1- كلما تراءى لنا الحديث في علاقة التلفزة بما يسمى منذ مدة بمسلسل "الانتقال الديموقراطي" بالمغرب إلا واستوقفنا إشكالان ضمنيان من غير الموضوعي تلافيهما أو غض الطرف عن استحضارهما:
+ الإشكال الاستفهامي الأول: هل المدى الزمني الذي قضته "حكومة التناوب" بالجهاز التنفيذي كاف ليتسنى للمرء على أساسه تقييم الحصيلة بالقياس إلى التصريحات والالتزامات والوعود التي قدمتها الحكومة إياها بداية انطلاق "التجربة" وطيلتها أيضا؟
لو كان الأمر كذلك، فإلى ماذا يجب الارتكان في العملية التقييمية : أإلى ما قطعته الحكومة على نفسها منذ تصريحها الأول أم إلى الإكراهات "الموضوعية" التي كانت خفية عنها قبل " تسلمها السلطة" أم ترى إلى التطلعات الجماهيرية الواسعة التي بررتها (في الميدان الإعلامي أعني) طفرة البث التلفزي عبر السواتل في استمرار جمود مشهد إعلامي (تلفزي أقصد في هذا المقام) سئمه المغاربة لدرجة فقدان الأمل في نهضته؟
+ الإشكال الضمني الثاني: بصرف النظر عن مصطلح "الانتقال الديموقراطي" (الغامض المعنى في مضمونه كما في الأفق)، هل من المفروض أن تكون التلفزة (والإعلام بوجه عام) عاكسا "محايدا" له أم فاعلا وعاملا من عوامل الدفع به وتكريسه على أرض الواقع؟ هل العلاقة بين كلا طرفي المعادلة هي ذات طبيعة سببية أم تراها إلى التفاعلية أقرب؟
والتساؤل هنا لا يحيل فقط إلى شعار أن لا إعلام بدون ديموقراطية أو لا ديموقراطية بدون إعلام، ولكن أيضا وبالأساس إلى دمقرطة الإعلام ليصبح رقيبا على الديموقراطية لا أداة طيعة بيد القائمين عليها كائنة ما كانت درجة ديموقراطيتهم وثقافتهم السياسية.
2- لن تعوزنا المعطيات في الإشكال الأول و لا السبل في الإشكال الثاني للوقوف عند ما يمكن اعتباره تجاوزا "حصيلة العطاء الإعلامي والتلفزي" لحكومة راهنت منذ البدء على أولوية الإعلام ووضعت مصداقيتها (فيما بدا) على محك الرهان إياه (خطابا على الأقل):
- ف "حكومة التناوب" لم تستطع تحريك التصور الذي قامت عليه التلفزة بالمغرب (القناة الأولى فيما يهمنا هنا)، ولم تستطع زعزعة "منظومة القيم" التي سادت وتجذرت بالقناة إياها (لحد الانصهار) منذ ما يناهز أربعة عقود من الزمن.
ليس المقصود هنا عملية التحييد، التي خضع لها "الفضاء التلفزي"، من عملية التناوب على السلطة ولا فصله عن عملية الانتقال تلك، ولكن بالأساس التأكيد على كون الفضاء إياه إنما هو جزء من سيادة لا مجال للمزايدة بشأنها أو الطعن في عضوية ارتباطه بها.
- و"حكومة التناوب" لم تستطع التخفيف من ارتهان المؤسسة التلفزية ليس فقط كونها لم تتمكن من " موقعة" رجالاتها بداخلها ولكن أيضا كونها لم تتجرأ على الطعن في قيام الداخلية المستمر على حال ومآل هذه المؤسسة تسييرا كما في الأداء.
- و"حكومة التناوب" لم تستطع توظيف التلفزة (كأداة من أدوات العمل الحكومي في بلد من بلدان العالم الثالث) لتمرير خطابها وتصريف " برنامجها" وإحياء أمل سرعان ما تبخر في الأشهر الأولى من تسمية الحكومة.
