تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي: "توقعت نجاح ساركوزي على الرغم من اقتناعي بمشروع رويال"

نجاح اليمين في الانتخابات الرئاسية كان متوقعا من لدن الفرنسيين، كما من لدن غير الفرنسيين، ليس فقط لأن ساركوزي هو الأفضل أو الأقدر على تسيير فرنسا، ولكن أساسا لأن المجتمع الفرنسي مجتمع محافظ بطبعه، ولا يستحب كثيرا القطائع أو التغييرات الجذرية، كما استشف من خطاب وحملة سيغولين رويال.

لهذا السبب، فعلى الرغم من قوة مرشحة اليسار بالمواجهة التلفزيونية، وقدرتها على اقتراح البدائل في التعامل مع قضايا الشأن العام الداخلي، أو تركيزها على استشارة الشعب في القضايا الإصلاحية الكبرى، أو عزمها على تحديد معالم جديدة لعلاقة فرنسا مع الاتحاد الأوروبي، فلم تستطع إقناع جزء كبير من الفرنسيين، ولا استمالة من كانوا مترددين فيمن سيصوتون.

على النقيض من ذلك، استطاع مرشح اليمين أن يستقطب شريحة واسعة من مناصري اليمين المتطرف، خصوصا في قضايا الهجرة، ومسألة توسيع الاتحاد الأوروبي ليضم تركيا أو غيرها، أو بالنسبة لمسألة "الهوية الوطنية" أو "المصلحة الوطنية أولا"، التي يتشبث بها الفرنسيون، وعبروا عنها في رفضهم للدستور الأوروبي من ذي قبل.

من ناحية أخرى، فمرشح اليمين كان يراهن على الرئاسة كغاية وكهدف، على الأقل باعتبار تواضع ما كان يقترح، في حين أن مرشحة اليسار كانت تراهن على الرئاسة كوسيلة لاعتماد إصلاحات كبرى، سيما بجانب التزامها ببناء مؤسسات "جديدة" لولوج مرحلة الجمهورية السادسة.

بالتالي، فانتخاب ساركوزي هو تعبير حقيقي عن أن الفرنسيين في غالبيتهم، يريدون استمرارية المؤسسات القائمة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية المقترحة، ولا يتوقون إلى جمهورية جديدة، قد تطاول "النموذج الفرنسي" الذي أسس له الجنرال دوغول، واعتادوا عليه.

من جهة ثانية، أزعم أن دلالات وأثر انتخاب ساركوزي قد بدأت من ساعة إعلان النتائج المؤقتة. إذ خرج شباب الضواحي بمظاهرات احتجاجية، ضد صعود مرشح، لهم معه ثأر عندما نعتهم بالحثالة، وأعلن أن فرنسا غير قادرة على استيعاب كل بؤس وفقر العالم، ووعد بالتضييق على السري منهم، دونما وعد من لدنه على تسوية وضعياتهم جماعة، تجاوزا على مبدأ "كل حالة على حدة".

يبدو لي، بهذه النقطة، أن الفجوة الاجتماعية التي جعل الرئيس شيراك منها شعار حملتيه الانتخابيتين، ستعود من جديد وبقوة، خصوصا وأن الرئيس الجديد قد وعد بإصلاحات جبائية ومالية واقتصادية ستعمق حتما هذه الفجوة. صحيح أن العمل والاستحقاق، اللذان ركز عليهما ساركوزي، هما سمتان مطلوبتان، لكن من شأنهما تجذير الفوارق، إن هما لم يصحبا بتدابير اقتصادية واجتماعية تحمي من لا قدرة لديهم على العمل، أو لا تكوين عالي لديهم يذكر.

أتصور، أن فرنسا ستعرف بعض التقوقع حول الذات، وبعض التراجع عن القيم التي عهدناها من بين ظهرانيها، سيما بجانب التضامن فيما بين الشرائح الاجتماعية. وأستطيع أن أقول إن المهاجرين بكل أجيالهم، كما الذين هم من أصول غير فرنسية، سيعيشون فترة محنة حقيقية إذا عمد ساركوزي إلى نهج نفس السلوك الاستعلائي الذي تميزه، ولطالما استفز مثقفي فرنسا نفسهم، وأثار حفيظتهم وحنقهم عليه.

أما عن دلالة ذلك وأثره بالعالم، فأتصور أن الرئيس الجديد واضح فيما يتعلق بالتحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي. لن تكون تركيا إذن بالخمس سنوات القادمة عضوا بالاتحاد الأوروبي. تماما كما سيزداد ضغط فرنسا بجهة منع إيران من امتلاك الطاقة النووية. كما ستترجم بشكل من الأشكال، مقولة ساركوزي بأن الاستعمار كان "فعلا حضاريا". هذه النظرة ستحكم حتما طبيعة علاقات فرنسا بدول المغرب العربي، على الرغم مما قد يكون مرونة نسبية في درجة التعامل عندما يستدعى الأمر ذلك.

بالقدر ذاته، فموقف الرئيس الجديد واضح بإزاء إسرائيل، وبإزاء إمكانية "اعتماد الولايات المتحدة على صداقة فرنسا". بهذه النقطة أيضا، سيزداد الضغط على الفلسطينيين، ولن يكون ثمة من سياسة إزاء العالم العربي، اللهم إلا ما تستدعيه طبيعة وحيوية العلاقة مع إسرائيل. نفس الشيء مع الولايات المتحدة، إذ بقدر مراهنتنا على ذهاب بلير، كونه كان التابع الأمين للسياسة الأمريكية، فإن الرئيس الفرنسي الجديد سيعوضه، ولربما سيحدو حذوه على مستوى الاصطفاف حول أمريكا.

بكل الأحوال، فالفرنسيون اختاروا ساركوزي، لأنه يبدو لهم الأفضل والأنجع والأصلح لقيادتهم. بالتالي، فلا يستطيع المرء أن يزايد عليهم بالقول بأنهم أتوا برجل "غير مناسب". هذا كلام لا يقال للفرنسيين أو لغيرهم، يقال لنا نحن العرب، على خلفية مقولة "الخطر على الديموقراطية" بحالة جزائر تسعينات القرن الماضي. ويقال للفلسطينيين، الذين صوتوا ديموقراطيا لحركة حماس، فرفض العالم، كل العالم، التعامل معها، كونها لا تعترف ب"الشرعية الدولية"...وهكذا.

* "يحيى اليحياوي: توقعت نجاح ساركوزي على الرغم من اقتناعي بمشروع رويال"، ملحق "فكر وإبداع"، جريدة الاتحاد الاشتراكي، 12-13 ماي 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال