تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التلفزة المغربية والانتفاضة"

news-details

1- للتلفزة المغربية، في تعاملها مع القضايا الجوهرية الكبرى، مسلكان اثنان على طرفي نقيض:

 + مسلك التعتيم المطلق الذي يشي بتجاهل الحدث الحاصل لدرجة اللامبالاة المقصودة ...المتعمدة.

+ ومسلك التناول المبتور الذي يكاد الحدث بداخله يختزل (لدرجة العقم) في آنيته ويساق جراءه كواقعة مجردة.

 لا مجال يذكر للتعتيم في الإخبار، أو للبتر في التناول، لو تعلق الأمر (في مسلك ثالث) ب " رسميات التلفزة" ورسمييها: فهي تقطع بسببهم سير برنامجها العام، تبث حلهم وترحالهم بالمباشر و لا تسأم من إعادات البث لحين انتهاء الإرسال...لا ينازعها على هذا الامتياز المطلق، في الحالات العادية، إلا مباريات كرة القدم ودورات ألعاب القوى.

 لم تشد التلفزة المغربية يوما عن هذه القاعدة/المسار:  فهي لا تعير مبدأ الأولوية في التناول كبير اعتبار ولا تحدد طبيعة لبرامجها على خلفية من نسب المشاهدة أو باستحضار لمسوغة الرأي العام، ولا تهتم، فضلا عن ذلك، بردود الفعل أو بتزايد الانتقاد.

 وعلى هذا الأساس، فانتفاضة الأقصى لم تسلم بدورها من تعتيم في التغطية ومن بتر في المعالجة ليس لأنها " تقادمت" كأولوية بالتلفزة (كما قد يعتقد بذلك البعض) أو كونها لم تعد تثير اهتمام المشاهد (قياسا إلى ما استجد من أحداث عقب تفجيرات 11 شتنبر) ولكن أيضا وبالأساس لأنها "لا تستطيع أن تأخذ أكثر من نصيبها" داخل منظومة القناة التلفزية المغربية الأولى التي يتساوى بداخلها العابر بالقار والمتحرك بالساكن.

ومعنى هذا أن القضية، وإن في مركزيتها النضالية ورمزيتها الدينية ومحوريتها في الصراع مع الصهيونية، فهي لا تتجاوز (بنشرات الأخبار أساسا) في الترتيب كما في المدة، ما يخصص لسواها من أحداث جارية ومستجدات قائمة، وقد يتم التغاضي عنها مجتمعة في حالات الاستنفار الرسمي أو كلما طرأ طارئ في عالم الرياضة من شأنه التغاضي عن طقوس التقتيل والدمار والتجويع التي يتعرض لها يوميا أطفال الحجارة لفائدة طقوس المتعة والترفيه والفرجة.

 2- لو كان لنا أن نعدد مكامن القصور في تعامل التلفزة المغربية مع أحداث انتفاضة الأقصى (مذ اندلعت صيف 2000 على الأقل) لوقفنا إجمالا عند ثلاثة منها نراها " قاتلة" لأي عمل تلفزي يتغيأ التغطية والتنوير والتجنيد:

 + أولاها، أن التلفزة المغربية لا تحتكم إلى تغطية ميدانية...تمكنها من التقاط المادة الإخبارية في مهدها وتجنبها التغطيات (المتحيزة في معظمها) التي تقوم بها وكالات الأنباء العالمية والتي تنسخ عنها دونما تدقيق في المعطيات أو ترتيب في الصور أو تحفظ في التعليق.

 ليس المطالب به هنا تعيين مراسل (أو مراسلين كما هو الشأن بالنسبة لقناة الجزيرة أو قناة أبو ظبي أو مركز تلفزيون الشرق الأوسط أو غيرها) و لا فتح مكتب للقناة الأولى بالأراضي الفلسطينية يغطي مجريات الأحداث بالصوت والصورة، ولكن على الأقل التنسيق مع القنوات العربية الموجودة بعين المكان لنقل المستجدات اليومية عنها دونما عقدة منافسة وتسابق أثبتت التجربة أن القناة الأولى لا قدرة لها (ولا عزيمة) للمراهنة عليها.

 لن يستفيد المشاهد المغربي فقط من تغطية أشمل ومعطيات أكثر حيادا، بل سيصبح بإمكانه الوقوف عند مستويات الصراع ودرجات العنف الصهيوني الذي قد لا يسلم منه مستقبلا كل مواطن عربي أو مسلم.

 هذا مكمن قصور مركزي: إذ لا يمكن لتلفزة بلد تأوي مقر لجنة القدس وترأس دوراتها أن تنقل أخبار انتفاضة الأقصى عن وكالات أنباء دولية لا تخفي تعاطفها مع إسرائيل وتبنيها للصهيونية.

 + وثاني مكامن القصور أن التلفزة المغربية لا تحتضن من بين ظهرانيها برامج حوارية تساير الانتفاضة في مدها وجزرها وتذكر المشاهد بضرورة دعمها ومعاضدتها.

ليس المقصود هنا فقط اللقاءات ذات الصبغة العابرة أو الموسمية (ذكرى النكبة مثلا أو ذكرى إحراق الصخرة المشرفة أو غيرها) و لا الندوات المرتبطة بإقدام إسرائيل على عمل شنيع من أعمالها ( من قبيل تدنيس شارون لحرمة الأقصى وغيره) ولكن أيضا البرامج الحوارية المنتظمة المواكبة للانتفاضة يوما بيوم.

 وعلى هذا الأساس، فالتلفزة مطالبة، فضلا عن ذلك، بتغطية مظاهر التضامن مع الانتفاضة (ومع القضية الفلسطينية من خلالها) التي تبادر إليها المنظمات المدنية المغربية والإخبار بالسر من وراء منع السلطات للعديد من أنشطتها وفضح ممارسات التطبيع الثقافي والاقتصادي الذي أصبحت إحدى الروافد الأساسية للتطبيع السياسي مع عدو لم يتوان يوما في انتهاك الأرض والعرض...

 + أما ثالث مكامن القصور فيتمثل في الطبيعة السطحية والتجزيئية والتبسيطية والاختزالية التي تتعامل التلفزة بها مع الانتفاضة شأنها في ذلك شأن باقي وسائل الإعلام العالمية:

 °°- فالصراع لديها يشي بوجود قوتين متحاربتين، في حين أن الحرب قائمة منذ خمسة عقود من جهة واحدة. بالتالي فهما مطالبتين (في نظرها) بالصلح والتعايش. وهو ما لا يسلم به الفلسطينيون على الأمد الطويل حتى وإن قبلوا به في الظروف القائمة راهنا.

 °°- والصراع (في ذهنية القائمين على التلفزة كما في ذهنية العديد من الساسة) هو بين فلسطين وإسرائيل في حين أنه قائم منذ القدم حول "منظومة القيم" ورمزية المكان...وهو ما لا يمكن اختزاله في المفاوضات أو عبر الرسومات والخرائط.

 °°- والصراع بالتالي لا طبيعة سياسية له إلا في الشكل، أما في الجوهر فهو ذو طبيعة وجودية يتعدى فلسطين التاريخية ليطال كل الخريطة العربية والإسلامية في إطار مشروع صهيوني لا يمثل الاقتصاد والمال والتكنولوجيا إلا تمظهرا من تمظهراته الآنية المباشرة.

 3- هي إذن مكامن قصور ثلاثة لا تتساوى في أهميتها لكنها على نفس درجة القوة والحدة: فالوعي بطبيعة الصراع وضرورة موسطته تلفزيا لا يتأتى فقط من التغطية الإعلامية المنتظمة، بل أيضا من العمل على تأطيرها إعلاميا وتجذيرها على مستوى المعرفة والفكر...وهو ما نعتقد أن التلفزة بالمغرب (والإعلام بوجه عام) مقصرا فيه أيما تقصير.

لقائل أن يقول: أليس من المبالغ فيه مطالبة قناة عمومية عامة ب "مهمة" لربما يتعذر على القنوات الإخبارية المتخصصة ذاتها القيام بها؟ أليس من المفروض إنشاء قناة عربية (أو إسلامية) خصيصا لهذا الغرض تتكفل بها جامعة الدول العربية أو المؤتمر الإسلامي أو سواهما؟

 من الوارد أن يكون المطلب هذا كما التساؤل ذاك موضوعيان: إذ بقدر ما لا تسمح طبيعة التلفزة العامة (كما هو الحال بالمغرب وبالعديد من الدول العربية) من إيفاء الانتفاضة كل حقها، بقدر قدرة قناة متخصصة على ذلك.

لكن الملاحظ، بالمقابل، أن التلفزات العمومية العامة هي القادرة على خدمة الانتفاضة وإن في حدود ذلك الدنيا، ليس فقط لأن لا أهداف تجارية خالصة لديها ولا إمكانية لإفلاسها (ما دامت الحكومات تمولها أو تساهم في ميزانيتها) ولكن أيضا لأنها عصية على ضغوطات رأس المال وإكراهات المساهمين وغير مهووسة بحروب الإشهار.

 ثم أن خلق " قناة للانتفاضة"، في إطار الجامعة العربية أو المؤتمر الإسلامي، قد لا يضمن لها النجاح والاستمرار: إذ بصرف النظر عن توفر الإمكانات لبنائها وتوفر الإرادة (المبدئية على الأقل) لترجمتها إلى واقع، فإن حساسيات الأنظمة (بين من يرفض وجود إسرائيل ومن يقبل به كواقع مرورا بالذين يداهنونه في السر وفي العلن) هذه الحساسيات قد لا توفر للفكرة سبل التجسيد.