الحاصل إذن أن رهان "حكومة التناوب" على الإعلام (وعلى التلفزة كونها الأهم والأخطر) تحطم على محك استمرار طغيان البعد الأمني في العمل التلفزي وارتهان دواليبه (سياسة وممارسة وتسييرا) على خلفية كونه عنصرا من عناصر السيادة ولا سيادة له بالتالي في المحصلة.
لم "التحامل" إذن على حكومة حالت " الإكراهات الموضوعية" دون ترجمة نواياها وتجسيد عزيمتها على تغيير ذات البين داخل تلفزة أبانت السنون على مدى قدرتها على تجاوز الأفراد والجماعات، البرامج والسياسات؟
لن يكون للتحامل إياه من مبرر يذكر لو كان النجاح جزئيا (فالبرامج الجيدة توضع كي لا تنفذ بالكامل)، لكنه يجد تبريره ومسوغته من استمرار المراهنة على فضاء (الفضاء التلفزي أعني) لا يكاد الاختلاف يطال كونه كان ولا يزال " فضاء سيادة" بامتياز. من الجائز أن يصبح الفضاء إياه من تلك الفضاءات التي يمكن التباري بشأنها، حينها سيكون الأمر قبل ذلك أنضج لتحرير فضاء العدل والخارجية والداخلية والدفاع وغيرها.
3- لو كان للإكراهات "الموضوعية" هاته أن تشفع لحكومة التناوب إخفاقها( لحد الاستحالة) في تحريك ملف التلفزة بالمغرب (أعني ملف القناة الأولى) وأن تطعن في كل صيغ التحامل الواسع، فإن العديد من المعطيات الحاصلة لا تشفع لهذه الحكومة نهجها لبعض الممارسات التي إن لم تكن خلفها فعلى الأقل أوجدت لها المسوغ والمبرر:
+ فحكومة التناوب (أو بواسطتها) دفعت، في أكثر ما من مرة، بنظرية المؤامرة من على منصة التلفزة لإعادة تسطير الخطوط الحمراء والحيلولة " دون ما من شأنه" أن يقوض أسس العقد الذي على أساسه استنبتت التجربة.
ليس التلميح هنا إلى بديهية الإجماع الوطني حول مغربية الصحراء ولا إلى رسالة الفقيه البصري، ولكن بالأساس إلى الإنزالات التي كانت التلفزة ولا تزال عرضة لها كلما "حتمت" ذلك نظرية المؤامرة ودعت إليه... ولكأن الكل يتآمر مع الكل ضد الكل.
هناك استباحة لفضاء التلفزة لدرجة الاغتصاب وإلا فما تفسير توظيف تلفزة تمول من ضرائب المواطن لتصفية حساب أو للتبرأ من فعل أو للتلويح بالقصاص؟
+ وحكومة التناوب (أو عبرها) كرست المنع واستسهلت الإقصاء إن ترغيبا فذاك وإلا فبقوة الترهيب. لا نلمح هنا فقط إلى سياسة الإقصاء التي طاولت (ولا تزال) وجوها ثقافية وفنية وحقوقية بارزة، ولا إلى ممارسات التضييق على كفاءات أبانت عن قدرات إعلامية عالية في مهجرها، ولكن أيضا وبالخصوص إلى سلوكات المنع التي ارتأى القائمون على القناة الأولى فيها مسلكية سهلة التمرير. وإلا فما السر في منع برنامج استدعى صاحبه فاعلا حقوقيا كانت "شرطة مكافحة الشغب" بالرباط قد حاصرت تظاهرة لمنظمته قبالة قبة البرلمان؟ وما السر في تأديب صاحب البرنامج بنقله تعسفا إلى مكان عمل آخر؟
يخال لنا، بناء على ما ورد، أن حكومة التناوب تجتهد في إيذائنا أكثر ما تجتهد للمساهمة في فك الضيم والغبن عنا.
