لم يكن لأحد أن يتنبأ يوما بأن توني بلير سيترك رئاسة وزارة المملكة المتحدة، مضطرا، مجبرا غير مخير، مدفوعا لذلك قسرا، هو الذي ضمن لحزبه، حزب العمال، ثلاثة نجاحات انتخابية متتالية، ورفع من مستوى معيشة البريطانيين (بعدما ذاقوا الأمرين مع حكومات تاتشر المتعاقبة)، وحمل الأيرلنديين على الامتثال للحوار، وأبقى على روابط "القربى" مع اتحاد أوروبي، لم يمر قرار أو مشروع قرار دونما أن تناهضه بريطانيا، أو تنغص على واضعيه، بحالة الدستور والعملة، كما بحالات العمل المشترك فيما بين الأعضاء.
هو لم يترك رئاسة الوزارة اختيارا ولا طوعا، ولا جراء انهزام بالانتخابات، هو تركها بعدما بدأ عرشه يهتز، وحزبه يتراجع، وفضائحه تتناسل (بما فيها فضيحة اليمامة، التي أوقف التحقيق فيها ضدا على القضاء) ومصداقيته تتهاوى، والمناهضة تلاحقه حيثما حل وارتحل، بالخارج كما بداخل بلاده، كما من بين ظهراني حكومته، ونواب حزبه بالبرلمان.
وعلى الرغم من أن نجمه لم يذبل تماما، هو الذي بات موفد اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، فإن الصورة المهينة التي خرج بها من رئاسة الحكومة، ستبقى ملازمة له كائنة ما ستكون "إنجازاته" المستقبلية، أو قدرته على حلحلة مشاكل بالشرق الأوسط، أضحت بنيوية بكل المقاييس.
إن المآخذ الكبرى على توني بلير، والتي لن تنصرف عنه لا حالا ولا بالمستقبل، إنما رهن مصيره وارتهان مصير بلاده، برئيس أمريكي متعالي النظرة، عدواني السلوك، محاطا بمحافظين جدد متعجرفين، اندغمت بمخيالهم واقعية السياسة بإيديولوجيا بدائية ساذجة، فاستباحوا على أساس من معتقدات دينية غيبية، وعلى أساس من مسوغ "الحرب العالمية على الإرهاب"، دولا وشعوبا، فاحتلوها أو حاصروها، أو ابتزوها، أو لمحوا باستخدام القوة الخشنة لتطويعها، أو سحل الممانعة من بين ظهرانيها.
هو كان رابع الغربان (بجانب أزنار وبرلسكوني وهاورد) ساروا خلف جورج بوش الإبن دونما تمنع أو تحفظ، فزينوا له السلوك، وغزوا بجانبه أفغانستان واحتلوها، ودخلوا العراق "فاتحين محررين"، فإذا بهم غزاة محتلين، دمروا البلد واستباحوه، وعمدوا لاغتيالات بالجملة، طاولت رأس الدولة ورفاقه، كما طاولت العلماء والخبراء والطيارين وأساتذة الجامعات والفنيين، ناهيك عن عامة الناس.
وإذا كان الشعبان الإيطالي والإسباني قد عاقبا برلسكوني وأزنار، وطرداهما من السلطة شر طردة، فإن بلير تمادى في التعنت والمكابرة، على الرغم من اشتداد الضغوط من حوله، حتى إذا تبين له أن لا فائدة ترجى من الإمعان في ذلك، سلم الحكم لغريم له لطالما نافسه في الضمن والعلن، لكنه لم يختلف معه كثيرا في مسلكه واصطفافه خلف الأمريكان.
إن الظلم الكبير الذي ألحقه توني بلير بالعراق (ومن قبله بأفغانستان) لا يمكن استقراؤه فقط من خلال ما فعلته عساكره بجنوب العراق، نصيبه من كعكة الاحتلال، ولا من الفظاعات التي مورست على العراق بشرا وحجرا وثروة، بل وأيضا بالقياس إلى مماهاته لدرجة التماثل المطلق مع الرئيس الأمريكي، وهو يؤجج العالم، ويتحايل على الأمم المتحدة لغزو بات حتميا:
+ فبلير، تماما كجورج بوش، أشار على استخباراته بتعظيم خطر أسلحة الدمار الشامل، ولي عنق الحقائق لإثبات صلة الرئيس/الشهيد صدام حسين مع تنظيم القاعدة، وقلب المعطيات لتبيان أن العراق سيغدو، إن هو ترك على مسيرته، "الملجأ القادم للإرهابيين"، ...لا، بل إن توني بلير أعلن جهارة بمجلس العموم البريطاني، والحرب على الأبواب، بأنه بمقدور الرئيس العراقي، استخدام أسلحته في الدمار الشامل (النووية أو الكيمياوية أو البيولوجية أو الصواريخ الطويلة المدى) في ظرف لا يتعدى 45 دقيقة إن هو هوجم، أو دفع به إلى قمة اليأس.
