة. بمعنى أن المفروض ألا تتعدى قراراتها مستوى الترخيص للفاعلين، والعمل على أن يحترموا أخلاقيات حددها القانون وضبطتها دفاتر التحملات. هي مستوى وظيفي بكل المقاييس، وبناء عليه، فليس من مهامها أن تدفع بمبدأ حرية التعبير والرأي، أو تعاقب هذا الفاعل أو ذاك على تقصيره بهذا الجانب.

هي، من هنا، غير مطالبة بمأسسة حرية التعبير بالإعلام السمعي/البصري، أو بفرضه كسلوك عام. هي "مؤتمنة" على بنود وفصول وخطوط حمر، حددها لها القانون المنشئ، والقوانين اللاحقة أو السابقة على إنشائها.

القضية السادسة: لما كان اختصاص الهيئة العليا تقنين المجال (وترك أمر التنظيم للسوق)، والعمل على أن يحترم الفاعلون قواعد اللعبة المحددة بداخله، فإنها بالتالي لا تعير كبير اعتبار للمضامين المروجة من لدن هذا المنبر التلفزي، أو تلك المحطة الإذاعية. هي من هنا، لا تهتم كثيرا بطبيعة المواد المبرمجة أو الشكل المقدمة به، شريطة ألا يتعارض ذلك مع دفتر تحملات الفاعل، أو فلسفة النظام العام، أو المحاذير التي حددها القانون.

من صلاحيات الهيئة أن تبث في حالات التجاوز على الدين أو على الأخلاق أو على "المقدسات"، لكنها لا تستطيع أن تجبر قناة تلفزية أو محطة إذاعية، على الانفتاح أكثر على هذه الجهة من المجتمع أو تلك، أو تطالبها برفع درجة المباشر ضمن برامجها، أو تشير إليها بالأصبع إن بثت بهذه اللغة أو اللهجة أو تلك، أو تفرض عليها الزيادة في حجم الثقافة أو الإخبار أو التثقيف، ضمن شبكة برامجها.

معنى هذا أن الهيئة غير مخولة لضمان الحق في الإعلام، أو الدفع بمفهوم ما في حرية التعبير، بقدر ما هي أداة رقابة مضمرة، تعمد إلى إعمال القانون لإعادة إنتاج الرقابة إياها بأياد ناعمة، لا يبصرها إلا مطلع أو ممارس. لذلك تراها لا تعترض على نشرات أخبار تبدأ لكي لا تنتهي، وتراها غافلة بسهرات مجونية، في ليلة كان جزء من عمال الدار البيضاء يحترق ببعض معامل الأفرشة.

القضية السابعة: إذا كانت قوانين التحرير قد أفرزت محطات إذاعية ذات صبغة جهوية، كل يبث من المنطقة التي تتحدث الساكنة بها لغة محددة أو لهجة، إذا كانت هذه القوانين قد مكنت من بروز "محطات جهوية"، فإن الأمر لم يتعدى، مرة أخرى، الجانب الإجرائي، جانب الترخيص بالإنشاء، وفق معايير حددها "حكماء" الهيئة.

قد يقول قائل: إنها محطات إذاعية جاءت لتلبية حاجات بعينها، لدى أصحاب هذه اللهجة أو تلك، أو للتعبير عن مطالب للشباب في الموسيقى والتواصل، والتعبير عما لم يكن بالإمكان التعبير عنه بالإعلام الرسمي. وهو قول لا يجانبه الصواب كثيرا، لكنه غير دقيق من زاوية أن المفروض في أية وسيلة إعلام جديدة، أن ترفع من مستوى الذوق العام، بصرف النظر عن الشريحة المستهدفة، وأن تسهم في زيادة منسوب حرية التعبير.

إن حرية التعبير هي مجال عام، يحسه المرء في حله وترحاله، بمعاشه اليومي، بسلوك السلطات معه، بحالات تظلمه لدى القضاء وبما سواها. المحطات الإذاعية، كما المنابر التلفزية، لا يمكنها أن تستنبت ذات المجال أو ذات الإحساس، إذا لم يكن متوفرا بأرض الواقع. هي تعكس واقعا قائما، وهذا الواقع قد يخال للمرء أنه يعيشه وهو يتحدث بهذه المحطة أو تلك، لكنه جد نسبي بالفضاء اليومي المعاش.

القضية الثامنة: لو صرفنا النظر عن هذه المحطات الإذاعية، المحدودة الانتشار وطنيا، والمحصورة الأداة والهدف (ولربما الوظيفة أيضا)، ونظرنا إلى أداء القطب العمومي بعدما تسنى له "التخلص" من الاحتكار وتبعاته، لتبين لنا أن الشكل تماما كالجوهر، لم يطاولهما التحرير كثيرا، لا من حولهما ولا من خلفهما.

إن الشركة إياها لم تستطع، أو لم يرد لها، أو ليس من باب المسموح لها به ضمنيا، التحول عن ثقافة الاحتكار التي لازمتها وطبعتها بطابعها، وجعلت منها مؤسسة عصية على التغيير بكل المقاييس.

