1- لا يبدو لنا أمر الربط بين التكنولوجيا (كل التكنولوجيا المتطورة) والإرهاب، بداية هذا القرن، مجرد تمرين رياضي تبرره موضة الحديث الرابط بين الحدث ونقيضه أو فرضية ارتباط الشيء بغريمه.
لا يبدو لنا الأمر كذلك البتة، إذ استوظاف الدول والحكومات للتكنولوجيا في محاربة الإرهاب لا يوازه إلا استوظاف الإرهاب نفسه لذات التكنولوجيا في استهداف مواقع ذات الدول والحكومات سواء بسواء أو بدرجات متفاوتة تفاوت الاحتكام على هذه التكنولوجيا وتفاوت القدرة على توظيفها.
قد لا يكون " لشبكات الإرهاب" البنية العسكرية واللوجيستيكية والبشرية التي تمتلكها الدول ولا بحوزتها أعتى مقومات الآلة الحربية التي تتوفر لدى الدول إياها، لكنها (أعني الشبكات) قد تتساوى مع ذات الدول (أو تكاد) في نظم المعلومات وطرق التنظيم و"الانضباط" المؤسسي للأفراد "الأعضاء فيها".
ولئن كان من المسلم به أن الشبكات هاته لا تصمم التكنولوجيا ولا لديها مختبرات للتطوير والتصنيع، ولا كان لها التطلع لذلك حتى، فإنها لا تتوانى في الحصول على أفتكها واستئجار الخبراء لمعرفة خباياها وأسرارها أو لاستنساخها أو لتطوير سبل استعمالاتها.
وبقدر ما لا نستطيع الجزم بحيادية التكنولوجيا (كونها بالأساس نتاج منظومة قيم معينة وتنشأ، في الغالب الأعم، ردا على حاجة مجتمعاتية لذات المنظومة) فإننا لا نستطيع الجزم أيضا بالطبيعة "الإرهابية" للتكنولوجيا إياها، أكانت من تلك التي تصمم للعنف (تكنولوجيا الآلة العسكرية) أم من تلك التي لا تبرز وظيفة العنف فيها إلا كرافد من روافدها ليس إلا (كتكنولوجيا الإعلام والاتصال مثل)ا.
ولئن كانت ظروف الحرب لا تقيم كبير تمييز بين المستويين (بل ترتهن أحده لخدمة الآخر)، فإن ظروف السلم (المميزة بالتوترات المستمرة وطقوس الحرب الخفية) لا تسلم بدورها من نسبية التمييز إياه بل تضمره.
2- هناك، فيما نعتقد، ثلاث صيرورات مركزية إن لم تجعل من التكنولوجيا (برافديها العسكري و"المدني") أداة إرهاب، فعلى الأقل جعلتها وسيلة ترهيب وعنف:
+ الصيرورة الأولى وتتمثل أساسا في تصميم التكنولوجيا وتصنيعها بنية الترهيب لا على خلفية من أهداف أخرى. لا تدخل في هذا المضمار كل ما تفرزه مختبرات البحث العسكرية ومصانعها للسلاح فحسب، بل أيضا كل التكنولوجيا التي لا أهداف قتالية لها مباشرة كتكنولوجيا المعلوميات المتطورة أو تكنولوجيا الاتصالات الرقمية أو تكنولوجيا الأقمار الصناعية أو غيرها.
ليس من الضروري أن تنتفي الطبيعة الحربية المباشرة عن هذه الأخيرة (حتى وإن كانت مدينة للمؤسسة العسكرية في تصميمها ونشأتها وتطورها) ما دامت إحدى وظائفها على صلة بذات الطبيعة: فهي تستوظف لخدمة "الأهداف الأمنية" زمن السلم تماما كما تستوظف، وقت الحرب، لفائدة المخطط العسكري.
ليس غريبا من هنا أن تنبني معظم استراتيجيات الحروب المعاصرة، على تدمير البنية المعلوماتية والاتصالاتية للدولة/العدو، وأن تستهدف بداية محطاته للبث الأرضي وراداراته للإنذار ومراكزه للاستخبارات وشبكاته للاتصالات السلكية واللاسلكية وأبراج مطاراته وغيرها.
