أحمد الكاتب، منشورات الكاتب، لندن، يونيو 2006، 257 ص.
بمقدمة الكتاب يقول المؤلف: "قد يحلو للبعض تصوير الخلاف الشيعي السني وكأنه خلاف عقدي جذري وخالد، لا يمكن معالجته إلى يوم القيامة، ولكني أعتقد أنه بالدرجة الأولى خلاف سياسي تجاوزه الزمن، وهو إن كان يتضمن معنى من معاني الخلاف السياسي في التاريخ السحيق، فإنه قد فقد مبرر وجوده اليوم، بعد حدوث تطورات هائلة في حياة المسلمين، ولم تبق منه سوى بعض الرواسب والمخلفات البسيطة، التي لا تشكل مادة جدية للخلاف، فضلا عن التناحر بين المسلمين".
لم يكن الخلاف الطائفي الشيعي/السني، هو الخلاف الوحيد في تاريخنا الإسلامي وواقعنا المعاصر، يقول المؤلف، "فقد كانت ولا تزال هنالك خلافات مريرة داخل كل طائفة، داخل الشيعة والسنة، إضافة إلى الخلافات القومية والقبلية والطبقية والحزبية، التي تفجرت عبر التاريخ، وتتفجر هنا وهناك باستمرار".
إن المؤكد اليوم، يتابع المؤلف، أن المعنى البسيط الظاهر المتبادر من المصطلح الأول السنة، هو أتباع سنة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما لا يمكن أن يتناقض مع التشيع لأهل البيت، الذي يتضمن أتباع السنة. بالتالي، "فإن السنة هم شيعة لأهل البيت، والشيعة هم جزء لا يتجزأ من السنة. وربما كان شيعة الإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، يشكلون أهل السنة والجماعة في مواجهة الخارجين عليه. ولكن المصطلحين الشيعة والسنة، افترقا فيما بعد ليشكلا علامتين على طائفتين أو طوائف من المسلمين".
لم يأخذ مصطلح أهل السنة دائرته الواسعة، التي تضم المذاهب الأربعة المعروفة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) إلا في القرن الخامس الهجري، "رغم استمرار الصراع والتنافس بين المذاهب السنية نفسها إلى أمد طويل".
وبعد أن كان "الشيعة يمثلون أنصار ومحبي وأتباع وجيش وجماهير الإمام علي في أيام حكومته، حيث كانوا يشكلون غالبية المسلمين، تقلص مفهوم الإسم مع الزمن إلى دوائر أضيق فأضيق، فاعتبر شيعيا من يقول بأفضلية الإمام علي على غيره من الصحابة، أو من يقول بحقه الإلهي في الخلافة. كما اعتبر شيعيا (أو رافضيا) من ينتقد معاوية بن أبي سفيان أو عثمان بن عفان، أو أحدا من الصحابة. ويكاد إسم الشيعة يطلق اليوم على من يقول بنظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت من الإثني عشرية والإسماعيلية، وربما شمل أيضا الزيدية، الذين يقولون بانحصار الإمامة في سلالة الإمام علي والحسن والحسين. بينما يطلق إسم السنة على من يقول بشرعية انتخاب أبي بكر على أساس الشورى والبيعة العامة من المسلمين".
ولم يكن هذا الخلاف النظري التاريخي ليشكل قاسما مفرقا بين المسلمين، يقول الكاتب، "لولا وجود بيئة مناسبة ونسبة عالية من الجهل والتعصب والطمع والاستبداد والتفكك الاجتماعي، والانحطاط الخلقي والديني، وانعدام المؤسسات الدستورية والأجواء الديموقراطية، التي تنظم عملية الصراع على السلطة بشكل سلمي، وتحول دون انفجار المشكلة. فلو كان ثمة دستور واضح ينظم عملية تبادل السلطة، ويضع قنوات شرعية للمعارضة، لما تحولت عملية الاحتجاج على سياسة عثمان إلى فتنة، وأدت إلى قتل الصحابي الجليل، ونشوب الحروب المتتالية بين كبار الصحابة، رضي الله عنهم. وكذلك لم يكن الخلاف الطائفي الذي تفرع عن تلك الفتنة ليستمر طويلا، أو ليحتدم بين آونة وأخرى، أو يتفجر دما في فتن مزمنة ومؤلمة ومؤسفة".
يضم الكتاب ثلاثة أبواب ومجموعة فصول، أفردها المؤلف للحديث في إشكالية التسنن والتشيع، التي لطالما أججت الصراعات والفتن:
+ بالباب الأول ("وحدة الدين")، يتحدث المؤلف ب:
°- بالفصل الأول ("العقائد")، يؤكد الكاتب بأن الإيمان بالله تعالى والنبوة والمعاد، هو الأساس الذي لا خلاف حوله بين المسلمين، كيفما كانت طائفتهم. ومع أن هذه الأسس تكفي لتوطيد قاعدة الوحدة بين المسلمين، "إلا أن حدوث بعض الاختلاف حول تفاصيل موضوع التوحيد أو المعاد، مثل التنزيه والتجسيم، أو المعاد الجسماني والمعاد الروحاني، ومعنى توحيد الله وعبادته، أثار عبر التاريخ نوعا من الجدل ليس بين الشيعة والسنة، وإنما بين مختلف الطوائف بصورة عامة، وخصوصا بين أهل الحديث (أوائل السنة) وبين المعتزلة والأشاعرة، الذين أصبحوا يشكلون فيما بعد العمود الفقري لأهل السنة، والذين وافقهم الشيعة في كثير من الأمور".
