عبد الرحمن عمار، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2007، 347 ص.
بمقدمة الدراسة، يقول الكاتب: بعد هجمات الحادي عشر من أيلول من عام 2001، أخذ الهجوم على الإرهاب، الذي هو في مضمونه هجوم على العرب والإسلام، منحى أكثر حدة وشراسة. فبعد الانتهاء من أفغانستان، بدأت الولايات المتحدة تعد العدة لضرب العراق مرة أخرى، وبشكل يتم القضاء عليها، كدولة ونظام وشعب وقدرات، وأخذت التقارير الإخبارية تتحدث عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بشكل يسمح لأميركا بالسيطرة المباشرة، عسكريا واقتصاديا على الوطن العربي كله، مثلما يسمح للدولة الصهيونية بالهيمنة على جانب كبير من المنطقة العربية، بعد أن يتم تفتيت الدول العربية، ولا سيما القوية منها، وتحويلها إلى دول هزيلة، وتنصيب أنظمة مناسبة شبيهة بنظام كرزاي في أفغانستان".
إننا على أبواب زمن قد يكون أسوأ بكثير من زمن اتفاقيات سايكس ـ بيكو، يقول المؤلف، والتي أدت في جانب منها إلى تفتيت بلاد الشام، إلى دول أو دويلات متعددة، بعد أن كانت مع العراق، أشبه بكيان متوحد من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، "مثلما أدت إلى زرع الكيان الصهيوني في فلسطين العربية، والتي بدأنا نتنازل عنها شبرا وراء شبر، حتى وصلت طموحاتنا في فلسطين إلى أدنى ما يمكن أن يتنازل عنه إنسان من أرض وطنه".
إن مفردة أو مصطلح الإرهاب، لم يكن منذ ثلاثين عاما أو أزيد بقليل، يعني شيئا في القاموس السياسي والإعلامي خارج نطاق معناه اللغوي المعروف. فالرهبة في اللغة، يقول الكاتب، إنما تعني الخوف فقط، ومفردة "إرهاب" بمعناها اللغوي، لم تكن تستخدم في اللغة قبل حوالي خمسين عاما إلا نادرا. إلا أن مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا سابقا، قد أحيتها بصراحة، حينما صرحت بأعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي: "لقد قضينا الآن على الاتحاد السوفييتي، وبقي علينا أن نقضي على الإسلام في القرن الواحد والعشرين ".
وقد تساوق معها بعد ذلك، مسؤولون أمريكيون كبار، حتى بدا القضاء على الإسلام في القرن الحادي والعشرين، استراتيجية غربية أميركية صهيونية واضحة، على اعتبار "أن الإسلام يمثل القوة المفترضة والوحيدة الباقية القادرة على مجابهة العولمة والنظام العالمي الجديد، الذي تريد أميركا والصهيونية من خلاله أن تهيمنا على العالم كله. من هنا نستطيع أن نتلمس الأسباب التي تحصر الإرهاب بالعرب والمسلمين، باعتبار أن مصطلح الإرهاب وغيره من المصطلحات المشابهة، هي جزء من الاستراتيجية المتبعة من قبل الغرب عموما، وتستخدم كسلاح من جملة الأسلحة المتنوعة المسلطة على رقاب المجتمعات في العالم الثالث".
من هنا، أصبح التطرف والعنف والإرهاب، صفات تطلق على كل عربي وإسلامي يحاول أن يصل إلى حقه المهدور والمغتصب، "وما أكثر الحقوق الضائعة في العالمين العربي والإسلامي، وكلها تسلب وتتجمع في أيدي من يطلقون الصفات المشار إليها على أصحاب الحقوق الضائعة".
ليس غريبا بالتالي، يؤكد الكاتب، أن الصهيونية وأميركا والغرب بعامة يطلقون على الطفل الفلسطيني صفة الإرهابي، لأنه يطالب بحقوقه في أرضه المحتلة، ويقاوم بالحجارة البندقيةَ الصهيونية وحتى المدفع والدبابة والطائرة، وأميركا والغرب لا يطلقون على اليهودي صفة الإرهاب، حين يوجه سلاحه إلى صدور الأطفال العزل، ويقتل منهم العشرات أمثال محمد الدرة وإيمان حجو ذات الأربعة أشهر فقط وغيرهم كثير.
يتضح إذن أن حصر إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب أولا، وبالمسلمين ثانيا وآخرا، إنما يدخل "في نطاق مخطط النظام العالمي الجديد، واستراتيجيته الهادفة إلى القضاء على الإسلام في القرن الواحد والعشرين".
فأمريكا التي تحمل لواء مكافحة الإرهاب في العالم، عرفت جيدا كيف تصوغ قرارات الأمم المتحدة، وما تتضمنه من شروط مفبركة على الطريقة الأمريكية، فحصرت تطبيقها بالعرب بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام، وأخذت "تفسر تلك القرارات بالشكل الذي يتلاءم مع الرغبات الأمريكية ومصالحها. فليبيا دولة إرهابية بحسب المعايير الأمريكية، التي هي معايير صهيونية أولا وأخيرا، ويجب أن تحاصر اقتصاديا وعسكريا، وتلفيق التهم هين وسهل. والسودان كذلك دولة تساند الإرهاب، وتم إصدار قرار دولي بتطبيق الحصار عليها. وسورية وإيران دولتان مدرجتان في قائمة الدول الإرهابية، لأنهما تساندان المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، وكلا الفئتين مع الانتفاضة، التي ما أن تدفن شهيدا إلا وترفع الأكف شهيدا آخر، ومعظمهم من الأطفال الذين يسقطون برصاص العدو الصهيوني، بينما السلاح الذي يحمله هؤلاء الأطفال لا يتعدى الحجر".
إن المطلوب اليوم، يقول المؤلف، إنما معرفة الأسباب والمسببات التي تم حصر الإرهاب بالعرب والمسلمين بموجبها، وكشف وتعرية تلك الأسباب والمسببات، ليس فقط بغرض التفريق بين المقاومة والإرهاب، ولكن أيضا بغرض اعتبار المقاومة حقا مشروعا لاسترجاع حق واسترداد أرض مسلوبة.
والمطلوب أيضا هو اعتبار أنه من حق أية دولة عربية أن تحمي ذاتها ومجتمعها ممن يمارسون القتل، ويخرجون على القانون. لكن "ليس من الضروري أو المناسب، إن لم نقل من الخطأ الفادح، أن تستخدم مصطلح أعدائنا، وتنعت تلك الفئات بالإرهابيين لأن عدونا قد ابتدع هذا المصطلح في الأصل، ليستخدمه ضد وجودنا العربي وتطلعاته المستقبلية".
نافذة "قرأت لكم"، 19 نونبر 2009