تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"فيفاندي-المغرب"

news-details

لم تتكشف بعد للعديد منا ظروف وشروط تمرير ما يفوق الثلث من رأسمال اتصالات المغرب لفائدة مجموعة فيفاندي الفرنسية أواخر القرن الماضي مقابل ما يزيد قليلا عن ملياري دولار ذاب جزء منها للتو في دهاليز ميزانية الدولة العادية وذهب الجزء الباقي المتبقي منها ليدخل كإيراد استثنائي لبعض من صناديق "الاستثمار والتنمية".

ولئن ساد لدينا الاعتقاد في حينه (ولا يزال) بأن العملية قد طاولتها أكثر من نقطة ظلام على مستوى تقييم رأس مال المؤسسة وعلى مستوى المسطرة المعتمدة وعلى مستوى الغاية المرجوة من العملية إياها، فإن ذات الاعتقاد لم يزدد مع مرور الزمن إلا قوة وتجذرا.

والواقع أن خطابات الارتياح والنشوة التي راجت بشدة عقب تسلم "أول حكومة يسارية في تاريخ المغرب" للشيك موضع الصفقة، لم تكن تترجم في الحقيقة إلا حالة الجندي الذي تساوت لديه بأرض المعركة حتمية الموت بمرارة الاستسلام فدفع بالحل الثاني كأخف الضررين كما يقال.

وعلى الرغم من تواضع الكتابات حول "صفقة القرن" وعدم الإدراك الكافي من لدنها لتبعات ذات الصفقة على المديين المتوسط والطويل، فإن "الرأي النهائي" الذي استقر عليه الكل في ظروف تعذر البلوغ لشبكات الاتصالات وتدني مستوى الخدمات إنما القول بجواز التحالف مع الشيطان (حتى) إن كان له أن يضمن ذات البلوغ ويحول دون استمرار التدني إياه، ناهيك عما سوى هذا من طروحات ودفوعات.

لم نسلك، فيما يخصنا، هذا الطريق في التعليق على ما جرى، بل ركزنا (ولا نزال نؤمن بصحة طرحنا) على ثلاثة معطيات تراءت لنا كافية لفهم الذي كان يجري في حينه:

+ المعطى الأول ويتمثل فيما اعتقدناه ولا نزال بأن الصفقة إنما تعبر وبامتياز عن إفلاس الدولة المغربية وانعدام القدرة لديها على ترتيب ميزانية البلاد دونما تفريط في ملك عام مشترك ليس من حق كائن ما يكن أن يتصرف فيه بحكم طبيعته وطبيعة المرفق الذي يقوم عليه شكلا وفي المضمون.

إذا لم يكن الأمر كما ندعي، فما تفسير أن تعمد الحكومة في حينه إلى إدراج مداخيل ذات الصفقة في الميزانية العامة حتى قبل أن يتسنى لها التأكد من صدقيتها وحجم المورد الذي من شأنه أن يتأتى منها؟

+ المعطى الثاني ويكمن في قولنا في حينه بأن فلسفة التحرير المروج لها بالقطاع بشدة أيامه ليست بالضرورة من خوصصة جزء من رأس مال الفاعل الرئيسي أو الجزء الأكبر منه حتى.

وقلنا بأن التحرير يحيل على السوق (وعلى عدد الفاعلين بداخله) في حين أن الخوصصة تطال رأس المال، وأن التقاءهما مسألة مثالية ذات مرجعية ثقافية لا أثر للبعد الاقتصادي أو المالي بصلبها كبير.

ومعنى هذا إنما القول بأنه كم من تحرير حصر عدد الفاعلين (فرسا الحال على حالة شبه احتكار) وكم من خوصصة انتقلت في خضمها الملكية من يد إلى يد وبقي الاحتكار بالسوق كما هو، أي لم يطله التحول ولا سمح "للدخلاء الجدد" بالاستيطان به.

وعلى هذا الأساس، فقناعتنا في وقته (كما هي اليوم) إنما القول بأن الإشكال إشكال تسيير واختيار استراتيجي كان من المفروض (ولا يزال) اعتماده بالمؤسسة ولا علاقة له إطلاقا بمسألة الجهة المالكة لرأس المال...الدولة في حالة اتصالات المغرب إلى حين ثبوت ما ينفي ذلك جملة وتفصيلا.

