تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإعلام العربي "للمحافظين الجدد"

 هل يمكن إدراج إذاعة "سوا" وفضائية "الحرة" ضمن الشق الإعلامي العربي لسياسيات "المحافظين الجدد"؟

سؤال يفرض ذاته في معرض تأمل ثنايا آخر أعمال الباحث المغربي يحيى اليحياوي، والذي كما أشرنا سابقا عبر صفحات هذا المنبر، يشتغل تحديدا على ملفات الإعلام والاتصال والعولمة.

نحن ضيوف كتاب ممتع يحمل عنوان "احتقار الديمقراطية: دراسات في آليات الاستبداد الجديد" (صدر الكتاب عن منشورات عكاظ. الرباط. الطبعة الأولى 2005)، حيث نصطدم إيجابا بإصرار المؤلف على التأليف الرصين في الملفات سالفة الذكر، مع فرق بسيط وهام في آن هذه المرة، ويتعلق بعروج عابر ومسؤول على بعض قضايا الساحة العربية، بما ينسجم مع تخصص المؤلف، ونخص بالذكر قراءته النقدية لموضوع راديو "سوا" وفضائية "الحرة".

سوف نقتصر على الاستشهاد بتقييم اجتهاد الباحث في قراءة مشروع فضائية "الحرة"، والتي كما هو معلوم، أتت بدورها لتتميم رزمانة المشروع الإعلامي الأمريكي الموجه للمنطقة العربية والذي انطلق مع "راديو سوا" ومجلة "هاي" والذي ستتكرس مفاصله الأساسية مع برامج إعادة تشكيل المنظومة التعليمية والتربوية للمنطقة العربية برمتها عبر تغيير المناهج المتعلقة بها شكلا كما في المضامين.

يرى المؤلف أن الأمر يتعلق بقناة موجهة بامتياز ليس فقط على اعتبار الغاية من إنشائها (" تعميم الحرية والديموقراطية" كما أشيع ويشاع) ولا بحكم الخلفية والفلسفة الحاكمتان لصيرورتها، ولكن أيضا بحكم طبيعة الخطاب الذي تمرره وستمرره والذي لن يخرج، بأي حال من الأحوال، عما تتبناه الإدارة الأمريكية وتبني له بالقول والسياسة والفعل.

من الشاذ حقا والمثير للدهشة أيضا، في حالة "الحرة"، تأمل صيغ التبرير المقدمة وطبيعة المسوغات المدفوع بها والتي لا قدرة لها على الصمود عند وضعها على محك الملاحظة والتحليل:

+ ففضائية "الحرة" أنشئت على خلفية من اعتقاد الإدارة الأمريكية بأن أداء بعض من الفضائيات العربية " قد أضر بصورتها" سيما بعد غزوتي أفغانستان والعراق واحتلالها لهما أرضا ودولة وشعبا.

+ وفضائية "الحرة" تدفع بأطروحة "خلق أجيال جديدة تكون أكثر تفهما للسياسة الأمريكية بالعالم العربي..." تماما كما لو كان الأمر (ولا يزال) مجرد سوء فهم من الممكن مداواته عبر "ربط جسور من التواصل" و"مد خيوط للتقارب بين العالمين".

وبالمحصلة النهائية، تبدو فضائية "الحرة"، بمقاييس المصداقية، "فضائية تافهة".. إنها، في اعتقاد المؤلف واعتقادنا أيضا، حتى لا نقول اعتقاد أغلب المتتبعين، "مولود ميت كما هو حال شقيقتها بالصوت ورفيقتها بالكلمة".. "إنهم مجتمعين أدوات منظومة في التجبر والاستكبار واحتقار الآخر وإهانته واستصغار منظومة قيمه.. ولما كانت كذلك وأكثر، فإنها لن تستأثر إلا بمشاهدين (ومستمعين وقراء) تافهين وغير مدركين".

رأي اليحياوي مختلف تماما، كما هو متوقع، مع رأي العاملين فيها، فالمسألة مسألة أرزاق على حساب المبادئ، حتى نكون صرحاء أكثر، والمثير أننا نجد قوميين ويساريين وحتى أبناء الحركة الإسلامية، يشتغلون مع راديو "سوا" وفضائية "الحرة"، بما في ذلك الحالة المغربية، ولا يهمنا ذكر الأسماء، لأن المسألة أكبر بذلك بكثير، ثم إننا نناقش مجموعة رؤى وأفكار وليس أحوال فلان أو علان، ممن هرولوا نحو تبرير ما لا يبرر، كقول أحدهم أن "فضائية الحرة تمول من قبل الكونغرس الأمريكي، وهذا الأخير يمثل الشعب الأمريكي"، وبالتالي لا علاقة للقناة بالإدارة الأمريكية! فيما يعتبر تحقيرا فجا لكرامة المتلقي العامي والعالم، وكلاهما يعلمان علم اليقين أن هذه المشاريع تبقى لصيقة بمقررات وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، وليس "الشعب الأمريكي".

إن لم تستح أيها الإعلامي العربي المشتغل مع إعلام "المحافظين الجدد"، فاصنع ما شئت.

والله أعلم.

جريدة اللواء الأردنية، 2 نونبر 2005 (قراءة منتصر حمادة)

* "الإعلام العربي للمحافظين الجدد"، جريدة اللواء الأردنية، عمان، 2 نونبر 2005.

يمكنكم مشاركة هذا المقال