تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لقاء مفتوح مع الجمعية الوطنية لدكاترة الإدارات العمومية لجهة مكناس تافيلالت

اللقاء المفتوح غالبا ما يأخذ شكلان اثنان:

+ الأول يكون متمحورا حول قضايا الشأن الجاري ويدعى له رجل السياسة (الممارس أو الباحث) فيتحدث في ذلك من زاوية حزبه (في الحالة الأولى) أو من المنظور الفكري الذي يتبناه (بالنسبة للحالة الثانية).

+ الشكل الثاني يستدعى له المفكر أو المثقف ليتحدث في قضايا الفكر أو الثقافة أو السياسة أو ما سواها من زاوية لا نقول محايدة... لنقل مجردة أو أقرب إلى الموضوعية.

أنا لا أدعي لا هذه الصفة ولا  تلك في زمن أضحى فيه الكل أو يكاد مثقفا أو مفكرا أو باحثا أو محللا استراتيجيا أو خبيرا أو ما سوى ذلك. سأكتفي بالحديث في بعض القضايا الكبرى التي أشتغل عليها مباشرة أو تهمني بارتباط والمحاور التي تهم الجمعية... وهي قضايا يتقاطع بصلبها الثقافي بالفكري بالسياسي وبغير ذلك.

+ أول تيمة أو لنقل أول قضية أشتغل عليها وتهمني هي المرتبطة بالاعتقاد (اعتقادي الخاص على الأقل) بأن العالم يعيش منذ عقدين من الزمن أو أكثر ثورة تكنولوجية كبرى وعميقة طاولت علوم الحياة والأرض والبيوتكنولوجيا...وطالت تحديدا ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال.

بالتالي فالاقتصادات والمجتمعات المعاصرة بدأت منذ مدة تتحول من اقتصاد صناعة وخدمات خالصة إلى اقتصادات ومجتمعات معلومات وإعلام واتصال...وفي الأمد الطويل اقتصادات ومجتمعات معرفية قوامها البحث العلمي والإبداع التكنولوجي والقيمة المضافة المتأتية من الموارد البشرية ومن التكوين ومن العمل الجماعي المرتكز على تكامل المهن والتخصصات والحرف وما سواها.

هذا معطى جوهري أتت به ثورة الرقمنة وتوظيف الألياف البصرية والأقمار الصناعية ويتمظهر يوما عن يوم عبر المتعدد الأقطاب والإنترنيت باختلاف صبيبه وأجياله...ويتمظهر أكثر مع تداخل القطاعات والمهن وتزايد التحالفات الاستراتيجية وهكذا.

أزعم بهذه النقطة أن الدول والحكومات التي لا تسير بهذا الاتجاه ولا تقيم البنى التحتية لذلك ستركن إلى الجانب وتقصى.

+ ثاني محور يتعلق بالعولمة. وهو محور إشكالي بامتياز ليس فقط في تحديده وتحديد فضائه بل وأيضا في تباين الموقف من الظاهرة:

°°- أنا زعمت ولا أزال أزعم أن الظاهرة اقتصادية بامتياز في طبيعتها، في آلياتها، في ميكانيزمات اشتغالها وفي طبيعة الفاعلين الكبار بداخلها (شركات متعددة الجنسيات، مؤسسات مالية وتجارية واقتصادية دولية). ما عدا هذا أعتبره إسقاطا على الظاهرة أو محاولة فهمها بأدوات ليست دائما مستساغة.

°°- وأزعم أيضا أن المهم ليس تحديد موقفنا من الظاهرة (بجهة معها أو ضدها، هل هي مفيدة أم لا) المهم فيما أتصور هو مساءلة ثلاثة جوانب بداخلها قد يساعدوا على الفهم:

أولا دفعها باقتصاد السوق المحرر، غير المقنن، التنافسي وعلى المستوى الكوني.

ثانيا دفعها ببعد في الديموقراطية واحد ("ديموقراطية السوق") حيث السياسة سوق للتباري من خلال منظومتي العرض والطلب.

وثالثا دفعها بفكر واحد وثقافة واحدة يراد لها أن تكون ثقافة الكون برمته (مركزية الفرد، منطق الربح، البقاء للأقوى...الخ).

وهي قضايا محكومة بخلفية فلسفية وبمرجعية إيديولوجية قد لا تتطابق دائما والصيرورة التاريخية للدول والشعوب سيما عندما تدفع بالخوصصة والتحرير وتقليص وتقويض دور الدولة وإزاحة الرعاية وما سوى ذلك.

+ ثالث محور يرتبط بما يمكن تسميته بالقطائع المؤسساتية واختزال المؤسسة في منظومة عقدية جديدة:

°°- تعاقد الحكومات مع الفاعلين الكبار عوض أن يكون ذلك مع الشعوب والأمم.