إذا كان للبعض من تشكيك في ادعائنا، فلينظر ما تروجه وسائل الإعلام (وبداخل المحاكم أيضا) حول قطاعات عمومية ما كان لها أن تفلس لولا سلوكات النهب والسلب والتسيير العشوائي ومحاباة السلطة وذوي القربى وما سواهم.

+ أما المعطى الثالث فكان اعتقادنا (ولا يزال) بأن استقدام شركة أجنبية بهذا القطاع أو ذاك لن يكون بالضرورة مصدرا لحسن في التسيير أو تحسين في التدبير أو خلق لبنة في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما يا ترى بنى البحث العلمي أو التطوير التكنولوجي التي تم لفيفاندي خلقها بالمغرب منذ دخولها لقطاع الاتصالات بالمغرب من حوالي أربع سنوات؟ ألم تستسهل تجفيف ينابيع الربح من كل ذي صوب وحدب دون أدنى اهتمام بإقامة بنية صناعية (كما وعدت) تعفيها من استيراد أجهزة هاتفية من بلاد السند والهند؟

ولئن لم يتسن للوقائع أن تقوم بتكذيب ما ذهبنا إليه قبل "إبرام الصفقة" وبعدها، فإن الوقائع ذاتها لم تكذب إلى حين كتابتنا لهذه السطور، تنبؤنا بأن ما يفصل ال 35 بالمائة عن الأغلبية المطلقة بالمؤسسة إنما سيؤول تلقائيا وحتميا لفيفاندي.

والواقع أن ال 16 بالمائة التي تفصل فيفاندي عن ال 51 بالمائة التي تضمن لها الكلمة/الفصل بالمؤسسة كما بقطاع الاتصالات بالمغرب على المدى المتوسط على الأقل، إنما تبدو لنا قد أضحت من نصيبها أو تكاد إذا لم يكن ذلك بالتصريح الرسمي المباشر فعلى الأقل بالمغازلة من لدنه لا تقبل المزايدة كثيرا.

لم يتغير تصورنا بهذا الخصوص منذ مرر الجزء الأول من الصفقة. فقلنا في حينه ولا نزال نؤكد:

+ بأن فيفاندي لم تكن لتكتفي بحصة ال 35 بالمائة لو لم تكن تتوفر على تعهد بتمرير ما تبقى على الأغلبية لفائدتها.

وهو ما تم تكذيبه بشدة في حينه ولا يستطيع أحد اليوم (لا من وزارة المالية ولا من غيرها) أن يزايد على زعمنا بذلك إبانه.

ودفعنا في ذلك إنما التأكيد على حقيقة أن شركة من عيار فيفاندي لن ترضى لنفسها بحصة نسبية وبدولة من دول العالم الثالث قد يزايد عليها فيما تبقى من نسب رأس المال بعض "الطفيليين" أو أشباه المستثمرين...إنها تريد قطعا إما أن تكون صاحبة الشأن أو تهدد بالانسحاب شريطة تغريمها ما دفعته من مال و"خبرة" ...وهو ما تراءى لنا بجلاء عندما تزايد الحديث عن انسحاب فيفاندي لهذا الاعتبار أو ذاك.

+ وبأن فيفاندي لم تكن تعدمها الإمكانات لاقتناء ال 16 بالمائة المتبقية على أغلبية رأس مال اتصالات المغرب عندما كانت الحكومة المغربية تغازلها وتتضرع هي بسوء أحوال السوق الدولي للاتصالات...لم تكن تعدمها الإمكانات (وهي المالكة للماء والصوت والصورة والمعطى)، إنما كانت تضغط كي يتم لفائدتها تجفيف مصادر الكلفة التي تراءت لها بعض منها في بعض ألوف من العمال تبرمت عنهم حكومتهم جراء "إكراهات" مدونة الشغل.

ليس ثمة تفسير لهذا الواقع إلا  باستحضار وضعية التسريح المقنع الذي عمدته إدارة اتصالات المغرب (تحت مسوغ المغادرة الطوعية) ولا تفسيرا آخر غير ذات الإكراه في حالة فرض نظام داخلي لا مجال لاختيار المر في إطاره إلا مجال الأشد مرارة.

