أبو يعرب المرزوقي، دار المتوسطية للنشر، تونس، 2007، 275 ص.
يحاول كتاب "النخب العربية وعطالة الإبداع" فهم العلل التي جعلت النخب العربية تنقسم إلى نخب أصولية باسم الدين، ونخب أصولية باسم العقل، أي نخب علمانية ونخب متدينة. إنه يحاول أن يقدم نماذج من هذين النوعين من النخب، ودراسة الدوافع الثاوية خلف هذه الخيارات المتصارعة، مع "محاولة فهم علل ما يمكن أن نسميه حربا أهلية ثقافية عند النخبة العربية، وهذه الحرب الأهلية هي التي أعتبرها سببا في توقف الإبداع عند النخب العربية".
يعالج المؤلف بهذا الكتاب، المنطق الذي يحكم تكون النخب في الثقافة العربية قديما وحديثا، وأيضا المنطق الذي يفسر صراعها وتناحرها في العديد من الأحيان، وكذا الدور الذي أدته النخب في النهضة العربية، هل كانت مساعدة على تحقيق النهضة أم أدت إلى تكوين عوائق؟
أما المسألة الثانية التي يعالجها المؤلف فمرتبطة بما يسميه "الأعراض التي يتصف بها الفكر الحداثي، والتي هي ليست أعراضا دالة على الصحة المبدعة، وإنما هي أعراض مرضية دالة على العجز عن الإبداع وعن التقليد، نفس الشيء بالنسبة إلى فكر النخب الأصولية".
والأعراض المتحدث فيها هنا، لا تحيل فقط على الساحتين الروحية والاجتماعية، بل وأيضا الساحات الثقافية والسياسية التي تعتمل داخل الحضارة العربية الحالية.
يقول المؤلف: "السؤال الذي أردت أن أجيب عنه في هذا الكتاب هو التالي: هل هناك تعليل معقول لعطالة الإبداع عند النخب العربية؟ العطالة التي طغت على كل المجالات سواء كانت متعلقة بالإبداع الذوقي أو بالإبداع الاقتصادي أو بالإبداع العلمي أو بالإبداع السياسي أو حتى بفلسفات الوجود الطبيعي أو الديني، ما هو السبب في ذلك؟ هل الصراع بين النخب العربية العلمانية والنخب العربية الأصولية يكفي لكي يجعل النخب العربية تدخل في حرب أهلية، تلهيهم عن المسائل الجوهرية وتبعدهم عن الإبداع والتجديد في مجالات اختصاصهم العلمية والجمالية؟"
ويستشهد الكاتب، لمقاربة هذه الإشكاليات، بكتاب "المقدمة" لابن خلدون، والذي يحاول فيه هذا الأخير تفسير سبب انحطاط الدول، وكيف يرى أنه من بين أسباب انحطاط الدول هو دور النخب. إذ "النخب المبدعة تبتعد عن الحكم وتصبح مهمشة، والنخب الطفيلية تقترب من الحكم وتصبح بيدها مقاليد الأمر، فينتج عن ذلك أن الدولة لا تستفيد من المبدعين ويضر بها من يخدمها من الطفيليين".
بالتالي، فإن الذي دفع الكاتب لاستعادة هذه القضايا إنما طموحه لفهم كيفية التعاون بين السياسي والفكري في الحضارات، لاسيما في الحضارة العربية/الإسلامية.
لذلك، نرى المؤلف يقف عند دراسة نماذج من المثقفين العرب المنتمين للتيار العلماني وأيضا للتيار الأصولي بغرض دراسة الأطروحات التي يدافعون عنها، والعلل التي يبررون بها هذه المواقف، ليستخلص منها ما يسميه أعراض النخب التحديثية والنخب التأصيلية "وهذه الأعراض اعتبرتها علامة على مرض دفين على شيء في العمق هو الذي يعطل الإبداع".
إن النخب الدينية، يقول المؤلف، إنما تستند إلى الرأي العام الأهلي الداخلي، "بحيث من يصبح نجما من بين رجال الدين هو الذي يحقق نوعا من الصدى عند الرأي العام الشعبي، لكن النخب العلمانية تستمد نوعا من الشرعية مما لها من صدى في الغرب، وليس من الصدى الداخلي، فيصبح مصدر الشرعية إما من الشعب ولكن ليس نخبويا أو من النخبة الأجنبية. ولا وجود لشرعية نخبوية داخلية من الثقافة العربية الذاتية بسبب هذا الصراع بين مصدري الشرعية الداخلي والخارجي، وهذا في مستوى الإبداع الفكري والإبداع العلمي والإبداع الفني وحتى في مستوى المواقف السياسية بحيث ما لم نتجاوز هذه المقابلة بين شرعيتين واحدة نابعة من الداخل ولكن لا تمثل نخبوية محركة للإبداع، والثانية نابعة من الخارج، وهي أيضا لا تمثل حركة مبدعة وإنما حركة محاكية، فتصبح الأمة في صراع بين تقليدين، تقليد الماضي وتقليد الغرب، ثم إن تقليد الغرب هو نفسه تقليد للماضي لأن ما يقلّد هو ما تجاوزه الغرب، وليس ما يبدعه من جديد، فيصبح الصراع بين تقليدين، ومن ثم فهو بين سلفيتين، سلفية باسم العقل وسلفية باسم الدين".
وعلى هذا الأساس، فإن ما يطلق عليه الكاتب بالفوضى الروحية إنما يتتمثل في أن "النخبة التي تستمد شرعيتها من حكم الرأي العام الأجنبي، لم يعد دورها في إنتاج شروط الملاءمة بين طبقات المجتمع، وإنما في تهديم أسس النخبة المقابلة والعكس بالعكس. النخبة الأهلية ليس همها أن تحدث نوعا من التوافق الداخلي للرأي العام، وإنما بيان ما يهدم المواقف المقابلة، ولذلك أنا اعتبرت هذا حربا أهلية في مستوى الإنتاج الثقافي وهو إذن فوضى روحية".
"النخب العربية وعطالة الإبداع"، أبو يعرب المرزوقي، نافذة "قرأت لكم"، 29 يوليوز 2010.