لا تختلف الاستراتيجيات (استراتيجيات "الإرهاب" المباشر لدولة على دولة كما كان الحال ولا يزال بالنسبة للعراق منذ بداية التسعينات) لا تختلف من حيث الطبيعة (حينما يكون "العدو" محددا بدقة) بقدر ما تختلف في الدرجة حينما يكون مصدر الإرهاب أفرادا أو جماعات لهم "منظومتهم" التكنولوجية، لكن لا مكان لهم محدد أو هم موزعون على أكثر من جهة إذ " قواعدهم" مراقبة ونظمهم المعلوماتية وللاتصالات مخترقة ومتابعة.
لم تكن على هذا الأساس مراكز تدريب منظمة "القاعدة" مثلا بخافية على الاستخبارات الأمريكية ولا مكالمات بن لادن الهاتفية مع والدته بمجهولة، بقدر ما لم تكن مجهولة بالمقابل تحركات الجيش العراقي قبيل غزوه للكويت...وقس على ذلك.
من المؤكد إذن بهذه الصيرورة الأولى، أن الوظيفة العسكرية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات قائمة ولا يمكن "التستر عليها" أو اعتبارها (أي الوظيفة) تشوها في الخلق.
+ الصيرورة الثانية وتكمن في تصريف "الوظيفة الإرهابية" لتكنولوجيا غالبا ما تكرس لدى مستخدميها الاعتقاد بكونها " فضاء حرية" وتواصل وتعارف وتراسل وتبادل للمعرفة وللمعلومات كما هو حال شبكة الإنترنيت.
لم تعد الشبكة إياها (أو هكذا يشاع) " فضاء حرية" أو مكمن مثاقفة ومعرفة مذ غزاها أفراد وجماعات "يرهبون" الدول والحكومات (عبر الفيروسات المدمرة للبرامج أو عبر تحويلها إلى "سوق" للمتاجرة في الأطفال والنساء أو من خلال تبييض المال الحرام أو غيرها) بل وأيضا مذ أشيع أن الأفراد هؤلاء والجماعات تلك قد تحولوا إلى ترتيب "عملياتهم" من خلالها وتبادل المعطيات والبيانات عبرها.
ليس ثمة من شك في أن لمعظم المنظمات (المصنفة إرهابية) مواقع بالشبكة وصناديق لها بالبريد الإلكتروني. وليس ثمة من شك في أن للاستخبارات المتقدمة (سيما بالولايات المتحدة) وسائلها في معرفة هذه المواقع وفك شفرة تلك الصناديق، لكنها لا تستطيع (إلا في القليل النادر) تتبعها (وسط ملايير الصفحات) أو استنتاج الآية من مضامينها. هي مواقع متحركة، غير قارة التسمية وبإمكانها التخفي وراء أسماء مواقع يتعذر، لدرجة الاستحالة، الشك فيها.
نحن هنا بالتالي (بهذه الصيرورة كما بالصيرورة الأولى) بإزاء تكنولوجيا تبدو "مسالمة" الشكل والجوهر، "بريئة" الطبع والطبيعة، لكن سرعان ما تكشف التطورات عن وجه لها يحيل إلى الإرهاب والعنف أكثر ما يحيل على السلم والحياد.
+ الصيرورة الثالثة وتحيل إلى عمليات التضييق والمضايقة التي تتعرض لها " تكنولوجيا زمن السلم" من لدن المؤسسة العسكرية أساسا زمن الحرب.
لا يتعلق الأمر بهذه النقطة كما بسابقتيها، بمهمة التنصت التي تتحول إليها هذه التكنولوجيا مكرهة (سيما من خلال الأقمار الصناعية ذات الوظائف المتعددة) أو وظيفة الاعتراض التي يصبح الإنترنيت مكمنها وفضاءها ولا (حتى) إلى إنشاء قنوات تلفزية خاصة للتشويش على "العدو" والتحريض على سلطته المركزية، بل أيضا وبالأساس باللجوء إلى هذه التكنولوجيا (سيما المعلوماتية الدقيقة والكاميرات الرقمية والحواسيب متناهية الصغر) لضرب أهداف عسكرية وشل مواقع حيوية لم تكن التكنولوجيا إياها قد صيغت أصلا بغرض أيتها أهداف.