+ وحكومة التناوب ( أو من خلالها) دفعت بممارسات التعتيم، إلى مداه الأقصى، حينما تكتمت على حالات الفساد المستشرية بالقرض الفلاحي وبالقرض العقاري والسياحي ووكالة المغرب العربي للأنباء والعديد من حالات الارتشاء وسوء التسيير بالمجموعات الحضرية والمجالس البلدية والمؤسسات العمومية وغيرها.
وهي استصغرتنا لحد التقزيم حينما صادرت حقنا في معرفة ما يدور بمجتمعنا من حركية طرد للمستخدمين وإضراب للموظفين واعتصام للعمال جراء سياسات الخوصصة والنهب والاغتناء اللامشروع.
وعتمت علينا، فضلا عن كل هذا وذاك، في تجاهلها لاعترافات و" صحوات ضمائر" العديد من المسؤولين السابقين الذي أماطوا اللثام عن تجاوزات أفراد ومؤسسات لا زالت في جزء منها قائمة وبعض رجالاتها في دواليب السلطة والقرار.
+ وحكومة التناوب (أو في عهدها على الأقل) صادرت علينا الحق في الترفيه والفرجة والتثقيف وأتخمتنا برسميات وزرائها في حلهم وترحالهم، في استقبالاتهم وتدشيناتهم (حتى التافه منها) وأغرقتنا في العبارات الإنشائية والدعاية الفجة والمديح المؤدي للغثيان. هي كمن تريدنا أن نكرهها أكثر فتعطينا التعليمات كي نحبها...لا فارق بينها وبين سابقاتها على هذا المستوى.
4- التلفزة بقيت إذن تسير بنفس الوتيرة التي كانت تسير عليها قبل وصول حكومة التناوب إلى "السلطة"، بالتالي بقي "الزمن التلفزي" خارج سياق "الزمن السياسي" ولم يواكبه: هما بالمغرب ولكأنهما زمنان متوازيان...يسير الواحد منهما في ظل الآخر في أحسن الأحوال.
صحيح أن للزمنين "سلم قيمهما" المختلف ولهما فضاء اشتغال إلى حد ما متباين ولهما، فضلا عن ذلك، تطلعات في جزء كبير منها متعارضة، لكنها مع ذلك، بالمحصلة النهائية، يفعلان في تربة مشتركة وفي محيط واحد...بالتالي فهما شريكين في الأهداف وإن تباينت رؤاهما بخصوص الأدوات والوسائل.
كيف التسليم إذن بالمغرب بتقدم الزمن السياسي في عصيان الزمن التلفزي وتمرده على كل أشكال التطوير والتحسن والتغيير؟ وكيف لزمن سياسي (يتغيأ الجديد) أن يرجح كفة زمن تلفزي لا مصلحة له في ذلك و لا سبيل؟
من الهين بمكان التستر خلف القول بأن التلفزة بالمغرب إنما هي مؤسسة عمومية ورسمية يسري عليها من القوانين واللوائح والتشريعات ما يسري على سواها من مؤسسات عمومية. ومن الهين كذلك التحاجج بالقول بأن التلفزة ببلادنا إنما تسير (و"يجب أن تسير" يقول أصحاب هذا الطرح) وفق ما يسير به المجتمع من وتيرة: تتباطأ إن تباطأ وتسرع إن هو "أسرع المشي".
وهما قولان مردود عليهما في الشكل كما في الجوهر:
°°- فالطابع العمومي لمؤسسة التلفزة بالمغرب لا يشفع لها رداءة عطائها وتدني مستويات إنتاجها، وإلا فما معنى تنصيب مدير جديد راهن منذ البدء على إخراج التلفزة من نفقها كما قيل حينها؟
ثم حتى لو سلمنا بالطابع الرسمي للقناة الأولى فيما يخص الأخبار (كونها الناطق الرسمي باسم المؤسسة الحاكمة)، فإنه يتعذر التسليم بالطابع إياه في باقي عناصر الشبكة البرامجية حيث يضيق فضاء الرسميات وتتسع نسبيا هوامش الحركة.