°°- ارتهان البعد المواطناتي من لدن البعد السياسي وارتهان هذا الأخير من لدن البعد الاقتصادي...لدرجة تبدو معه المقاولة الاقتصادية المحدد الأول والأخير للسياسات الاقتصادية وما سواها هي مستويات يجب أن تتكيف لأنها تابعة وليست متبوعة كما كان عليه الحال من ذي قبل.

بالتالي لم تعد السياسة هي القائد والموجه بل أضحت تابعا للفاعلين الكبار الذين يعتبرون أن بريقهم هو بالنهاية من بريق الاقتصاد الوطني وهكذا.

+ رابع محور: القيمة التحليلية للعديد من المفاهيم الكبرى (الدولة، الأمة، العمل، رأس المال، القطاع، التراب الوطني، التربية...) تراجعت وإلى حد كبير.

أنا لا أقول إنها مفاهيم لم تعد ذات دلالة كبرى، أقول فقط إن قيمتها التفسيرية تراجعت واستغني عنها تحت مسوغات جديدة حملتها الحكامة والتنمية المستدامة وما سواها.

نموذجان مهمان في ذلك:

أولا رأس المال: هناك حوالي 2500 إلى 2800 مليار دولار تقتني الشبكات الألكترونية وتتنقل عبرها متجاوزة رقابة الدول والحكومات والسياسات الاقتصادية. 6 بالمائة منها فقط هي التي تدخل حركية الإنتاج والباقي عبارة عن مضاربات بهذا الشكل أو ذاك.

ثانيا مفهوم الدولة: المفهوم بحد ذاته لا يزال صالحا لكن الواقع الذي يريد ضبطه والإمساك به لم يعد ثابتا بل غذا متحركا: الدولة مخترقة في بنيتها الفوقية من لدن الشركات الكبرى والمنظمات الاقتصادية الدولية ومخترقة من التحت جراء حركات الاحتجاج التي تطاولها (احتجاجات ذات طبيعة ترابية أو إثنية أو عقائدية أو دينية أو غيرها).

نفس الشيء بالنسبة لمفهوم العمل والتربية والثقافة وما سوى ذلك.

هذه هي المحاور الكبرى التي أشتغل عليها وأزعم أنها ترهن حاضر الدول والأمم والشعوب ومستقبلها.

+ بحالة المغرب نلاحظ بإزاء هذه القضايا مفارقات كبرى وتباينا جوهريا بين الخطاب والممارسة: " وعيا" على مستوى الخطاب وسلوكا بالممارسة منافيا لذلك. أربعة أمثلة:

°°- البحث العلمي وإشكالية الكفاءات: هناك على مستوى الخطاب تبجحا بأن المستقبل هو للبحث العلمي وتقييم القدرات والكفاءات البشرية في حين أن السلوك عكس ذلك (ميزانية في البحث العلمي جد متدنية، البنيات متردية والجامعة في طريقها إلى الانقراض سيما مع الإصلاح الحالي).

°°- القول بأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال ستحل إشكالية التربية والتعليم ولكأنها هي الحل...هي تساعد على الحل دون شك لكنها ليست الحل. نفس الشيء مع مسألة الإدارة الألكترونية أو الحكومة الألكترونية وغيرهما.

أزعم أن الحل هو أولا بأرض الواقع أولا قبل أن يكون بالمجال الافتراضي.

°°- التركيز خطابا على الجهة لكن السياسات العمومية تتعامل مع الجهات من منطلق الضبط الأمني وليس على خلفية من ضرورة خلق أقطاب جهوية أو تكوين فاعلين محليين أكفاء: الجهة بالمغرب فضاء أمني وليست فضاء للاستثمار أو لإنتاج القيمة المضافة.

°°- وسائل الإعلام والتلفزة تحديدا هي جزء من السلطة وليست سلطة قائمة الذات فما بالك بالسلطة الرابعة وهو ما يبدو جليا بقوانين الإصلاح السمعي- البصري أو قوانين الصحافة أو الدور التابع الموكل للهيئة العليا للاتصال السمعي - البصري.

نحن إذن بالمحصلة بإزاء عملية تدعي الإصلاح لكنه حقيقة إيهام بالإصلاح ...هذا إذا كان الإصلاح حقا لا يزال ممكنا...

الخطوط الكبرى للقاء المفتوح الذي نشطه الكاتب في ضيافة الجمعية الوطنية لدكاترة الإدارات العمومية- جهة مكناس تافيلالت، مكناس، 24 يونيو 2005.

* "لقاء مفتوح مع الخبير الإعلامي المغربي يحيى اليحياوي عن: الفضاء الإداري والتربوي وعلاقته بتكنولوجيا المعلومات والاتصال، البحث العلمي، الإعلام ودوره في التنمية الجهوية وإصلاح السمعي- البصري"، الجمعية الوطنية لدكاترة الإدارات العمومية- فرع مكناس تافيلالت، مكناس، 24 يونيو 2005. جريدة سايس أخبار، العدد 64-65، يوليوز 2005.

يمكنكم مشاركة هذا المقال