تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في إشكالية الإرهاب بقناة الجزيرة"

news-details

 1- لم يكن في حكم الوارد يوما (ولا كان من المستساغ أيضا) أن يفرز الخطاب الإعلامي العربي (والفعل الإعلامي أيضا)، بين ظهرانيه، قنوات تلفزية فضائية (كقناة الجزيرة) كسرت، إلى حد بعيد، سكونية الممارسة الإعلامية العربية وراكمت من التجربة والخبرة (في أقل من نصف عقد) ما يجعل منها ظاهرة إعلامية بامتياز.

 فالقناة (قناة الجزيرة) انبعثت من داخل "فضاء" إعلامي راكد لدرجة التكلس، واشتغلت (ولا تزال) في محيط بنية أنظمته السياسية شبه مغلقة، و"قاومت" فضلا عن ذلك، أكثر من تحرش وواجهت أكثر من شكوى واتهام.

 وبصرف النظر عن الموقف من القناة (بين متبن لتجربتها في المطلق أو رافض لأسلوبها في الأداء أو متموقع بين الطرفين) فإن واقع الحال يثبت، بما لا يدع مجالا للشك، بأن قناة الجزيرة تؤرخ لطفرة في الإعلام السمعي/البصري العربي ندر مثيلها (أو يكاد) في تاريخ الإعلام إياه:

+ فهي نجحت، وإلى حد كبير، في تكسير قوالب وأنساق الإعلام العربي المرئي، المبني على الرتابة والتكرار والاجترار والرداءة وغيرها.

 + وهي ساهمت بقوة في اختراق مواطن المحذورات التي جذرتها أنظمة الحكم العربية المرتكزة على عبادة الحاكم لدرجة التقديس، والمنبنية على تجريم تعدي الخطوط الحمراء أو التجرؤ على الطعن فيها أو تجاوزها.

 + وهي دفعت بالحق في الاختلاف (وفي التعبير أيضا) إلى حدود إزعاج الحكام والحكومات ليس فقط في تحقيقاتها وتعليقاتها، بل وأيضا في تمكين معارضي الحكم هؤلاء والحكومات تلك (أو ضحاياهم) من نافذة للتعبير مرئية كانت من ذي قبل  شبه معدومة.

هي إذن، بالمحصلة النهائية، "حالة إعلامية خاصة" حتى بتعدد أوجه القصور في "مسيرتها": فهي لم تتعرض مثلا، إلا في النادر القليل، لصيرورات "الأنظمة السياسية" بدول الخليج، وإن تناولتها فبكثير من التجاوز والسطحية، وهي لم تستطع (في نظر العديد منا) من تحديد طبيعة الارتباط مع الدولة الممولة (دولة قطر) بجهة معرفة مقابل التمويل إياه "ونقط اللاعودة" في ذلك، وهي لم تستطع، فضلا عن كل ذلك، إثبات "السر الحقيقي" في صمودها أمام الإكراهات الموضوعية التي فرضت عليها، أساسا منذ انفجارات 11 شتنبر بالولايات المتحدة، والتي لم يأت انتقالها إلى البث الرقمي إلا تمظهرا من تمظهراته.

 2- والواقع أن أحداث 11 شتنبر (وما ترتب عنها من "حملة لاستئصال جذور الإرهاب") كان كافيا لأن يضع من جديد " تجربة" قناة الجزيرة في الميزان:

- فهي لم تكتف فقط ببث صور الانفجارات التي طالت مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون (كما اكتفت بذلك العديد من القنوات العربية الأرضية منها والفضائية)، ولم تستنفر لذلك مراسليها (وعلى مدار الساعة) لاستشفاف الحقيقة واستقطاب ردود الأفعال المختلفة، بل استدعت لذلك العديد من الباحثين والخبراء والمتخصصين (في الإرهاب) لاستطلاع آرائهم واستكشاف ما قد يترتب عن ذات الانفجارات من تطورات واحتمالات مستقبلية.

قد لا نبالغ كثيرا لو قلنا بأنه لم يكن للمشاهد العربي (ولغيره ربما) أن يخبر ما وقع، وفي بث مباشر ومستمر، في غياب قناة الجزيرة أو في غياب قناة أبو ظبي ومركز تلفزيون الشرق الأوسط من بعدها أو في تواز معها.

وقد لا نبالغ كثيرا أيضا لو اعتقدنا بأن تفوق قناة الجزيرة، بهذه النقطة بالذات، ثابت مؤكد بصرف النظر عما قد يكون مجرد أحكاما للقيمة...فالقناة ضاهت (في تمكن طاقمها وجدية برنامجها العام) قنوات عالمية كانت، إلى حين عهد قريب، صاحبة السبق في حجم الأحداث المماثلة.

 - وهي لم تستفرد فقط بإذاعة ردود أفعال حركة طالبان (المتسترة على "المشتبه فيه الرئيس") ولا ببيانات بن لادن ومنظمة القاعدة ("المشتبه فيهما الرئيسين") بل سارعت إلى إيفاد فريق لها من المراسلين مقتدرين رابط باستمرار بمعظم المناطق الأفغانية المحتمل ضربها أو على حدود الدول المجاورة لأفغانستان.

 لم تستوظف القناة في ذلك الاتصالات الهاتفية لوحدها (وإن كانت تنقل الأحداث بالمباشر صوتا) ولا الصورة المعبرة لوحدها كما يقال، بل وبالأساس البث المباشر عبر الأقمار الصناعية الذي ينقل آنيا وبالتوازي الصوت والصورة.

ولم تكن قناة الجزيرة في هذا رائدة قياسا إلى فضائيات عربية أبقت، في معظمها، على البرنامج العام ولم تدع من الحدث إلا ما مكنته إياها وكالات الإعلام العالمية، بل وكذلك بالقياس إلى باقي قنوات العالم التي لم تود المجازفة في جغرافية طبيعية وبشرية وعرة و لا مكنها من ذلك القائمون على إمارة طالبان بأفغانستان.

 - ثم هي استفردت بنقل الضربة الأنجلوأمريكية على أفغانستان (أو جزء منها على الأقل) وتمكنت من معاينة آثار التخريب والدمار الذي ألحقته الضربة إياها بهذه الأخيرة.

 من شبه المؤكد أن مواقع الضربة كانت من التوزع (والتعتيم أيضا) ما يجعل سبل التغطية المباشرة متعذرة (عكس ما وقع في "ثعلب الصحراء" مع العراق مثلا) لكن وقوف مراسلي القناة على آثار التدمير كان كفيلا بتحديد حجم الضربة ومنحها السبق في ذلك.

 لم يكن حجم الضربة إياها هو الأساسي في التصور الأمريكي، ولا كان عدد الضحايا هو المهم لديها، بقدر ما كان مهما أمر مطاردة طالبان (وإلقاء القبض على بن لادن) وبقدر ما كان مهما أيضا الحيلولة دون الموسطة الإعلامية لكل ذلك (لأي غرض كان) والتي قد يكون من شأنها أن تربك المؤسسة العسكرية أو تؤنب الشارع الأمريكي ضدها كما حدث في فيتنام أوفي الصومال.

وعلى هذا الأساس فقد سرى على قناة الجزيرة (مذ انطلقت "الحملة" على أفغانستان) ما سرى على باقي القنوات التلفزية العالمية الأخرى من تعتيم على الخبر واحتكار للمعلومة ومنع من بلوغ المواقع أو تصوير لمخلفات الضربة.

 3- ما السر إذن في "إجبارها" على الانتقال إلى البث الرقمي، المحدود الجماهيرية نسبيا، بعدما كانت الملايين من المشاهدين يلتقطونها عبر أجهزتهم التناظرية؟

هل الخيار تكنولوجي، كما يعتقد بذلك البعض، على اعتبار جودة البث بالوسائل الرقمية صوتا وصورة وتعذر مواجهة قنوات أعطتها التكنولوجيا الرقمية قدرة تنافسية إضافية؟

لئن كنا لا نشكك البتة أن خيار البث الرقمي هو خيار تكنولوجي صائب كونه مستقبل السمعي/البصري دون جدال، فإننا لا نحتكم إلى عناصر الجواب لفك رموز السر إياه.

 لكن هناك، فيما نعتقد، ثلاثة اجتهادات تقديرية ليس من الموضوعي استبعادها أو التحايل عليها لسبب من الأسباب:

 + أولها: أنه لا يمكن للمسوغ التكنولوجي أن يكون مسوغا كافيا لتفسير أو تبرير انتقال قناة الجزيرة إلى البث الرقمي... ليس فقط لأنها لم تعلن عن ذلك قبليا بمدة (ليأتي الانتقال مفاجئا وغير معلن عنه في حينه حتى)، ولا لأنها كانت مستعدة للتفريط في ملايين المشاهدين (الذين لم يكن يغريهم كثيرا الرقمي في وجود الجزيرة على التناظري)، بل وبالأساس لأنها هددت في أكثر ما من مرة بإمكانية اللجوء للتشويش على إرسالها، أو قصف مقرها بالمرة إن هي تمادت في سلوكها السائد ولم تنصرف عنه في تغطيتها " للحملة ضد الإرهاب".

 + وثانيها: أن تغطية الجزيرة لم تكن لترضي الإدارة الأمريكية ومؤسستها العسكرية لا بسبب كونها الأمثل (على اعتبار تواجدها بعين المكان دون سواها)، بل لأن الإدارة هاته والمؤسسة تلك ارتأت في طبيعة التغطية ونبرة المراسلين والقائمين على البرامج الحوارية، ارتأت في ذلك ما يشي بأنه "تعاطف مع حركة طالبان" وتضامن ضمني مع بن لادن سيما حينما تقوم القناة باستضافة أعضاء من الحركة إياها أو بإذاعة بيانات وبلاغات أسامة بن لادن.

 لم يكن تبرأ القناة من "التهمة" إياها بكاف ليشفع لها إمعانها في السلوك، إذ الإدارة الأمريكية حددت، منذ 11 شتنبر وبما لا مكان فيه لإعمال التأويل، بأن من ليس معها فهو ضدها...وبما أن قناة الجزيرة لم يكن لها (أو هكذا نزعم) أن تكون مع الإدارة الأمريكية، فهي، من باب تحصيل الحاصل، ضدها.

بالتالي فلن يكون من المتعذر على أمريكا " في ظروف الحرب المعلنة عليها" هاته أن تلجم قناة تلفزية وهي التي (أعني أمريكا)  تجمعت دول العالم وحكوماته (في هذا الحادث وفي غيره) وراءها واستصدرت منه مواقف التضامن والتأييد ترغيبا وترهيبا.

 + وثالث هذه الاجتهادات: أن قناة الجزيرة اتهمت "بالتحريض على الإرهاب" عبر فتحها لسبل التحدث في وجه العديد من "المتبنين" له، عاملة بذلك (يقول صك الاتهام) على " تثوير الرأي العام العربي والإسلامي" ضد أمريكا.

 لم يقتصر تذمر الولايات المتحدة من قناة الجزيرة كون هذه الأخيرة ربطت (أو تم الربط من خلالها) بين ما وقع بأمريكا وبأفغانستان وما يمارسه شارون على الشعب الفلسطيني يوميا، ولكن تعداه إلى أخذها بجريرة ضيوفها كما أخذت الولايات المتحدة ذاتها الشعب الأفغاني بجريرة استضافته " لمشتبه فيه" ليس إلا.

أو لم يطلب كلينتون ذات يوم من أمير قطر أن يتدخل لدى قناة الجزيرة كي يحثها للكف عن "التحريض على الانتفاضة" كونها" تعرقل المسيرة السلمية" التي ترعاها أمريكا بين إسرائيل والفلسطينيين ولم ينجح في مسعاه؟

 الواضح إذن، ودونما كبير مجازفة، أن سبل الترغيب لم تكن يوما بكافية لصد القناة عن توجهاتها واستراتيجيتها ...وإلا لكان ما تعرضت له من قبل مكاتبها بالدول العربية لوحدها وما تقدمت به الحكومات من شكاوى قد أتى أكله من ذي قبل. بالتالي فسبيل الترهيب المعتمد مع القناة إياها كان المسلك الأنجع في تعذر غيره.

 4- لرب متسائل يقول: أو ليس من الأفيد للإدارة الأمريكية (وهي المتجهة لا محالة لمواجهة طويلة مع العرب والمسلمين) أن تنشأ لنفسها قناة فضائية باللغة العربية تنسخ في إنشائها على منوال الجزيرة (ما دامت هي غريمها الأول) وتعطيها من الإمكانات والموارد ما يجعلها تضاهي في عطائها عطاء الجزيرة أو أكثر (لكن بمضمون أمريكي)؟

 هو تصور قائم لدى الإدارة الأمريكية منذ ضربها لأفغانستان وتدمرها من تغطية القنوات العربية (سيما قناة الجزيرة) والصعوبة القائمة لديها لتجنيد الجماهير العربية والإسلامية وراءها بعدما ضمنت ارتهان حكامها زمن السلم كما زمن الحرب.

 للإدارة الأمريكية في خلق قناة فضائية متحدثة باللغة العربية أكثر من سبب وأكثر من فائدة:

+ فهي عازمة على ضرب العراق وسوريا والمنظمات الفلسطينية والسودان وليبيا وغيرها (ودونما مسوغات موضوعية تذكر) بعد انتهائها من تسوية الملف الأفغاني". بالتالي فما قد يترتب عن ذلك من استنكار واحتجاج جماهيري عربي وإسلامي سرعان ما ستتكفل القناة المزمع إنشاؤها بامتصاصه وتجفيفه إما بذريعة محاربة الإرهاب أو على خلفية من ضمان الاستقرار بالمنطقة أو مقابل "تسوية الصراع" بين الفلسطينيين وإسرائيل.

 + ثم هي عازمة على ارتهان باكستان وإيران والسعودية (ولربما أندونيسيا) كونها تكون العمق الاستراتيجي للعالم الإسلامي وموطن العديد من المنظمات الإسلامية (المصنفة "إرهابية" أو  تناضل ب"طرق العنف" أو غيرها).

لن تكون الفائدة المرجوة من القناة الفضائية إياها تصريف الخطاب الرسمي الأمريكي في الأوساط الإسلامية، بل وأيضا الدفع بأطروحة "أنه ليس الهدف من الإسلام" بقدر ما هو استهداف "للإرهابيين"...حينها لن يكون الصراع حضاريا بين الغرب والإسلام بقدر ما سيتحول (في الخطاب الإعلامي بالأساس) إلى حوار وتواصل حضاريين.

 لن تعدم أمريكا الوسائل في ذلك، إذ لن يتعذر عليها تكوين مراسلين يغطون لها باللغة العربية "ساحات القتال" المقبلة وفق ما تريده وتشتهيه، أو استقطاب " فقهاء في الدين" (من العالم الإسلامي) مولعين بالفتاوى، بل ولن يصعب عليها استجلاب من يبرر لها (من بين ظهرانينا) الخطاب والممارسة ويبارك لها الخطوات دينيا أو بالقياس.

 حينها لن تكون قناة الجزيرة لوحدها في المحك، بل كل القنوات الفضائية العربية التي لم تأخذ، لحد الآن، ما يجري وسيجري بالعالم العربي والإسلامي مأخذ الجد.

* "في إشكالية الإرهاب بقناة الجزيرة"، جريدة العمل الديموقراطي، 21-27 مارس 2002.

يمكنكم مشاركة هذا المقال