نستطيع الجزم، بالمحصلة النهائية، أن التخفي وراء الصفة العمومية الرسمية للتلفزة هو قول حق أريد به باطل، إذ كم من مؤسسة تلفزية بالعالم عمومية ورسمية تستقطب نسب مشاهدة عالية، وكم من مؤسسة خاصة وغير رسمية لا إقبال عليها بالجملة.
°°- ثم القول بضرورة سير التلفزة بالمغرب على وتيرة المجتمع هو قول لا يصيب قلب الحقيقة أيضا. فليس المطلوب من التلفزة أن تكون فقط عاكسا أمينا ومترجما صادقا لحركية المجتمع، بل هي فضلا عن ذلك مطالبة لأن تساهم في ضبط تحولاته وتأطير اتجاهه وتوجيه بوصلته جنبا إلى جنب مع باقي مكونات الوظيفة الإعلامية.
الحاصل بالمغرب أن التلفزة لم تكن يوما لا مرآة لعكس واقع المجتمع (بالصوت والصورة) و لا تطلعت يوما إلى أن تكون قاطرة تغيير من بين ظهرانيه...هي التزمت "الحياد السلبي" كما يقال و "اختارت" لنفسها زمنا خارج أزمنة المغرب وآثرت السكون والسكينة على الحركة والفعل.
5- كيف لتلفزة من هذه الفصيلة إذن أن تكون عنوانا لعملية "الانتقال الديموقراطي" التي رفع شعارها منذ مدة وتم التسليم بأن لا سبيل آخر للمغرب إلا سبيل الانتقال إياه؟ هل من الوارد (أعني من الممكن) أن يتم ذات الانتقال (إذا توفرت حقا العزيمة على تحقيقه) دونما أن يكون للتلفزة والإعلام بوجه علم إسهام فيه؟
المؤكد في تصورنا أن لا سبيل آخر للمغرب، بداية هذا القرن، سوى الانتقال إلى الديموقراطية وإلى إقامة دولة الحق والقانون...والمؤكد أيضا أن الإعلام (والتلفزة في مقدمته) هو إحدى عناصر البناء الديموقراطي الأساسية...
هي علاقة تفاعلية بامتياز لا تستوجب وجود ديموقراطيين بالحقل السياسي والحقوقي فحسب، بل تتغيأ أيضا استنباتهم ضمن الحقل الإعلامي عامة وداخل التلفزة بالخصوص...إذ لا ديموقراطية بدون ديموقراطيين كما يقال.
لسائل أن يتساءل: أو لا يمكن اعتبار ما صاغته حكومة التناوب مؤخرا من نصوص ومشاريع (قانون الصحافة و"إصلاح" السمعي-البصري أساسا) كفيلا باستدراك الوقت الضائع لجعل التلفزة تدور حول محيطها العام عوض أن تبقى دائرة حول نفسها وحول المؤسسة التي تحكم القبضة عليها لسنين طويلة؟
قد يجوز هذا الاعتقاد بالنسبة للبعض، وقد لا يتعدى، في نظر البعض الآخر، كونه مجرد إعطاء الانطباع بأن الإصلاح ماض على قدم وساق وبكل الميادين.
ولئن كنا لا نقلل البتة من ضرورة توفر الإطار القانوني للعمل الإعلامي والتلفزي بالمغرب كما بغيره من الدول، فإن الثابت بالتجربة هو ضرورة ألا ينساق المرء في تحميل النصوص والقوانين ما لا تحتمل...إذ المسألة هي في جزء كبير منها مسألة ثقافة ومسألة عقليات...مسألة "من له المصلحة" في تغيير حال ومآل التلفزة و "من له المصلحة" في الانتقال إلى الديموقراطية دونما ريبة أو خوف.
* "التلفزة والانتقال الديموقراطي بالمغرب"، جريدة العلم، 20 يناير 2002.