+ وبأن فيفاندي/الأم لا تتعامل إطلاقا مع بلد ينشد التنمية والتطور (" من بين أهدافها مساعدته" على بلوغ ذلك)، بل تعتبره فرعا من فروعها الخارجية لا تقاس أهميته إلا بمقياس أهمية ما يدره من مداخيل وأرباح...هو فرع من شركة لا قيمة له تذكر اللهم إلا نصيبه مما حققته ذات الشركة في المطلق كما في النسبي سيان عندها أكان ذات البلد بجنوب الكوكب أم بما سواه من جهاته.

لا يمكن لذرة شك أن تساورنا في الاعتقاد بأن استراتيجية فيفاندي باتصالات المغرب إنما هي وبالأساس استراتيجيتها بإزاء المغرب. إذ لو تم لها جدلا (للقائمين على فيفاندي أعني) أن يحددوا موقع المغرب وحدوده الجغرافية، فهم لن يستطيعوا حتما فهم ماذا تعنيه اتصالات المغرب باللغة العربية وهو إسمها الرسمي المثبت بالدفاتر على ما نظن.

بالتالي، فإن فيفاندي تتعامل مع دولة إسمها المغرب ولا دراية دقيقة لها لما هي أو قد تكون اتصالات المغرب...إنها بأحسن الأحوال وحدة إنتاجية ضمن الآلاف مثلها.

وعلى هذا الأساس، ففيفاندي بالمغرب إنما هي وبكل المقاييس فيفاندي المغرب مادام الأصل هو الذي يحدد الفرع وليس العكس.

والقول بأننا سنكون حتما بإزاء فيفاندي المغرب ليس طرحا مجازيا أو تمثلا ذاتيا، ليس الأمر كذلك إطلاقا فيما نتصور:

+ فتكريس ظاهرة فيفاندي المغرب إنما هو مظهر من مظاهر انتقال جزء من السيادة إلى شركة ستكون بحكم القانون مالكة لأصول مادية وعينية ورمزية ليس بالإمكان منازعتها إياها. وإذا كان الأمر كذلك فإنها ستكون بتحصيل حاصل محتكمة على جزء مما تحتكم عليه الدولة اليوم. ستكون جزءا من هذا بداية لكنها لن تفتأ أن تتحول إلى جزء من الدولة وإلى دولة داخل الدولة بحكم الأمر الواقع تماما كما كانت شركة قناة السويس بمصر إلى حين تأميمها سنة 1956.

وهو سيناريو لن يتراءى لنا في ظله من دور لوكالة في التقنين بيروقراطية ولا رقابة في خضمه من لدن الدولة تذكر.

+ والسماح ببروز ظاهرة فيفاندي المغرب لن يشي، على خلفية ما سبق، إلى تجرأ ما سواها على امتطاء سلوكها فحسب، بل سيدفع بالبعض إلى اعتبار أن وضعية الاحتكار الخاص في القطاعات الحيوية إنما هو بالضرورة مدخل إلى تكريس مغرب داخل المغرب...وهو ما تتم ملاحظته يوما عن يوم.

إذ إذا تم لمؤسسة أن تحتكر قطاعا ضخما، حيويا لحاضر الأفراد ومستقبلهم، في مأمن عن هذه المحاسبة أو تلك المتابعة، طليق اليدين في رفع الأسعار أو خفضها، لا جهة محددة يمكن الاحتكام إليها عند التظلم...إذا تم لها ذلك فما الفارق بينها وبين أن تعلن الاستقلال عن الكل بما في ذلك دواليب الدولة وأدوات رقابتها؟

+ كما أن نشوء ظاهرة فيفاندي المغرب (نكاية ببرليي المغرب مثلا) لن يكون من شأنها استصدار حق من المغرب في تحديد مسار قطاعه في الاتصالات، بل سيكون من شأنه تحديد ذات المسار وفق ما يخدم مصالح فيفاندي ومساهميها.

بالتالي، فستكون "الشركة الموعودة" مطالبة بتقديم الحسابات لا لمواطنين استصدر من بين ظهرانيهم ملك عام مشترك، بل لمساهمين لا علم لهم يذكر بأمكنة تواجد فيفاندي ولا بظروف العاملين بها ولا بشروط العمل بداخلها...إنها ستغدو، والمغرب معها، مجرد أسهم في البورصة سيطاله التذمر إن طالها وسترتفع أسهمه إن تسنى لأسهمها أن ترتفع وهكذا.

* "فيفاندي-المغرب"، جريدة العلم، 3 فبراير 2004.

يمكنكم مشاركة هذا المقال