+ وبلير، كما جورج بوش، رفض الانصياع لضغوطات الشارع، بما فيها ضغوط قاعدته الانتخابية، بجهة سحب القوات البريطانية من العراق، بل تشبث بدفوعات الإدارة الأمريكية، المروجة لمقولات هلامية من قبيل "إننا لن ننسحب قبل إتمام المهمة"، ثم "إننا لن نرضى بأقل من النصر"، ثم "إن انسحابنا سيسرع من تهاوي العراق، ويعطي إشارة خاطئة للإرهابيين"...وهكذا.
+ وبلير، شأنه في ذلك شأن جورج بوش، لم يتعظ من حقيقة (هو كما بوش، يعرفانها منذ البدء) أنه ليس ثمة من أثر لأسلحة دمار شامل، ولا دليلا يذكر على ارتباط ما للعراق بتنظيم القاعدة، ليتحول إلى القول، وقد تهاوت الحجج، بأن "العالم بات أكثر أمنا بإزاحة صدام حسين"، وأن الغاية كانت "تخليص العراقيين من الديكتاتورية"، وأن الذي جرى ولا يزال يجري يستحق المعاناة..."يكفي التخلص من صدام حسين".
+ وبلير، فوق كل هذا وذك، لم يهتز إطلاقا لمجازر بالعراق، ذهب ضحيتها أكثر من مليون من البشر، وهجر بسببها أكثر من خمسة مليون آخرين، لا بل إنه، كما بوش، لم يكلف نفسه عناء الاعتذار للعراقيين، الذين أهانتهم عساكره وأفرغتهم من آدميتهم، ولم يبد أدنى ندم عما فعله ببلد باتت الفوضى من بين ظهرانيه الخيط الناظم للحياة اليومية، بعدما كان العراقيون يجولون بربوع بلدهم حتى وهو تحت الحصار، دونما خوف أو وجل أو مضايقة أو استفزاز.
وعلى هذا الأساس، فمن غير المبالغ فيه حقا القول بأن الرجل إنما أدمن الكذب والمكابرة، وتحولت سياساته بالعراق إلى آلة في التقتيل الجماعي الممنهج، وأداة في الإهانة والتعذيب والاستباحة، جرت على العراقيين ويلات ما بعدها ويلات، وجرت عليه فقدان منصبه، وهو في "أعز عطائه السياسي"، وجرت على بلاده حالات من الاستنفار غير مسبوقة، تأهبا لضربات لا يعلم خلفه، مكانها ولا توقيتها، ولا ما قد تسفر عنه من كوارث.
وعلى هذا الأساس أيضا، فإن تعيينه موفدا دوليا بالشرق الأوسط، إنما يدخل في سياق المجازاة، مجازاته من لدن رئيس أمريكي وجد فيه الحليف/التابع الذي لم يتمنع يوما، ولا خالف قرارا، ولا تخلف عن ميعاد...هو الذي قال فيه جورج بوش:"إنه ليس كلبي، بل أكثر من ذلك".
وأزعم بهذه النقطة (نقطة إيفاده للشرق الأوسط)، أنه من ضعف البصر والبصيرة حقا، أن يراهن الفلسطينيون أو اللبنانيون أو السوريون على الموفد الجديد، أو يطمئنوا إلى ما يضمره لهم أو ما يعلنه:
°°- فالرجل من حلفاء إسرائيل التقليديين والأشداء، ومن أقوى المدافعين ليس فقط عن وجودها، بل وأيضا عن سياساتها "لمحاربة الإرهاب الفلسطيني والدفاع عن النفس"، لا بل إنه من أقوى الرافعين للواء مقاطعة حركة حماس، هي التي بلغت السلطة بانتخابات نظيفة، على شاكلة ما ينصحونا دائما باعتماده، أو يعيرونا بعدم اعتماده.
موهم بالتالي، من يراهن على الموفد الجديد، أو ينتظر منه مبادرة تنصف مقاومة الفلسطينيين للاحتلال (كيف له ذلك وبلاده محتلة لأراضي الغير؟)، أو تفتح لهم في السبل لإقامة دولتهم، أو تدفع بجهة عودة ستة مليون فلسطيني بالمهاجر مشتتين، ولعقود طويلة من الزمن.
°°- والرجل لن يخفف بالتأكيد من الاحتقان الذي يعرفه لبنان منذ اغتيال رفيق الحريري، ولن يتوانى في تضييق الخناق على المقاومة اللبنانية، هو الذي من سنة مضت، فتح قواعد بلاده العسكرية لشحن "القنابل العنقودية"، التي قصفت بها إسرائيل قرى ومدن لبنان، لأكثر من شهر من الزمن، وحال بمجلس الأمن دون الإسراع باتخاذ قرار لوقف إطلاق النار، ولبنان يحترق.
موهم هنا أيضا (من اللبنانيين أو من غيرهم) من يراهن على موفد جديد ألف الدم والعدوان لحد الثمالة، وتشبع بمنظومة جورج بوش العسكرية، وتمثل جيدا مرجعياته الدينية، وبات غير مكترث بردود الفعل بداخل بلده، كما من بين ظهراني باقي دول العالم.
°°- والرجل لن يكون بالقطع "حمامة سلام" بين إسرائيل وسوريا، هو الذي، كما جورج بوش سواء بسواء، تحامل على الثانية جهارة، وصوت بمجلس الأمن لفائدة تضييق الحصار عليها، واتهمها في أكثر من مناسبة بمؤازرة الإرهاب بالمنطقة، وبإيواء "الجماعات المتطرفة"، ولن يتمنع إطلاقا في إعلان تأييده المطلق إن عمدت أمريكا أو إسرائيل إلى غزوها وقلب نظام الحكم القائم من بين ظهرانيها.
هو، بهذه الحالات الثلاث على الأقل، سيكون العراب الأمثل للمشاريع الأمريكية بالمنطقة، أو قل سيعمل على إحيائها بعدما طاولها الفشل والبوار. هو سيتعامل معها، دون شك، بالخشونة ذاتها التي برع بها في العراق وأفغانستان، حتى وإن أشيع عنه "تمرسه الواسع بالسياسة"، وقدرته "الفائقة" على فض النزاعات.
إنه بالحالات الثلاث معا، وبالقياس إلى ماضيه القريب، لن يكون إلا نموذج الرجل الخطأ بالمكان الخطأ. ولما كان كذلك، فإنه لن يستطيع الإسهام في حل إشكال تظافرت الظروف والسياقات في تعقيده لفائدة إسرائيل...اللهم إلا إذا انقلب الرجل على نفسه (كما فعل الرئيس كارتر مثلا)، فكفر عن ذنوبه، وعمل على تدارك صورة له، اهتزت جذريا بالشكل كما بالمضمون.
وإذا كنا نزعم، بأن المقاومة العراقية هي التي كان لها الفضل في إزاحة توني بلير من السلطة (ونغصت على المحافظين الجدد مشاريعهم بالمنطقة)، فإننا نزعم بالآن ذاته، بأن ممانعة القوى المقاومة بالمنطقة إياها، وتصميم الفلسطينيين على إدراك حقوقهم (كما السوريين واللبنانيين) سوف يكون من شأنه حتما، إفشال ما يتطلع بلير لتنفيذه بتوجيه من الأمريكان.
صحيح أن المقاومة العراقية، كما المقاومة اللبنانية، كما قوى الممانعة السورية، لم ولن تثني أمريكا أو بريطانيا أو إسرائيل على تنفيذ مشاريعها، لكنها ستستنزفهم بالتأكيد، وتجبرهم على التفكير ألف مرة قبل الإقدام على أي عمل عسكري طائش...وإلا، فلكانوا قد غزوا إيران وسوريا من مدة بعيدة.
وعلى هذا الأساس، فإن حالات المقاومة المتزايدة بالعراق كما بفلسطين كما بلبنان كما بسوريا كما بغيرها، لن تنجح فقط (مهما يطل الزمن) في إثبات أن الحروب الظالمة غالبا ما تأكل مشعليها، بل وستثبت أيضا وبالملموس القاطع، أن شعبا ما لا يمكن أن يكون حرا إن هو استعبد شعبا آخر، أو فوض لرئيس وزرائه سلطة تكريس ذات الاستعباد جورا وظلما، فعمد على تنفيذه تحت جنح الافتراء، والالتفاف على الحقائق.
* "توني بلير الظالم"، التجديد العربي، 9 يوليوز 2007. شبكة الرافدين، 9 يوليوز 2007. جريدة التجديد، الرباط، 9 يوليوز 2007. التحالف الوطني العراقي، 10 يوليوز 2007. القدس العربي، 18 يوليوز 2007. مدونات مكتوب، 20 يوليوز 2007. جريدة مغربنا، 4 غشت 2007.