وباستثناء موضوع تكفير الخوارج للإمام علي بسبب التحكيم، وتكفيرهم لمرتكب الكبيرة، "فان أول خلاف عقدي جدي عصف بالأمة الإسلامية، كان يدور حول القدر أو الجبر والتفويض، وهل الإنسان مسير أم مخير..." وهكذا. إلا أن هذا الخلاف نجم بين المسلمين قبل تبلور الفرق الإسلامية كطوائف. ثم حدث الخلاف الأكبر الذي أدى إلى نشوء فرقة "أهل السنة" وولادتها على يدي الإمام أحمد بن حنبل، وهو الخلاف الذي دار مع الإمام أبي حنيفة، الذي كان يقول بشرعية الرأي في مواجهة الأحاديث الضعيفة المتكاثرة المنسوبة إلى النبي (ص)، والذي كان من آثاره القول بعدم خلق القرآن، خلافا لما كان يقوله الإمام أبو حنيفة ومن ورائه المعتزلة.
من جهة أخرى، يعتقد المؤلف أن موضوع الإمامة أو الخلافة لم يكن يعتبر أصلا من أصول الدين، لأن القرآن الكريم لم يتحدث عنه بالتفصيل، ولكن مبادرة فريق من الشيعة عرف بالإمامية، أو الرافضة، إلى القول في القرن الثاني الهجري بموضوع النص من النبي على الإمام علي بالخلافة، وانحصار الحق بها في البيت العلوي الحسيني، والاستدلال عليها بتأويلات معينة لبعض آيات القرآن الكريم، أو الاستعانة على ذلك بأحاديث عامة أو ضعيفة... كل ذلك "رفع موضوع الإمامة إلى مصاف العقيدة، وجعل الموضوع جزءا ملحقا بالنبوة وامتدادا لها"، في حين يعترف السنة بعدم وجود نص صريح على الخلافة، وترك الأمر شورى بين المسلمين.
إن الخصائص المشتركة بين أهل السنة والشيعة، ثابتة ومعروفة: التوحيد، حيث لا فرق بين عقيدة الشيعة وأهل السنة في التوحيد. الشيعة تؤمن بوجود الله تعالى ووحدانيته، إلا أنها أقرب إلى المعتزلة في المسائل الاعتقادية والكلامية. ثم النبوة، حيث يؤمن الشيعة أيضا بنبوة محمد (ص)، ثم المعاد، أي الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت، والحساب والجنة والنار وما سوى ذلك.
أما المسائل الفارقة بين الشيعة وأهل السنة فهي الإمامة، حيث يبني الشيعة الإمامية الإثني عشرية كل شيء من عقائدهم، على مبدأ النبوة والإمامة، والإمام عندهم شارع (أي صالح للتشريع) كما أن النبي شارع. "ويتلقى الإمام الوحي مثل النبي، ويقوم بحل الأمور عن طريق الوحي. والأئمة مسؤولون عن الشؤون الإدارية والسياسية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية للناس، فيقوم الإمام ببيان الأحكام ويفتي ويفسر آيات الأحكام، ويؤولها حسب معتقداتهم. فبهذا الاعتبار يجب على الناس إتباعه مطلقا. إلا أنه من حق الإمام أيضا أن يلزم التقية، حسب الأحوال والمصالح".
ويقر المؤلف بأن التشيع نزعة سياسية أكثر من أن تكون عقيدة دينية، بيد أن هذه النزعة السياسية قد انقلبت إلى عقيدة دينية مع الزمان، ولهذا يشترط على من يتمذهب بالتشيع أن يعتقد بأن الخلافة مقصورة على سلالة علي مطلقا.
إن عقيدة الإمامة، يقول المؤلف، ليست شرطا من شروط الإسلام، وإنما هي من شروط التشيع. وهذه العقيدة تعني "أن رئيس الدولة يجب أن يكون معصوما كالأنبياء، وأن الإمام يتلقى الوحي من الله مثلهم بالضبط. كما أنهم يمتازون بصفات الأنبياء، ولهم من الحق وصلاحيات التصرف ما للأنبياء (حسب زعمهم)".
الإمام هنا شخصية متفوقة عن الطابع البشري، ويجب التصديق على كل ما يأمر به وينهاه. وهذا ما يجتذب معه نزاعا، لأن عامة المسلمين تؤمن بأن محمدا (ص) هو خاتم الأنبياء والمرسلين.
يستشهد الكاتب بهذه النقطة بالدكتور أوزك عندما يقول: إنه "ثمة حقيقة يعلمها الجمهور، بأن الرسالة قد ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما ختم الوحي، لذلك إن الناس سيتبعون ثلاثة أشياء إلى قيام الساعة، وهي القرآن والسنة الشريفة والعقل السليم... وإذا صدقنا ما يزعمه الشيعة في هذا الأمر، أفلا نكون قد خالفنا التعاليم العامة للقرآن والسنة التطبيقية للرسول صلى الله عليه وسلم؟".
كما أن القول بأن رسول الله أراد أن يستخلف عليا ولكنه لم يستطع، لأن الذين كانوا حوله منعوه، هو مجرد لغو، لأنه يشير إلى أن "رسول الله قد كتم بعض الحقائق خوفا من بعض الناس، وذلك مخل لوصف النبوة، مع أن النبي معصوم، ولا يستطيع إطلاقا أن يكتم شيئا من الحقائق الدينية بمنع الغير، وإلى عجز الرسول (ص) عن أداء مهمته الرسالية، وهذا أمر غير معقول".
