1- لم تكن الفضائح الكبرى التي طالت، بالمغرب مؤخرا، القرض الفلاحي والبنك الشعبي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والبنك السياحي والعقاري وغيرها، لم ولن تكون كسواها حتما في المستقبل المنظور، حالة عرضية أو معطى معزولا أو استثناء شاذا، بل هي ولربما بكل المقاييس إنما تجل من تجليات سياق الفساد الشامل الذي طبع تاريخ القطاع العام (ضمن باقي القطاعات) منذ "الاستقلال" وإلى حدود الوقت الحاضر.
وبصرف النظر عن طبيعة البنية السياسية والمؤسساتية التي أفرزت فضائح العيار الثقيل من الفصيلة هاته، وبغض الطرف عن الحسابات (المعلن منها كما المبطن) التي جاء في سياقها "تفجير" شبكات أبدعت في خوصصة الملك العام لفائدتها، فإن الملفت للنظر حقا هو الحجم الضخم لعمليات النهب هاته (يعتمد المليار فيها كمرجعية وكوحدة قياس) وطبيعة المتورطين فيها (ممن لم تكن تحوم الشبهات حولهم) وسرعة تهاويهم قياسا إلى نفوذهم وسلطانهم وقوة المتسترين على سلوكهم وممارساتهم.
ولئن كان من قبيل الإجحاف نكران اجتهاد العديد من المنابر الإعلامية (المكتوب منها بالأساس) لتغطية ملابسات وتداعيات هذه الفضائح (بين من خصص لها ملفات بالكامل ومن تابع تطوراتها وتفاعل تفاصيلها وبين من اكتفى بالإشارة إلى وجودها ليس إلا)، فإنه لن يكون من الإجحاف في شيء الاعتراف بمستوى التقصير لدرجة التستر التي لقيته "الملفات" إياها بالتلفزة كما بالإذاعة كما بالصحافة الرسمية.
والواقع أن حالة الصمت المطبق الذي عمدته القناة الأولى (وإلى حد ما الثانية) بإزاء فضائح القطاع العام الأخيرة، لم يكن ليوازيه إلا التواطؤ الشامل على استصدار المال العام والتغطية على مستهدفيه.
2- لو كان لنا أن نتساءل عن السر الثاوي وراء "موقف" التلفزة هذا لاستوقفتنا ثلاث حقائق كبرى بررت لذات الموقف وأسست له الخلفية والإطار:
+ الحقيقة الأولى وتكمن، فيما نعتقد، في طبيعة التصور العام الذي تعتمل بداخله التلفزة منذ ما يربو على أربعة عقود من الزمن...والذي يجعل منها جزءا من السلطة لم تستطع طيلة هذه المدة التأسيس على نقيضه لإفراز بنية ذاتية لها مستقلة.
بالتالي، فهي (أعني التلفزة) لم ولا تأبه بتطور المحيط من حولها ولا بضرورة تجديد الممارسة من بين ظهرانيها... هي مرآة السلطة التي تطلع بها على الجماهير سيان في ذلك لديها رضى المتلقي عنها أم استهجانه لأدائها.
وعلى هذا الأساس، فما دامت السلطة، في هذا الباب هي الآمر الناهي، فإنه قد تراءى لها أن موسطة هذه الفضائح تلفزيا قد يكون من شأنه "إثارة الفتنة" أو تقويض "السلم الاجتماعي" الذي لطالما كرسته السلطة بقوة النار والحديد ...والإغراء أيضا.
لا يشي تستر التلفزة من هنا على فضائح بهذا الوزن( بلغت أصداؤها الأمي من بيننا قبل العارف) بل ويشي بالأساس باستقالة ذات المؤسسة كان لها ولا يزال، بفضاءات أخرى، السبق في إزاحة رؤساء وانتحار وزراء والزج بمسؤولين كبار في أروقة السجون.
+ الحقيقة الثانية، بامتداد والأولى، وتتمثل في ثنائية الخصم والحكم التي صبغت الأداء الإعلامي للتلفزة بالمغرب والتي حالت "موضوعيا" إذا لم يكن في التحقيق في النوازل الكبرى فعلى الأقل تغطيتها إخباريا عندما تنفجر وتتفشى.
والمقصود بهذه النقطة إنما القول بأنه ما دامت الداخلية (وهي القائم على التلفزة منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي) هي وكر هذه الفضائح بامتياز (أعني مستنبتها والحامي الشرعي للمتورطين فيها) فإنه يتعذر على التلفزة، بتحصيل حاصل، التعرض (ولو بالتلميح) لكذا فضائح من شأنها أن تجر خلفها الأخضر واليابس.