 لرب قائل آخر يقول: كيف لتلفزة كالتلفزة المغربية (والعديد غيرها من تلفزات الدول العربية) لم تتوان يوما في التعتيم على "انتفاضات الداخل" ..كيف لها أن تولي انتفاضة الأقصى ما تستحقه من تغطية وإخبار وتحليل؟ أو ليس من المفروض أن تتكفل بهذه المهمة "تلفزات الجوار" ما دامت بتماس مباشر مع "نقطة الصراع"؟

 وهو أمر واقع وصحيح، فالتعتيم على انتفاضة الأقصى لا يضاهيه مثيلا إلا التعتيم على القضايا الداخلية الكبرى سيان في ذلك التلفزة المغربية وتلفزات الجوار:

 + فتبني الانتفاضة سياسيا وإعلاميا (وجماهيريا أيضا) نقطة حمراء لا تسمح الأنظمة القائمة بتجاوزها ليس فقط تخوفا من عدواها عليها وانتقالها إليها مع الزمن، ولكن أيضا لأن الجهر بذات التبني غالبا ما يربك الموقف السياسي والدبلوماسي المداهن والمجامل.

لن تكون موسطة التلفزة للانتفاضة على هذا الأساس إلا بحجم ودرجة تقدم الموقف السياسي الداخلي للأنظمة الحاكمة...بالتالي فالتلفزة بالمغرب، كما بباقي الدول العربية، إنما تتعامل مع الانتفاضة بمستوى الموقف الرسمي من القضية الفلسطينية ومن "عملية السلام"  المزعومة...هي المعبر عن "الموقف الرسمي" وهي الناطق باسم صاحب القرار في هذا الشأن.

 + وتبني الانتفاضة (صراحة أو ضمنا) أصبح منذ أحداث 11 شتنبر لصيقا بمصطلح الإرهاب لا تسلم من الربط إياه لا الدول ولا الحكومات ولا التنظيمات الفلسطينية ولا الأطفال المناضلين بالحجر والطوب.

 ليس غريبا إذن أن تصنف الأنظمة الداعمة للانتفاضة بالإرهابية وأن توضع وسائل إعلامها (وفي مقدمتها التلفزة) ضمن خانة المحرضين على الإرهاب، سيان عند "المصنفين" أولئك أكانت الدول ووسائل إعلامها من " دول الجوار" أم من الدول البعيدة عن "بؤرة التوتر".

وليس غريبا من هذا المنطلق أن يعتمد الخلط إياه بالتلفزة في المغرب (في نشرات الأخبار بالأساس) ما دامت مادتها مستقاة من وسائل الإعلام العالمية التي لا مصلحة لها في التمييز بين الإرهاب والنضال المشروع.

 قد يكون الخلط لدى التلفزة المغربية عن غير قصد، لكن الانزلاق المقصود وارد إلى حد كبير تماما كما ورد عندما وصف مركز تلفزيون الشرق الأوسط ضحايا الانتفاضة ب "القتلى" عوض الشهداء والعمليات الاستشهادية التي يقومون بها ب "العمليات الانتحارية".

لا يعدو الأمر هنا فقط كونه إنشاء صحفيا لا طائل من تفكيك عناصره الكلامية، لكنه أيضا تعبير عن حرب إعلامية بإمكان القوي في خضمها فرض منظومته السيميائية على الضعيف، أي على الذي يتلقى ويخزن دونما قدرة كبيرة على التمييز.

 من هنا فليس عن غير قصد، فيما نعتقد، أن تتحاشى التلفزة المغربية مثلا وصف ما تقوم به إسرائيل بأنه "إرهاب دولة" منظم ولا أن تتجنب وصف إسرائيل بالدولة العنصرية ليس فقط لأن القائمين عليها (على التلفزة أعني) يجهلون العلاقة إياها، ولكن لأن الموقف السياسي يتحاشى استعمال الصفات إياها، فتفصل الأخبار بالتالي على مقاسه لا على مقاس القناعات القائمة لدى مقدم الأخبار أو لدى الجماهير.

 4- لا يقتصر الأمر هنا على انتفاضة الأقصى... فحرب الشيشان من قبلها كما حرب أفغانستان الجارية كما غيرهما، لم تلق بالتلفزة المغربية الصدى المطلوب و لا التغطية اللازمة...كلها تقدم نهاية الأخبار بكثير من السطحية، وكلها لا تدخل إلا في نطاق ما فاض عن الرسميات لتبقى بالتالي حدثا عاديا ليس من المضمون دائما العودة إليه.

 كيف للتلفزة المغربية (ولباقي التلفزات العربية الرسمية) أن تغطي انتفاضة الأقصى بما يرضينا ويرضي الجماهير ويبقي على شعلتها قائمة متقدة؟

لا سبيل لها إلى ذلك فيما نعتقد إلا سبيل البدء بتحقيق الانتفاضة بداخلها...وعلى أنقاض "منظومتها" المهترئة.

* "التلفزة المغربية والانتفاضة"، جريدة العلم، 3 فبراير 2002.

يمكنكم مشاركة هذا المقال