إن القول من هذا القبيل إنما هو من فعل الغلاة الذين نشطوا في أواخر القرن الأول الهجري، "واندسوا في صفوف الشيعة، وراحوا يبثون عقائدهم المنحرفة التي استوردوها من الأديان والحضارات السابقة على الإسلام، كالنصرانية واليهودية والمجوسية والهرمية، باسم أهل البيت... وتمحور غلوهم حول رفع أئمة أهل البيت من المستوى الإنساني العادي، إلى مستوى النبوة والألوهية. حيث كان البعض من الغلاة يرفض فكرة الخاتمية للنبي محمد (ص)، ويقول بضرورة استمرار الوحي إلى يوم القيامة، أو يقول بنظرية حلول الإله عز وجل في أشخاص الأئمة، وقيامهم بمهام الله تعالى في الدنيا والآخرة، من الرزق والخلق والموت والحساب وما إلى ذلك. وهو ما يرفعهم إلى درجة الإلوهية. وهم الذين قالوا: إن الله خلق الأئمة، ثم اعتزل تاركا لهم خلق العالم، و تدبير شئونه".
ورغم انتهاء عهد الأئمة، ووصول نظرية الإمامة إلى طريق مسدود بوفاة الإمام الحسن العسكري في أواسط القرن الثالث الهجري، دون خلف، حتى مع افتراض وجود ولد له غائب في السر، فإن نظرية الإمامة، وخصوصا في عصر الغيبة، واستحالة قيام الإمام المهدي الغائب بممارسة دور الإمامة، أي الخلافة والرئاسة، اتخذت طابعا مغاليا للتغطية على الفشل من ناحية، ولإعطاء الإمام دورا عمليا يقوم به في ظل الغيبة، فكان أن أعطى الغلاة "المفوضة" دور إدارة الكون وحفظ الأرض، وما إلى ذلك من أساطير الغلاة.
إن الإمامة التي نعتقد بها نحن الشيعة، يقول الكاتب، لا يعتقد بها السنة أساسا، "وما يعتقد به أهل السنة باسم الإمامة هو تعبير عن الشأن الدنيوي في الإمامة، الذي يعد أحد شؤونها".
أما أهل السنة، فيذهبون إلى اعتبار أن الإمامة تعني الحكومة (الإمامة تساوي الحكومة) وأن الإمام يعني الحاكم الذي يوجد بين المسلمين، وهو من الحيثية شخص من المسلمين، يجب عليهم انتخابه لممارسة الحكم.
وبهذه الصيغة "لم يتعد أهل السنة في الإمامة أكثر من حد الحكومة. أما الإمامة عند الشيعة فهي تأتي تالي تلو النبوة، بل هي أرفع من بعض درجات النبوة. فأولو العزم من الأنبياء هم الذين جمعوا الإمامة إلى النبوة، وكثير من الأنبياء لم يكونوا أئمة، أما أولو العزم فقد بلغوا رتبة الإمامة في آخر المطاف".
بالمقابل، فقد تفرع عن موضوع الإمامة، ورفع منزلتها إلى درجة العقائد، سؤال عن الحكمة وراء "إغفال" القرآن الكريم للنص بصراحة على إمامة أهل البيت، إذا كانت تحتل تلك الأهمية في العقيدة الإسلامية.
بهذه النقطة، "قام بعض غلاة الأمامية، وليس كلهم ولا كل الشيعة بالطبع، بادعاء تحريف القرآن الكريم، وحذف الآيات الناصة بصراحة على الإمام علي وأهل البيت. ولم يقدم أولئك الغلاة أي دليل على دعواهم الباطلة، سوى روايات ضعيفة ومختلقة، نسبوها لبعض أئمة أهل البيت، وهم منها براء".
إن القرآن الكريم، الذي هو سندنا في التدين بدين الإسلام، واحد عندنا جميعا، وليس بيننا أي خلاف بشأن كتابنا السماوي، وعلى الرغم من أن بعضنا يتهم البعض الآخر بالاعتقاد بالتحريف، فإننا عمليا نتلو قرآنا واحدا، ونعمل بقرآن واحد، ونستند إلى قرآن واحد...
و"ليس بين أتباع الكتب السماوية سوى المسلمين الذين هم بالرغم من اختلافهم في الأسماء والمذاهب والفرق والطوائف، يحملون نظرة واحدة ومسلم بها، بالنسبة لكتابهم السماوي القرآن المجيد الموجود عند جميع الفرق الإسلامية، والذي يفتخر باتباعه المسلمون كافة".
إن القرآن الذي يتلوه الشيعي ويتلوه السني، القرآن الذي يتلوه الشيعي الأمامي والزيدي والإسماعيلي، وكذلك القرآن الذي يتلوه السني الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، لا يختلف في كلمة ولا حرف.
ويتساءل المؤلف قائلا: "أفلا نجد في بقاء القرآن محفوظا من كل تحريف عند جميع الفرق الإسلامية، ومصانا في وحدته بيننا نحن أمة الإسلام، درسا نعتبر به، يحملنا على أن نسعى في توحيد الكلمة؟ ألا تدفعنا تلك الحقيقة يعني وحدة القرآن الكريم عند جميع الفرق الإسلامية، إلى عدم التلويح والتشهير بالروايات المتحدثة عن التحريف المذكورة في كتب حديث الفريقين، والتي هي بعضها ضعيف وبعضها قابل للتأويل، وأن لا يتهم بعضنا بعضا بالتحريف".
°- بالفصل الثاني ("المصادر الأساسية للتشريع")، يعتقد المؤلف أن عامة السنة والشيعة يكاد يكونون متفقين تماما على حجية القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم يعتبر المصدر الأول والأقوى عند السنة والشيعة، الذي تعرض عليه الأدلة الأخرى، ويضرب بعرض الجدار كل ما خالفه منها.