بالتالي، فصمت التلفزة من هنا يبدو ولكأنه يعمل بجهة ما يمكن تسميته ب "التبييض الإعلامي" لشبكة من الفضائح تعدت الأفراد والمؤسسات لتطال مسؤولي الدولة ورموز النظام.
لن نجانب الصواب كثيرا لو قلنا بأن ذات السلوك (سلوك التبييض) لا يختلف البتة عن توظيف برلسكوني لشبكاته التلفزية بجهة تبييض فضائحه وفضائح ارتباطاته بالمافيا وما سواها.
هما أمران متشابهان وإلى حد بعيد حتى وإن اختلف السياق، سياق توظيف الإعلام المرئي بغرض تغطية الفساد والتستر على القائمين عليه أفرادا ومؤسسات.
+ الحقيقة الثالثة ونخالها متمثلة في الطبيعة المبهمة المندسة خلف مسوغة المحاذير أو ما يصطلح على تسميته تجاوزا ب "الخطوط الحمراء" التي تحكم التلفزة بالمغرب في شكلها كما في الجوهر.
قد لا يتعذر فهم ذلك كثيرا في حالة موقع الدين أو الهوية أو مكانة الملكية، لكنه يلتبس علينا كل الالتباس بالنسبة للباقي، أعني باقي الأفراد والمؤسسات.
وبناء على ذلك، فإذا كان استشراء الفضائح الأخيرة مكمنه مرافق عمومية، والقائم كما المتستر عليها مرافق عامة، والآمر بتحويل المتورطين فيها مرفق عام ومكان المقاضاة مرفق عام، فما السر إذن من وراء استثناء التلفزة (وهي مثلهم مرفق عام) من عملية كانت ستضع على المحك صدقية وجدية السلسلة في مجملها؟
ومعنى هذا أننا لم نفهم السر ولا الآية من تستر التلفزة على فضائح "توافق" الكل (من المواطن المعدم إلى رأس الدولة) على نبشها و التحقيق فيها و تقديم المتهمين بشأنها للعدالة؟ أو ليس من الإجحاف المؤدي للغبن سكوت تلفزة تقتطع ميزانيتها من ضرائب المواطن، على قضايا تخصه ويتحدث فيها الخاص والعام؟
من دون شك وإلا فما تعليل ذلك؟
3- لرب سائل يتساءل: وما الفائدة من تمرير خبر جاف يفضح المتورطين في نهب المال العام إذا لم يستتبع ذلك متابعة لأطوار الملف وتوسيع دائرة الضوء من خلال فتح تحقيقات ومتابعة القضايا بالمحاكم أولا بأول؟
لماذا لا "ينكل" بهؤلاء إعلاميا حتى يعتبر غيرهم، وتكون التلفزة بذلك أداة إصلاح لا وسيلة تعتيم وتستر؟
وهو تساؤل وجيه إلى حد بعيد لكنه يجد محدوديته في طبيعة الوظيفة البنيوية (الأمنية بالأساس) التي ما فتئ القائمون على التلفزة يدفعون بها ويعتبرون الخروج عنها انزلاقا من شأنه المساس بأمن الدولة وهيبتها.
إذا لم يكن الأمر كذلك فما تفسير (في سياق مشابه) انتقاء حدث لتغطيته (حدث إلقاء القبض على عناصر "الخلية النائمة" ضمن حوادث أخرى) وعدم الاكتراث بحوادث أخرى هي بكل المقاييس ذات تبعات أكبر وأثقل كفضائح السطو على الملك العام وفضائح المتاجرة في الحجر والبشر التي تتم على مرأى الكل ومسمعه؟
إننا حتما لا نتطلع (على الأقل في المدى المنظور) لسلطة رابعة تعمل التلفزة في خضمها على "تصيد" التجاوزات القائمة وعكسها صوتا وصورة كجزء من تطلعنا إلى تكريس دولة القانون، بقدر ما نتطلع إلى التلفزة كمرفق عام يجب أن يقدم لنا
بقدر ما يأخذ منا من إتاوات وجبايات.
بالتالي وقياسا على ذلك، فنحن نطلب من التلفزة لا أن توافينا بحجم التساقطات المطرية في طقوس احتفالية تبريكا وحمدا...إننا نريدها أن تضع يدها معنا على ضعف بنانا التحتية وهشاشة طرقنا ومجارينا "لهف" ميزانيات صيانتها أباطرة القطاع العام.
* "لماذا تتستر التلفزة المغربية على فضائح القطاع العام؟"، جريدة العلم، 16 دجنبر 2002.