تروج بالمغرب، من أشهر عدة مضت، أنباء مؤداها أن مجلس النواب بغرفتيه عاقد العزم على إطلاق قناة تلفزية تكون "الناطق الرسمي" باسمه على غرار ما عمدت إليه العديد من دول العالم سيما ذات الديموقراطيات الليبرالية المتجذرة.
لا تبدو الفكرة مستهجنة في حد ذاتها لأول وهلة ولا مجانبة لعين العقل ظاهريا على الأقل:
+ إذ من حق المؤسسة التشريعية (بالمغرب كما بسواه من دول العالم) أن تتوفر على أداة إعلامية تغطي أنشطتها، تعبر بالصوت والصورة عن اجتماعات لجنها ومداولاتهم وتبرر للمواطنين الآية من وجودها والفائدة من العملية التي جعلتها ممثلة للأمة في حالها ومآلها المنظور.
+ ومن حق المؤسسة التشريعية (بالمغرب كما بسواه من دول وأقطار) أن تنشئ من بين ظهرانيها وسيلة في الإعلام تميزها عما سواها من مؤسسات وتضمن لها التغطية الشاملة دونما حيف من لدن التلفزات العمومية أو ابتزاز من لدن المنابر التلفزية الخاصة أو ذات الخلفية التجارية.
+ ومن حق المؤسسة التشريعية، فضلا عن كل هذا وذاك، الاطمئنان إلى أن فصل السلط لا يكتمل قطعا إلا بتوازن موازين القوة بينها والتي لا تتكرس نظريا فقط من خلال الدستور، ولكن أيضا عبر توفر الأدوات القمينة بترجمة ذات الفصل وأولاها (ولربما أهمها) امتلاك الأداة الإعلامية التي تميز هذه السلطة عن تلك.
خلق قناة تلفزية للمؤسسة التمثيلية (تماما كخلقها لمحطة إذاعية أو لموقع بشبكة الإنترنيت) إنما يبدو لنا أساسا وبالمحصلة من العملية الديموقراطية ومن ضرورة إطلاع المواطن على درجة التزام ما طالب به المرشح قبل الحملة الانتخابية كما طيلتها كما يوم تثبت انتخابه.
وهي من العملية الديموقراطية أيضا كونها تبرز مصداقية المستوى التشريعي في محاسبة المستوى التنفيذي أو في تمرير ما تم للمستوى الأول الالتزام به والتعهد بتحقيقه.
وهي من العملية الديموقراطية دون أدنى شك على اعتبار أنها تموسط للعلاقة بين النائب ومنتخبيه... يتراءى لهم من خلالها إما جدية ذات النائب أو تقاعسه في التعبير عما تم انتدابه له أو انفصامه المطلق عن الشريحة التي تبنته ورفعته ورضيت به ناطقا باسمها طيلة مدة الانتداب.
وبناء على ذلك، فإن عمد المؤسسة التشريعية (كائن ما يكن النظام السياسي الذي تعمل بداخله وتعتمل من بين ظهرانيه) إلى خلق منبر إعلامي لها إنما تستوجبه إرهاصات الاقتراب من المواطن وتفترضه الحاجة إلى ضمان ولائه في أفق ما سيأتي من استحقاقات.
ليس من الإطناب في شيء القول بأن أول تجربة عملية لخلق قنوات تلفزية برلمانية إنما انطلقت من كندا من خلال تجربة " س- باك" لتتبعها الولايات المتحدة الأمريكية بتجربة " س- سبان" ثم ألمانيا بمشروع "فونيكس" ثم فرنسا بقناة مشتركة بين الجمعية الوطنية ("القناة البرلمانية-الجمعية الوطنية") ومجلس الشيوخ ("جمهور المجلس").
هي تجارب ذات سياقات مختلفة حقا (وذات مرجعيات متباينة دونما أدنى شك) لكنها تلتقي على الأقل في الفلسفة وتتماهى في الأهداف:
+ فالتلفزة البرلمانية (أو تلفزة البرلمان) إنما تتغيأ توسيع النقاش كي لا يبقى محصورا بين أروقة محدودة ليطاول الفضاء العام برمته وتشارك فيه كل أطياف المجتمع.
+ وهي تتوخى متابعة الحركية السياسية الوطني منها كما الجهوي كما المحلي سواء بسواء، ناهيك عن تغطية أعمال اللجن والمناقشات التي تستتبعها داخل أروقة المؤسسة التشريعية كما خارجها.
+ وهي تتطلع بالتالي إلى " تقريب المواطن من السياسة" وجعل هذه الأخيرة مجالا من مجالات اهتمامه باعتبارها تمظهرا من تمظهرات تسيير وتدبير الشأن العام.
قد لا يقتصر الأمر، في الحالات الثلاث، على النواب أو المنتخبين (وطنيين كانوا أو محليين)، بل يتعداهم إلى إشراك الخبراء والمثقفين وممثلي المجتمع المدني وما سواهم.
ولما كانت القناة البرلمانية غير مهووسة من ناحية المبدأ على الأقل، بالربح المباشر ولا بإكراهات "نسبة المشاهدة"، فإنها لن تجد غضاضة في إشراك كل هؤلاء على اعتبار أن استبعاد هوس الربح ونسب المشاهدة إنما يدفع بقيم الثقافة والتربية والتعليم والتواصل.
هي قناة تخدم المرفق العام الغرض منها إخبار المواطنين، تكوينهم للمساهمة في الحياة العامة من خلال برامج تربوية وثقافية وغيرها.