بالنسبة للسنة النبوية، لا يوجد خلاف حول ذلك بين المسلمين مبدئيا، حيث يتفق الشيعة والسنة على ضرورة الأخذ بما ثبت عن رسول الله (ص)، ولكن الخلاف يدور حول طرق أخذ السنة، من الصحابة؟ أم من أئمة أهل البيت؟ وهل أن أحاديث أهل البيت ناقلة للسنة؟ أم جزء منها؟
أما الشيعة، فقد كانوا بصورة عامة يشككون بكثير من الروايات المنتشرة في العهد الأموي، ويرفضون خصوصا الأحاديث الواردة عن طريق أبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، وسمرة بن جندب، وأبي الغادية قاتل عمار، ولم يكونوا يعتقدون بعدالة الصحابي بصورة مطلقة، بل يميزون بين العادل والفاسق والمؤمن والمنافق.
ونظرا، لاتهام الشيعة الأمامية لمعظم الصحابة، بالانقلاب على أهل البيت واغتصاب حقهم في الخلافة، "فقد اتخذوا موقفا سلبيا منهم كطريق ناقل للسنة، وربما اتهموا بعض الصحابة والرواة وجامعي الأحاديث بكتمان الأحاديث المتعلقة بفضائل أهل البيت، أو بحقهم في الإمامة".
وإذا ألقينا نظرة على أحاديث الشيعة لوجدنا معظمها يصل إلى الأئمة من أهل البيت، ولا توجد إلا روايات قليلة جدا تنسب إلى الرسول الأعظم، وذلك لأن الشيعة يعتبرون أئمة آل البيت (الإثني عشر) مصدرا من مصادر الفقه، وليسوا كمجتهدين يجوز للناس تقليدهم، كما يقلدون أئمة المذاهب الآخرين.
وفي الحقيقة فإن الشيعة قاموا ويقومون بهذا الدور منذ زمن طويل، إذ أنهم مع فتح باب الاجتهاد في القرن الخامس الهجري، فتحوا بابا آخر هو نقد الروايات والرجال الناقلين لها.
ومن المهم جدا لإعادة الوحدة الإسلامية التحقيق، التأكد مما إذا كان أئمة أهل البيت يشكلون فعلا مصدرا شرعيا إضافيا للسنة النبوية ومكملا لها، بحيث لا يجوز لأي فقيه آخر الإفتاء في مقابلهم؟ أو كانوا مجرد رواة ثقاة ناقلين للأحاديث النبوية، كما تؤكد بعض الروايات الواردة على لسان أهل البيت، أو على لسان مجتهديهم .
إن القيام بعملية نقد جذرية كهذه، كفيل بتقليص مفهوم "السنة" عند الشيعة إلى ما تواتر فقط عن النبي الأكرم (ص)، والتخلي عن اعتبار أئمة أهل البيت امتدادا للنبوة، أو اعتبار أحاديثهم بمنزلة أحاديث النبي، التي لا يجوز رفضها أو مناقشتها والاجتهاد في مقابلها، وتنزيل مرتبتهم إلى مرتبة أئمة المذاهب الإسلامية الأخرى.
من جانب آخر، فإن الإجماع يشكل لدى أهل السنة مصدرا مهما من مصادر التشريع إلى جانب القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، مع الاختلاف في مفهوم الإجماع فيما إذا كان يعني إجماع المسلمين أو إجماع الصحابة أو الفقهاء، في عصر واحد من العصور، وذلك بناء على الحديث الذي يقول: "لا تجتمع أمتي على خطأ". ولكن الإجماع لا يشكل لدى الشيعة وخاصة الامامية مصدرا معتبرا أو حجة شرعية، وذلك لأنهم رفضوا مبدأ الإجماع انطلاقا من رفضهم لإجماع الصحابة حول اختيار أبي بكر خليفة من بعد الرسول، في مقابل ما زعموه من وجود النص على الإمام علي.
ثم هناك الدليل العقلي، وهي الأصول العملية العقلية، مثل أصل البراءة والاستصحاب والاحتياط والتخيير، وهي أصول مشتركة لدى السنة والشيعة، يعمل بها في منطقة الفراغ أو فقدان الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وهي تغطي مساحة واسعة من المجالات الحديثة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبعد فتح الشيعة لباب الاجتهاد، اقتربوا كثيرا في هذا الجانب من أهل السنة، حتى اتهمهم الأخباريون بأنهم قد أصبحوا "سنة".
°- بالفصل الثالث ("الفقه") يعتبر المؤلف أن معظم الخلافات الفقهية بين الشيعة والسنة، هي خلافات جزئية بسيطة، كانت موجودة حتى بين الصحابة والتابعين، أو حتى بين أبناء المدرسة الفقهية المذهبية الواحدة.
وإذا لم يكن الشيعة حتى الآن قد أفتوا بجواز التعبد بالمذاهب السنية، نظرا لاعتقادهم بحرمة الاجتهاد في مقابل أئمة أهل البيت "المعصومين الذين يستوحون علمهم من الله"، فإن أئمة المذهب السني لم يترددوا في الرواية عن أهل البيت، أو اعتبار آرائهم الخاصة كاجتهادات فقهية كسائر اجتهادات المجتهدين، ولذلك كانوا ينفتحون على مذهب أهل البيت، أكثر من انفتاح الشيعة على مذاهب السنة.
للتذكير فقط، يختلف الشيعة والسنة حول الطلاق بالثلاث الذي يعتبره السنة ثلاث طلقات بائنة، يجب على المرأة إذا أرادت العودة لزوجها أن تنكح زوجا غيره، وذلك تقليدا للخليفة عمر بن الخطاب الذي حكم باعتبار الطلاق بالثلاث ثلاثا، بينما يعتبر الفقه الشيعي الطلاق بالثلاث طلقة واحدة.