قد يكون من باب التجاوز الحكم على عطاء المؤسسة والتجربة لا تزال فتية، لكن أكثر من عامين من الممارسة يعطي الانطباع (المحيل على القناعة صوبا) بأن الشركة إنما تعيد إنتاج منظومة السلوك، التي ميزت "الإذاعة والتلفزة الوطنية" لعقود طويلة خلت.

ليس التلميح هنا قصدا إلى اشتغال المؤسسة، دونما إعارة أدنى اعتبار لانتظارات المشاهدين (هي التي تتنطع بكونها تتوفر على رسم بياني لذات الانتظارات، طلبتها من بيوت خبرة)، ولا إلى هشاشة وضعف شبكتها البرامجية، وعدم انصياعها لأبجديات ثلاثية "الإخبار والتثقيف والترفيه"، بل وأيضا إلى استمرار انغلاقها بوجه الرأي الآخر، المطالب بحقه في التعبير وإبداء الرأي، من على منابرها بالرباط والدار البيضاء.

قد يخال للمرء أن "الجرأة الزائدة" في هذا البرنامج الحواري أو ذاك (بالقناة الأولى كما بالثانية، أسبوعيا أو بالمناسبات) هي دليل حرية تعبير مستنبت. وقد يخال للمرء أيضا أن استحضار هذا "الوجه الممنوع" أو ذاك، هو دليل تفتح وانفتاح. لكن الثابت، بزعمنا، إنما أن ذلك لا يخرج عن سياق الاستثناء الذي لا يؤسس بالمرة للقاعدة، أو لنقل هو ادعاء بحسن نية ما، في حين أن المضمر بالنفوس ليس ما يعتمل بالظواهر...وإلا فما معنى استمرار إقصاء أكثر من وجه وازن من المرور باستوديوهات الشركة الوطنية؟ وما معنى التعتيم على عشرات القضايا التي بعدم التطرق لها ببلدان أخرى، تقصى الإدارة، ويستنكف المواطنون على متابعة القناة جملة وتفصيلا؟

القضية التاسعة: من حق المرء أن ينصص له على حقه في الإعلام، وحريته في التعبير وإبداء الرأي (بالنصوص التأسيسية الكبرى، كما بما سواها من تشريعات)، لكن من حقه أيضا أن ينصص له عليها، تصان، وتتجسد باللغة التي يفهم، أو باللهجة التي فرضتها عليه الطبيعة، أو جعلت له منها أداة اتصال وتواصل. هي أداته الإجرائية لا ريب، لكنها بالآن ذاته حمالة لرموزه، ولمنظومة القيم التي تحكمه وتشكل عنصر التفاعل مع محيطه ومع الآخرين.

إن التعدد اللغوي بمنبر سمعي/بصري ما، هو تعبير عن احترام حق الأفراد والجماعات في تنويع أدوات وأساليب بلوغها المعلومات. بالتالي، فهو مقياس معتبر لمعرفة مستوى حرية التعبير بذات المنبر.

هل من صميم حرية التعبير أن تعمد قناة كالقناة الثانية مثلا، إلى تأثيث أكثر من 90 بالمائة من شبكة برامجها باللغة الفرنسية، كما لو أنها تخاطب جمهورا متجانسا، أو يفقه ذات اللغة، في دلالاتها ونحوها وصرفها ومنطوقها؟ هل من المعقول أن تستمر قناتي القطب العمومي في إقصاء اللغة الأمازيغية، أو في أحسن الأحوال تقديمها بصورة فلكلورية بنهاية الأسبوع؟ هل من المعقول أن تستأسد الثقافة الفرنكفونية بالقناتين معا (ناهيك عن اللغات/الخليط التي نسمع بالمحطات الإذاعية) في بلد لغته الرسمية هي اللغة العربية؟

إننا لا نطرح السؤال هنا تحاملا على اللغة الفرنسية، ولكن للتدليل على أن ضمان حرية التعبير والرأي لا يمكن أن يتوافر إلا باللغة التي يفهمها المتلقي، يتجاوب معها، ويتفاعل مع رمزيتها ودلالاتها. بمعنى أن لا حرية في الرأي والتعبير إذا كان الحامل اللغوي دخيلا، أو موجها لشريحة محددة، أو عامل تشويش على حق لا يدرك إلا بتوفر أداة التشفير.  

القضية العاشرة: لنصرف النظر عن كل ما ورد، ونتساءل: هل من المسوغ الارتكان إلى مقولة تحرير السمعي/البصري في المغرب، في ظل واقع تتمركز به السلطات السياسية والاقتصادية والدينية وما سواها، في نقطة واحدة؟ هل من المقبول، نظريا على الأقل، التسليم بأن الذي بيده كل السلطات، يسمح بأن تنفلت من عقاله سلطة الصورة، حيث تتقاطع كل المستويات والرموز والإدراكات، وحيث تختلط حسابات الهيمنة بضرورات إعادة إنتاج ذات الهيمنة؟

أشك في ذلك، تماما كما أشك في الادعاء بأن منسوب حرية التعبير قد ازداد جراء أو بفضل التحرير.

* "التحرير وحرية التعبير بالمغرب"، شبكة الرافدين، 26 ماي 2008. التجديد العربي، 27 ماي 2008. سايس أخبار، يونيو 2008.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال