لا يستطيع أحد، اللهم إلا إذا كان منافقا أو جاهلا، أن ينكر الارتفاع المهول لتعرفة الاتصالات بالمغرب، بكل الشبكات ومن بين ظهراني كل الفاعلين المتواجدين بالسوق. لست أنا من يقول هذا الكلام، إنه تقرير "المرشدون العرب"، الذي أصدر تقريرا مؤخرا يبين فيه بوضوح لا غبار عليه، أنه من ضمن 19 دولة عربية، فإن المغرب يعرف أعلى معدل سعر للدقيقة في الاشتراكات المدفوعة مسبقا والاشتراكات الشهرية.
لقد بينت الدراسة أن أعلى معدل سعر لدقيقة الاشتراكات الشهرية في العالم العربي كان حقا وحقيقة في المغرب، وتليه في ذلك موريتانيا، بينما كان أعلى معدل سعر لدقيقة الاشتراكات المدفوعة مسبقا في المغرب وتليها لبنان.
وقد صنف التقرير المغرب في الرتبة 104 بخصوص سلة الأسعار، بعد كل من الأردن 82 ومصر 67 والجزائر 58 وتونس 53. كما صنف تقرير الاتحاد، المغرب، سنة 2009 إلى جانب جزر القمر، كأغلى البلدان في مجال تعريفات الخدمة المتنقلة، مقارنة مع الدول العربية الأخرى.
إلى جانب هذا التقرير، فقد أوضح تقرير دافوس للعام 2009، أنه من بين أسباب ضعف الحكامة بالمغرب التدهور الكبير لمناخ الاتصالات، وعدم توفر الرؤية الواضحة والجلية بهذا القطاع، وعدم تجاوبه التجاوب الكافي مع مناخات الاستثمار الجارية. تقرير دافوس خطير للغاية لأنه يبين بما لا يدع مجالا للشك أن هذا القطاع بات بحق أداة إعاقة لكل ضروب الاستثمار والتنمية والحكامة الجيدة، وأنا أنصح بقراءته بعمق.
لو كنت عضوا في صياغة هذه التقارير، لقال البعض بأن خطاب اليحياوي معروف ونبرته في النقد متعارف عليها، وهو يزايد على شخوص له معهم حسابات وهكذا. أما وقد جاءت من مؤسسات دولية كتقرير ملتقى دافوس وتقرير المرشدون العرب، فإن الأمر جدي وحقيقي ولا مجال للمكابرة في التعامل معه.
أما عن السبب في التلكؤ خلف تحرير سوق الاتصالات بالمغرب بعد عشر سنوات على "التحرير"، والذي كان المبدأ الأساس لقانون 24/96، فأنا أقول لأن الكل يفيد من هذه المذبحة باستثناء المستهلك المغربي. وأقول أيضا، حبذا لو كان هؤلاء الفاعلين أو بعضا منهم على الأقل مغاربة، لكانوا كأضعف الأيمان اقتسموا جزءا من الغنيمة مع المستهلك، الذي هو مصدر هذه الملايير التي تتزايد بين ندوة صحفية وندوة أخرى، ولكانوا أيضا استثمروا جزءا منها في استنبات بنية صناعية وطنية، توظف الكفاءات التي تعيش بالقطاع على الفتات، وعلى أوامر الأجانب الذي يتقاضون أجورا خيالية وبالعملة الصعبة فضلا عن ذلك.
من جهة أخرى، فأنا أتصور أن الإشهار الذي يقوم به هؤلاء "الفاعلون" إنما يسوقون الوهم من خلاله. ومع العلم بأني لا أهون من قدرة الإشهار كسياسة في التسويق، إلا أني أتصور أنه سرعان ما يتحول إلى نصب واحتيال عندما يوظف لابتزاز المواطن، أو للتحايل عليه أو لإيهامه بأن المعروض من سلع وخدمات يتضمن هذه المواصفة أو تلك.
ما معنى مثلا أن تكتب عبارة "دون احتساب الرسوم" في أسفل اللافتات بالشوارع، علما بأنها تمثل خمس ثمن السلعة أو الخدمة؟ وما معنى أن يسقط المرء تلقائيا في العلب الصوتية حتى باشتغال هاتف المخاطب؟ وما القول في واقعة أن تتوقف الشبكة تقنيا وبالمرة ويسقط المواطن تلقائيا في العلب الصوتية، من المسؤول هنا؟ وما معنى أن يوظف الفاعل قاعدة بيانات المشتركين ليمرر إشهاره، أو إشهار من يكون قد باعه هذه القاعدة أو جزءا منها؟ وما معنى ألا يطلع المواطن على رصيده إلا بمقابل، في حين بالسعودية وببعض دول الخليج الأخرى، يتسلم المستهلك للجوال رسالة تخبره مباشرة بعد انتهاء مكالمته بما بقي له كرصيد؟ وما معنى أن يعبئ المرء رصيدا ما، لكنه يستغرب من السرعة التي استهلك بها هذا الرصيد؟ وما السر في تظلم أصحاب مقاهي الهاتف من أن ما يؤدونه يتجاوز في بعض الأحيان ما يتحصلون عليه؟
هي أسئلة لا تشي فقط بغياب الشفافية والوضوح في أنماط التعرفة والفوترة، بل وتوضح أيضا مدى الاستهتار الذي يرفعه الفاعلون بوجه مستهلكين غير منظمين وغير مؤطرين بجمعيات تحمي حقوقهم.
إن المطلوب بسرعة اليوم هو تكليف لجنة متخصصة تدرس أنماط الفوترة لدى الفاعلين، وتبين السر في هذه الملايير التي تصب في الجيوب ولا يفيد منها المواطن، لا في التسعيرة ولا في الجودة. بهذه النقطة الأخيرة، يجب على اللجنة أن تنكب على الأعطاب التقنية في شبكة النقال، وبالإنترنيت أيضا لأيام ودونما حصول الزبون على اعتذار أو تفسير أو تعويض. إنه وضع مقزز للغاية.
لقد قلت من مدة بعيدة بأن الخوصصة ستحول القطاع إلى احتكارات خاصة حقيقية وإلى مصدر للريع، لن يفيد منه إلا صناعيو الأجهزة الأجانب ومستغلو الشبكات وأصحاب البرمجيات الباحثين عن شبكات للتموطن. وقلت أيضا بأنه طالما يراهن الفاعلون بهذا القطاع على الربح السريع والمريح، فإن الاقتصاد الوطني والمستهلك المغربي سيكونان هما الضحية. وقلت أيضا بأن وكالة الاتصالات لن تستطيع الشيء الكثير مع فاعل ثم فاعلين سبروا أغوار القطاع وتمرسوا على إيهام المستهلك بما لا يوجد إلا نسبيا.
لنأخذ مثلا حالة المكالمات المؤدى عنها سلفا، ولنلاحظ كيف يعمل بعض الفاعلين إلى تقنية مضاعفة الرصيد، أو ما يعرف على كونه كذلك. أنا أتساءل هنا: إذا كانت هذه المضاعفة حقيقية، فمعنى ذلك أن ما كان يجري قبل اعتمادها هو سرقة بنسبة الضعف وأكثر، أي أن الزبون يستهلك أضعاف أضعاف ما يقتنيه، وهذا عبث بمنطق السوق، أو لنقل سرقة مقننة للمواطنين، على خلفية الإيهام بإشراك المواطنين في نعمة الوفرة.
قد يحاججني البعض بالقول بأن اقتصادات السلم واتساع إناء المشتركين هو الذي يدفع الفاعلين لاعتماد هذه السياسة. وهذا سليم نظريا، لكن الواقع بالمغرب يبين أنه ما دامت تكاليف البنية التحتية قد استردت، ولم تبق إلا تكاليف التشغيل، فلم لا يستفيد المواطن بمحصلة الحسبة كما يقال؟
إن واقع الحال بالمغرب اليوم هو كالتالي:
+ أن الفاعلين بقطاع الاتصالات إنما يفعلون في قطاع لا حسيب عليه ولا رقيب، حتى بوجود وكالة للتقنين، المفروض فيها أن تبحث عن دواعي هذه الحالة الشاذة، على الأقل ضمن ال 19 دولة التي تحدث عنها تقرير "المرشدون العرب".
+ وأن المستهلكين غير منظمين حتى يضغطوا ويسهموا في اقتراح البدائل، أو على الأقل لمواجهة هجمة فاعلين جشعين، يرومون الربح ولا أدنى معرفة لديهم بما هي قيمة القطاع أو دوره في التنمية والرفع من منسوب التنافسية.
+ وأن القطاع لم يعرف تحولا جوهريا يذكر، بدليل أنه إذا كان ثمة من يزايد في هذا الأمر، فليخبرنا عن السر في خلود رجل على الفاعل الأساس للاتصالات منذ نهاية سبعينات القرن الماضي وإلى حد الساعة، لم يتأثر وضعه لا بالتحرير ولا بالخوصصة ولا بطبيعة التداول التي سنها الله تعالى لكل بني البشر؟ لو وجد جواب لهذا السؤال، فإن باقي الأجوبة ستتفرع عنه تلقائيا.
* "عندما يصبح قطاع الاتصالات بالمغرب عامل تخلف بامتياز"، 26 يوليوز 2010.