ويختلفون أيضا حول الأذان والإقامة، حيث يضيف الشيعة اليوم عبارة (أشهد أن عليا ولي الله، أشهد أن عليا وأولاده المعصومين حجج الله) بعد الشهادتين، بعد أن كانوا يحرمون ذلك في الزمن الأول. ويضيف الشيعة كذلك فقرة أخرى إلى الأذان والإقامة هي (خير على العمل) ويقولون إنها كانت موجودة في عهد النبي (ص)، وأن عمر بن الخطاب أسقطها من الأذان.
وهناك بالطبع مسائل جزئية تفصيلة في عدد من الأمور كالوضوء والصلاة والخمس والزكاة، ولكن موضوع "المتعة" أو الزواج المؤقت، ظل يشكل أكبر خلاف فقهي بين السنة والشيعة عبر التاريخ. فبينما يعتبر السنة حكم المتعة الوارد في القرآن الكريم منسوخا ومنهيا عنه نهيا مؤبدا في آخر حياة الرسول (ص)، بعد تحليله عدة مرات وخاصة في أثناء الحروب والغزوات، يعتبر الشيعة الأمامية الإثني عشرية زواج المتعة مباحا بنص القرآن الكريم وأحاديث الرسول وأئمة أهل البيت، ولا يعترفون بتحريم النبي له لا تحريما مؤقتا ولا نهائيا مؤبدا، ويقولون إن الصحابة كانوا يمارسون هذا النوع من الزواج إلى أواخر عهد الخليفة عمر بن الخطاب، عندما نهى عنه في قضية معروفة، وقال:" متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما: متعة الحج ومتعة النساء". وأن كثيرا من الصحابة رفضوا حكم عمر بهذا الشأن.
ويمكن حل الخلاف الفقهي بين الشيعة والسنة بهذا الخصوص، يقول المؤلف، إما باحترام كل فريق لاجتهاد الفريق الآخر، أو بالجمع بين المذهبين، وذلك بتحليل المتعة فقط في الحالات الطارئة الضرورية.
وأما الإذن بالمتعة في السنة النبوية في بعض الغزوات، فكان للضرورة القاهرة في الحرب، وبسبب العزبة في حال السفر، ثم حرمها الرسول، صلى الله عليه وسلم، تحريما أبديا إلى يوم القيامة.
ويستشهد الكاتب بالشيخ يوسف القرضاوي في هذا الباب، حيث يشير هذا الأخير إلى أن فلسفة الزواج مفقودة في زواج المتعة، والى إجازة النبي لهذا الأخير في السفر والغزوات ضمن إطار سياسة التدرج في التحريم، ثم تحريمه بعد ذلك، ولكن القرضاوي يتوقف ليتساءل عن نوعية ذلك التحريم: هل هو كتحريم الأمهات والبنات والأخوات؟ أم كتحريم الميتة ولحم الخنزير، الذي يرتفع عند الضرورة؟ فيقول: "إن الزواج في الإسلام عقد متين وميثاق غليظ، يقوم على نية العشرة المؤبدة من الطرفين، لتتحقق ثمرته النفسية التي ذكرها القرآن من السكن النفسي والمودة والرحمة، وغايته النوعية العمرانية من استمرار التناسل وامتداد بقاء النوع الإنساني... أما زواج المتعة، فلا يتحقق فيه المعنى الذي أشرنا إليه. وقد أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم، قبل أن يستقر التشريع في الإسلام. أجازه في السفر والغزوات، ثم نهى عنه وحرمه على التأبيد".
وكان السر في إباحته أولا، أن القوم كانوا في مرحلة يصح أن نسميها "فترة انتقال" من الجاهلية إلى الإسلام؛ وكان الزنى في الجاهلية ميسرا منتشرا. فلما جاء الإسلام، واقتضاهم أن يسافروا للغزو والجهاد، شق عليهم البعد عن نسائهم مشقة شديدة، وكانوا بين أقوياء الإيمان وضعفاء، فأما الضعفاء، فخيف عليهم أن يتورطوا في الزنى، أقبح به فاحشة وساء سبيلا. وأما الأقوياء فعزموا على أن يخصوا أنفسهم أو يجبوا مذاكيرهم".
+ بالباب الثاني ("خلاف التاريخ والسياسة"):
°- يتحدث المؤلف، بالفصل الأول، عن الموقف من الصحابة، هؤلاء الذين لعبوا "دور الوسيط الناقل للرسالة الإسلامية، ولتراث الرسول الأعظم للأجيال اللاحقة عبر الزمان والمكان، وشكلوا المثال الأعلى للأمة الإسلامية، التي ظلت تستلهم الكثير من الأمور والملامح الأخلاقية من أشخاصهم الكريمة وتجاربهم الغنية، باعتبارهم الجيل المثالي الأول الذي عاصر الرسالة، وساهم في تأسيس الأمة الإسلامية. وقد استحق الصحابة لعظم جهادهم، أن يمدحهم الله تعالى في كتابه الكريم، في أكثر من موضع حيث قال: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".
ولكن مع الأسف الشديد، يقول الكاتب، ونظرا للفتنة الكبرى التي حدثت في أيامهم، فقد أصبح الصحابة الكرام مجالا للجدل والتشكيك والغلو والتجريح، وظهر في التاريخ من يهاجمهم بقسوة، ومن يدافع عنهم بتطرف، حتى أصبح الحديث عنهم أو اتخاذ الموقف منهم سلبا أو إيجابا، بحد ذاته، موضوعا عقديا مهما يوازي أركان الدين، ويلعب دورا في تقسيم المجتمع، وتشكيل هوية الطوائف الثقافية والدينية.