وهي قناة لا تستهدف فقط عكس ما يجري بين أروقة المؤسسة التشريعية ولا تغطية ما يدور بداخلها من مداولات و"مشادات"، بل وأيضا منبرا للنقاش تستنفر عبره جل الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وما سواها.
بالتالي، فلا مجال بصلبها لاستثناء هذه الإشكالية أو تلك، استبعاد هذه القضية أو تلك...الكل من المفروض أن يطرح بالفضاء العام ابتداء بقضايا الشأن الجاري وانتهاء بأدق الأمور وأكثرها حساسية كالمساواة بين الجنسين أو إصلاح القضاء أو الثورة الجينية أو أبسط قضايا الفرد والجماعة.
وعلى هذا الأساس، فوظيفتها لا تنحصر فقط (ولا يجب أن تنحصر) في التداول حول مجريات واقع الحال الضاغط والآني، بل وأيضا إثارة ما من شأنه التأثير على ذات المجريات سلبا أو إيجابا أو الفعل فيها آنا واستقبالا.
هي قناة لا تتغيأ التأثير في المظهر، بل العمل على تحريك الجوهر...لا تستهدف ضمان الفرجة للمشاهد بقدر ما تستهدف استنفار وعيه وتحسيسه بمركزية دوره في تحديد "حال الأمة" ورسم معالم مستقبلها.
لو تسنى للمرء أن يتساءل في خلفية ودواعي عزم البرلمان بالمغرب (بغرفتيه مجتمعتين) إنشاء قناة تلفزية لاستوقفته حتما ثلاث ملاحظات كبرى تتراءى لنا حاكمة لحاضرها كما لمآلها سواء بسواء:
+ فالقناة البرلمانية المزمع إقامتها تفترض قبليا وبالضرورة فصلا للسلطات واضح يضمن للمؤسسة التشريعية التعبير عن موقفها تجاه المستوى التنفيذي دونما ضغوط أو إكراهات أو استصدار للرأي، غبنا له.
وهو أمر غير متوفر أصلا "للمؤسسة" البرلمانية بالمغرب، فما بالك أن يتوفر للقناة الإعلامية التي تتغيأ النطق باسمها.
ومعنى هذا أن تغييب مبدأ فصل السلط بالمغرب لا يجعل من المستوى التشريعي مستوى ثانويا يشرعن للتنفيذي قراراته ويسوغ له السياسات، بل يجعل منه كائنا طفيليا يتغذى (في غياب المبادرات من بين ظهرانيه) على ما يحال إليه من نصوص ومشاريع المطلوب منه التصويت عليها بالإيجاب ليس إلا.
ومعناه أيضا أن لا استقلالية لذات المنبر الإعلامي مادامت المؤسسة القائمة عليه عديمة الاستقلالية.
+ والقناة إياها تتطلب حدا أدنى من الوعي والمعرفة من لدن القائمين عليها حتما كما من لدن مكونات المؤسسة التي من المفروض أن تكون الناطق باسمها.
لكن الحاصل أن معظم "نواب الأمة" بالمغرب هم إذا لم يكونوا جهالا فهم في غالبيتهم العظمى متوسطي التكوين لا تشفع لهم إلا طبيعة أحزابهم ومستوى قربهم من السلطات الحقيقة بالبلاد جماعة أو فرادى.
بالتالي فالمنبر المزمع إنشاؤه لن يكون بمنطق الأمر الواقع إلا صورة طبق الأصل للذين كانوا خلف إنشائه جملة وبالتفصيل.
معنى هذا أن مستوى النقاش بداخل الغرفتين، كما على شاشة المنبر، لن يكون بالقطع إلا من مستوى أعضاء ومكونات الغرفتين أفرادا وأحزابا.
قد يلجأ المنبر إياه إلى بعض من الفعاليات خارج القبة وقد يعمد إلى الاحتماء بوجوه لها بعض من الوزن، لكنها ستبقى أولا وبالمحصلة محكومة بنيويا بمنطق اشتغال المؤسسة المنشئة لها، الساهرة على نظام اشتغالها.
+ والمنبر المزمع إقامته يفترض، فضلا عن كل ما سبق، توفر ثقافة للنقاش تقبل بالرأي ولا تتوانى في تمرير (والدفاع) عن الرأي المخالف.
لا يتراءى لنا من واقع قائم لذات الثقافة ولا أمل يساورنا في استنباتها على المدى المتوسط.
والسر في ذلك لا يكمن فقط في استبداد المستويات الأخرى على المستوى التشريعي ولا في الضعف المزمن لذات المستوى أمام باقي المستويات، ولكن أيضا وبالأساس في الاعتقاد السائد، المتجذر والكامن في وهم فضل البنية التنفيذية على ما سواها من بنى وضمنها البنية التشريعية.
لن يكون للمنبر البرلماني من قيمة تذكر إذن، إذ سيكون على الأرجح منبرا مكرورا لما عهدناه ب "إ.ت.م" وسيكون في أبهى حلله وجبة رديئة على شاكلة ما نراه بالقناة الثانية.
سنكون بالمحصلة بإزاء ليس فقط إنتاج الرداءة في أبهى صورها، بل بإزاء إعادة إنتاجها بصيغة تراكمية...وإلى ما لا نهاية ربما.
* "قناة تلفزية للبرلمان بالمغرب"، جريدة العلم، 6 أكنوبر 2004.