وهذا يقودنا إلى حديث الإيمان والمؤمنين والنفاق والمنافقين في جيل الصحابة، فهل كل من رأى النبي آمن به بصورة سحرية؟ وهل كل من آمن به علنا، آمن به في الواقع؟ وهل كل من آمن به في الواقع، ظل محافظا على إيمانه إلى آخر يوم من حياته؟ وهل كل من حافظ على إيمانه، ظل محافظا على مستوى إيمانه عاليا إلى آخر لحظة من حياته؟
وإذا عدنا إلى قراءة ملف الفتنة الكبرى، لوجدنا فيه، يتابع الكاتب، مواقف عديدة من مختلف الأطراف، ومن الصحابة والتابعين، تدل على فهمهم النسبي، لا المطلق، لفضل الصحابة، واحتمال افتقاد بعضهم لدرجة الإيمان العليا، والاتصاف بالنفاق والردة والكفر.
ورغم كل التأويلات التي يقوم بها البعض في تفسير اقتتال المهاجرين الأولين (طلحة والزبير وعائشة وعلي) وأتباعهم في حرب الجمل، وإلقاء اللوم على فئة منافقة مدسوسة بين الطرفين، فإن وقوع تلك الحرب الطاحنة التي ذهب ضحيتها الآلاف من المسلمين، "دليل على نظرة الصحابة النسبية لأنفسهم، وعدم وجود مفهوم العدالة المطلقة أو العصمة، الذي نشأ فيما بعد في القرون التالية، لدى فريق من أهل السنة".
أما في صفين فإن الصورة بدت أكثر وضوحا، حيث كان الإمام علي يلعن معاوية ومجموعة من أعوانه في صلاته، ويقنت عليهم قائلا:"اللهم العن معاوية وعمروا وأبا الأعور السلمي وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد". فيما كان معاوية يلعن عليا والحسن والحسين وابن عباس ومالك الأشتر.
وقد استمر لعن الإمام علي على منابر بني أمية حوالي ستين عاما، إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فأصدر أمرا بوقف ذلك.
وبخصوص معاوية لم يكن كثير من الصحابة وأجلاء التابعين، ينظرون إليه كصحابي مؤمن، أو خليفة عادل. وهناك أحاديث يرويها أهل السنة، تؤكد دخول بعض الصحابة في النار، مما ينقض نظرية عدالة جميع الصحابة، التي تبلورت في القرن الثاني أو الثالث الهجري.
الصحابة قوم من الناس، يقول المؤلف، "لهم ما للناس وعليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم كبير فضل، إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم. لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات، فمعاصينا أخف لأننا أعذر".
من جهة أخرى، فما أن انتهى القرن الهجري الأول، وتعرض الشيعة إلى ضغوط سياسية شديدة ومجازر وملاحقات وتعذيب على أيدي الأمويين، حتى نشأ لدى فريق صغير منهم نوع من التطرف والغلو، كما يحصل في أي تيار يتوسع شعبيا ويتعرض لضغوط مماثلة، فنشأت نظرية الإمامة الإلهية، التي تحصر الحق في الحكم والخلافة في أهل البيت، ولا تكتفي بالقول إنهم أولى وأحق من غيرهم، وعادت إلى الوراء لتقول بأن النبي الأكرم (ص) قد عين الإمام عليا خليفة من بعده ونص عليه، وأن الإمامة تنحصر في ذريته إلى يوم القيامة. وقد انعكست هذه النظرية سلبا على مبدأ الشورى والخلفاء الراشدين، الذين اعتبرتهم النظرية "غاصبين" للخلافة من الإمام علي.
كانت حركة الغلو في أئمة أهل البيت قد نشأت في بعض أوساط الشيعة، بقيادة بيان بن سمعان التميمي والمغيرة بن سعيد وبشار الشعيري وأبي الخطاب، "الذين كانوا يدعون الألوهية لأئمة أهل البيت، أو النبوة لهم، أو لأنفسهم، ويكفرون أبا بكر وعمر، ومن لم يوال عليا، ولكن أئمة أهل البيت كانوا يردون على هؤلاء الغلاة بشدة وغضب، ويطردونهم من صفوف الشيعة، ويلعنونهم ويتبرأون منهم".
إن المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، لم يكونوا يعرفون الانقسام الطائفي الحاد، حيث لم يكن إسم "أهل السنة" يطلق إلا على مجموعة صغيرة من "أهل الحديث"، ولم يكن إسما عاما على طائفة مقابل "الطائفة الشيعية"، حيث كان يوجد تداخل كبير بين تيارات الشيعة المختلفة من محبي أهل البيت من الزيدية والإمامية والمعتزلة وأهل الحديث، من العلويين والعباسيين وغيرهم، بصورة يصعب فيها إطلاق وصف شيعي أو سني على أي شخص، فضلا عن إطلاقه على عامة الناس.
مع بيعة الإمام علي لأبي بكر بعد ستة أشهر من وفاة الرسول (ص)، "طويت صفحة الخلاف بين الإمام علي وإخوانه من السابقين والمهاجرين والأنصار، وعم الود والحب والتقدير والتعاون في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، إلى حد تزويج الإمام علي ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب، وتسمية ثلاثة من أبنائه باسم أبي بكر وعمر وعثمان".
من المؤسف، يتابع المؤلف، أن بعض الدول كالدولة الصفوية التي سيطرت على بلاد فارس في القرن العاشر الهجري وما بعده، قد استغلت ذلك التراث السلبي الأسطوري، في صراعها مع العثمانيين، لكي تشن حملة شعواء ضد أهل السنة، وتسن بدعة السب واللعن للخلفاء الراشدين. ومع أن الدولة الصفوية ذهبت مع التاريخ، إلا إنها تركت بصماتها المشئومة على العلاقات الأخوية بين السنة والشيعة، وخلفت وراءها تراثا ثقافيا متعفنا مليئا بالأحقاد.
إن النقد والسب واللعن والتكفير والاتهام بالردة والنفاق، كان إفرازا من إفرازات الفتنة الكبرى التي عصفت بالمسلمين، "ولا بد من إغلاق ذلك الملف، إذ لا يعقل أن نلوك ذلك التاريخ السيئ وتلك الإفرازات القبيحة، ونظل نلوكها إلى يوم القيامة".
°- بالفصل الثاني ("دور الأدعية والزيارات في إضفاء المسحة الدينية على التاريخ")، يقول المؤلف: "يحتفظ الشيعة الأمامية الإثنا عشرية بتراث ضخم من الأدعية والزيارات المنسوبة إلى أئمة أهل البيت، والتي يدأبون على تلاوتها آناء الليل وأثناء النهار وفي عقب كل صلاة، وهناك من الأدعية والزيارات ما يتلونها كل ساعة أو كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر، أو في كل موسم، أو في المناسبات السنوية. ومن هنا تلعب الأدعية والزيارات دورا كبيرا في صياغة الثقافة الشيعية الشعبية، وترسيخها بين الناس".
إن الولاء لأئمة أهل البيت في زمانهم يمكن أن يكون مفهوما ومعقولا وذا معنى، باعتبار وجود أشخاصهم، والالتفاف حولهم وإتباعهم ومشايعتهم في مقابل خصومهم السياسيين من الأمويين والعباسيين، ولكن الولاء لهم يفتقد أي معنى حيوي في الزمن التالي، حيث يستحيل الالتفاف حولهم سياسيا، أو تنصيبهم في منصب الخلافة والإمامة، ولا يمكن إلا التعبير عن الحب لهم، وهذا أمر لا يختلف عليه المسلمون من جميع الطوائف. إلا إذا حولنا معنى الولاء إلى "مفهوم اعتقادي"، ورفعنا أئمة أهل البيت إلى درجة تشبه النبوة أو الالوهية، وهو ما يقول به الغلاة من الشيعة.
°- بالفصل الثالث ("السياسة") يعتقد المؤلف بأنه في البدء كانت الأمة الإسلامية الواحدة، ولم تكن الطوائف. وكانت الشورى كدستور للمسلمين، ولم تكن النظريات الوراثية المختلفة. وعندما انهار نظام الشورى في الفتنة الكبرى التي عصفت بالمسلمين، وقام على أنقاضه النظام الوراثي الأموي، كان من الطبيعي أن يولد رد فعل عند بني هاشم، الذين اعتبروا أنفسهم أولى من الأمويين بوراثة الرسول الأعظم (ص)، فولدت النظرية الشيعية حول أحقية أهل البيت بتوارث السلطة. وما أن سيطر العباسيون على الحكم، حتى اختلفوا مع أبناء عمهم العلويين، الذين قالوا بأحقيتهم من العباسيين بتوارث السلطة، مما دفعهم للثورة عليهم عدة مرات طوال القرنين الثاني والثالث، إلى أن نجح فريق منهم من أبناء إسماعيل بن جعفر الصادق، بإقامة حكم لهم في شمال إفريقيا، وكادوا يقضون على العباسيين في عقر دارهم بغداد في القرن الخامس الهجري. وهو ما أجج صراعا سياسيا بين الأطراف الهاشمية استمر عدة قرون، وشهد أيضا ولادة أحزاب وتيارات وقوى مختلفة، كالبويهيين والغزنويين والسلاجقة والأيوبيين والحمدانيين وغيرهم، من الذين دخلوا ساحة الصراع بين الفاطميين والعباسيين.
وفي حين كانت التيارات الشيعية الهاشمية أو العلوية أو الحسنية أو الحسينية تتصارع فيما بينها، كان الفكر السياسي السني يعيش بعيدا عن السياسة، أي "غير سياسي"، بمعنى أنه يقبل بكل من يتولى السلطة، ويسيطر عليها سواء كان عباسيا أو فاطميا أو بويهيا أو سلجوقيا.
كان هذا على مستوى النظرية، أما على مستوى الواقع، فقد كان أهل السنة لا يعبأون كثيرا بالشورى، وإنما كانوا يتمسكون أكثر شيء بشرط القرشية في الإمام. وإذا نظرنا إلى هذا الشرط، فسوف نجده لا يتناقض مع الفكر الأمامي الذي يقول بحق أهل البيت في الخلافة، مما جعله يتعايش مع الفكر الأمامي، كما في العهد الفاطمي في مصر. و"لذلك عندما حاول الخليفة العباسي القادر بالله محاربة الفاطميين وتجريدهم من شرعيتهم، لم يجد أفضل من استخدام سلاح القرشية، وذلك بالتشكيك بنسب الفاطميين، فقال إنهم من أصول أخرى غير علوية، وعمل مضبطة خاصة شهد عليها كبار الشيعة والعلويين في بغداد".
ومع سقوط الدولة العباسية على يد المغول في أواسط القرن السابع، سقط العمود الفقري السياسي أو قطب الرحى لأهل السنة، ولم يجد كثيرا تبني الحكام المماليك في مصر لبقايا العباسيين وجعلهم "خلفاء" صوريين.
وفي غياب الأقطاب السياسية السنية والشيعية، اشتدت في القرن السابع والثامن، الصراعات السياسية بين المذاهب السنية نفسها، حين كان أتباع أو شيوخ كل مذهب يحاولون الهيمنة على أي حاكم، وينصرونه لينصرهم، إلى أن نجح الأحناف في إقناع الأتراك بتبني مذهبهم لأنهم لا يشترطون "القرشية" في الإمام، وهو ما مهد لقيام الخلافة العثمانية التركية، التي هيمنت على مصر والشام والحجاز في القرن العاشر.
ومع قيام الخلافة "السنية" الجديدة في تركيا، ولدت دولة "شيعية" في إيران، هي الدولة الصفوية، التي أعلنت المذهب الاثني عشري غطاء لها، بعد أن قامت بالالتفاف على عقدة الإمام المعصوم، وحرمة تشكيل أية حكومة في عصر الغيبة.
وبينما كانت الخلافات السياسية بين الشيعة والسنة في طريقها إلى الزوال، أدى قيام هاتين الدولتين وصراعهما الطويل على العراق، إلى تأجيج الخلافات القديمة والميتة. "كانت الدولتان الصفوية والعثمانية دولتان مستبدتان، أبعد ما تكونان عن روح الشورى أو أخلاق أهل البيت، ولكنهما كانتا ترفعان بيارق الولاء للتشيع والتسنن".
لقد كان واضحا أنه لم يبق في ظل الدولتين الديكتاتوريتين، من التشيع والتسنن، أي معنى للخلاف السياسي القديم بين أنصار المذهبين، وأن صراعهما لم يكن ينطلق من أي منطلق مذهبي، وإنما كان يحاول كل منهما استغلال التراث المذهبي لصالحه، في معركته على مواقع النفوذ. ولم يمنع كل ذلك من نشوب الصراعات الدموية في البيوتات الحاكمة نفسها، في تركيا وإيران.
إن قراءة خاطفة لتاريخ المسلمين السياسي، تؤكد هيمنة الفكر الديكتاتوري على جميع المذاهب الإسلامية، وعدم وجود رحابة ديموقراطية كافية تسمح بالتعددية وقبول الآخر أو الاعتراف به، وخاصة في ظل انتشار واشتهار الحديث الذي يقول" ستفترق أمتي على اثنتين وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية والبقية في النار"، واعتقاد كل فرقة من فرق المسلمين بأنها تلك الفرقة الناجية المقصودة من حديث الرسول، وأن بقية الفرق كلها في النار، مما كان يسمح لها باحتكار السلطة والحقوق المدنية ومصادرتها من المنافقين والمرتدين والمشركين والضالين والمبتدعين. وعدم تفسير الحديث، على فرض صحته، بأن المقصود هو ما أجمع عليه المسلمون من التوحيد والإيمان بالنبوة والمعاد في الآخرة، بحيث يسمح لهم بتقبل الآخر والتعايش معه بمحبة وسلام.
وقد مضت فترة من الزمن خيل للكثيرين بأن التقسيمات الطائفية قد ولت إلى غير رجعة، وأن الأمة الإسلامية مقبلة على مرحلة من الوحدة والاندماج، ولكن "لجوء عدد من الأنظمة السياسية الديكتاتورية إلى استغلال الخلافات الطائفية لتكريس هيمنتها على السلطة في بلدانها، ساعد على إحياء الروح الطائفية من جديد، ودفع الطوائف إلى اللجوء إلى قياداتها الدينية والالتفاف حولها".
وإذا استطعنا اليوم، تجاوز الفكر السياسي الشيعي الخاص، المتمثل في (ولاية الفقيه) والتمسك بالفكر الديموقراطي، وضمنا تقبل السنة له بقوة، فإنه يمكننا التوصل إلى فكر سياسي مشترك يستطيع توحيد المسلمين، ويذيب ما بينهم من خلافات سياسية قديمة وميتة.
+ بالباب الثالث ("الطريق إلى الوحدة") يقول الكاتب: "إن الشيعة والسنة متفقون في العقيدة ومختلفون في التاريخ والسياسة، وأن الأزمة الطائفية التي نشاهدها أحيانا هنا وهناك، هي وليدة الديكتاتورية وثمرة من ثمارها المرة، وليست الخلافات بين الطائفتين بخلافات حيوية معاصرة، أو ذات مضمون اجتماعي راهن، وإنما هي خلافات إسمية، وهمية، تاريخية، قشرية، وليست جوهرية".
إن الطريق إلى الوحدة الإسلامية يبدأ، بنظر المؤلف، من الديموقراطية، والديموقراطية تبدأ من العقل والنفس. "إنها تبدأ من الزهد في الدنيا، والتواضع للآخرين، وعدم التكبر عليهم والاستئثار بأموالهم وحقوقهم ومصالحهم. وتنتهي بالالتزام بالنظام الديموقراطي الذي يحترم التعددية ويقبل بالآخر، ويعترف بحق الاختلاف للآخرين، ويحترم مشاعرهم. ولقد أخطأ كثير من السلف حين اعتقد كل منهم أنه فقط يشكل الفرقة الناجية أو الشخص الناجي من الأمة، وذهب إلى تكفير الفرق الأخرى أو تبديعها أو تضليلها، في أمور خلافية جزئية بسيطة، لا تصل إلى درجة الكفر بالله تعالى".
إنه، يؤكد المؤلف، لا بد من اعتبار كل من يؤمن بالله واليوم الآخر وبنبوة الرسول الأعظم محمد (ص) هو أخ مسلم بغض النظر عن هويته الطائفية، أو الاختلاف معه حول بعض التفاصيل الجزئية. ولا بد من وضع الأمور في نصابها بعدم تضخيم السلبيات الجزئية، أو توهين المشتركات الأساسية الجامعة، انسياقا وراء حملة إعلامية مضادة، أو تمهيدا لحرب سياسية أو عسكرية شيطانية. إن أسماء الطوائف "السنية" و"الشيعية" هي أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة. وأن التقسيم الحقيقي الذي يقسم الأمة الاسلامية اليوم، هو الذي يضع غالبية الأمة في جانب، و"يضع الطغاة والمستبدين (المنافقين) في جانب آخر".
"السنة والشيعة: وحدة الدين والأصل، خلاف السياسة والتاريخ"، نافذة "قرأت لكم"، 3 يناير 2008.