ثم هي لا تقف عند هذا الباب، بل تذهب إلى حد مصادرة حقوق أفراد وجماعات الدولة التي تدعي أنها ضحية الإرهاب جاعلة منهم بالجملة "إرهابيين" أو "متعاونين مع الإرهاب" أو ما إلى ذلك.
بالتالي فالدولة إياها لا تتوانى في " ترهيبهم" حينما تقتحم صناديق بريدهم دونما مسوغ قانوني قوي، وتضيق الحصار على حريتهم في التعبير والاختلاف وتحذر من طبيعة علاقاتهم ب"الآخر" وتتنصت على مكالماتهم بدون وجه حق ثابت.
هو سلوك، بكل المقاييس، إن لم يكن "إرهاب دولة" على "العدو" وعلى مواطنيها، فهو على الأقل سلوك " ترهيب ممأسس" لا يختلف إلا في الدرجة عن حالة الطوارئ القصوى التي بدأت تعرفها الديموقراطيات العريقة بعدما كانت حكرا على ديكتاتوريات صنفت منذ البدء (ودونما حجج كبرى) جل مواطنيها في خانة "الإرهابيين".
3- لرب سائل يتساءل: أو لا يعتبر تجنيا على التكنولوجيا ربطها (إكراها) بوظيفة أثبتت زمن السلم أنها براء منها وأن القياس في هذا لا يجب أن يتم بناء على الاستثناء (ارتهانها من لدن المؤسسة العسكرية) بل احتكاما إلى القاعدة (ابتعادها عن ذات المؤسسة).
هو استفهام صائب، لكنه لا يصمد كثيرا أمام واقع الحال: فالأقمار الصناعية والشبكات المعلوماتية وبنية الإنترنيت وغيرها صممت جميعها داخل المختبرات العسكرية وسقوطها في الميدان العام لم يتم إلا بعد ائتمان جانبها وتوفر الأدوات لمراقبتها والتحكم فيها عن بعد.
ثم...ألم تضح دواعي التشكيك والتخوف من هذه التكنولوجيا أكثر بكثير من التساؤل في مناحي الجدوى منها وضروب الفائدة الأخرى؟ ألم يتأكد المرء (لحد اليقين) بأن هذه التكنولوجيا أصبحت تحصي عليه أنفاسه وتحسب عليه نبرات صوته وتقتفي أدق درجات حميميته، ببيته كما بالفضاء العام؟
من شبه المؤكد إذن أن ما أفرزته الإنجازات التكنولوجية وتفرزه وستفرزه في المستقبل لا ولن يغدو سوى كونه مظهرا من مظاهر كونه شبكات للإكراه وشباكا لا تتعدى تجلياتها البارزة الجانب الملطف. بالتالي " فلجوء" المؤسسة العسكرية (أو الأمنية) لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا يعتبر تحريفا لها عن مهمتها أو تحايلا على وظيفتها الرائجة بل عودة بها إلى أصولها ونقطة بدئها.
4- لن تكون التكنولوجيا هاته (" تكنولوجيا الإرهاب" أقصد) هي الضحية الوحيدة للإرهاب (مادام قد أعادها إلى موطن ولادتها ونشوئها)، بقدر ما تهاوت بجريرتها إيديولوجية "المجتمع الإعلامي الكوني" التي لطالما آمنت بها الدول الكبرى (والولايات المتحدة تحديدا) ودفعت بها لتكون ميزة القرن الحالي وتحقيقها أهم إنجازاته:
+ فلن تنساب تكنولوجيا المعلومات عالميا بعد اليوم (أي بعد 11 شتنبر) إلا وفق معايير وحدود ما تحدده "المؤسسة الأمنية" الأمريكية وترتضيه شركاتها المتخصصة.
+ ولن تقوم قائمة بعد هذا التاريخ، " لقرية إعلامية عالمية ميزتها الانفتاح والتفتح والحميمية" إلا بشروط ومحاذير سيعاد، في سياقها، تحديد مفاهيم "الحق في الإعلام الحر" و "الحق في الإبحار في الشبكات دونما حسيب أو رقيب" و "العيش كمواطن عالمي" وغيرها.
+ ولن يصبح، بعد التاريخ إياه، من معنى آخر للعولمة سوى "العولمة الأمنية" ذات الخلفية الاستخباراتية وعولمة التنسيق بين إدارات الداخلية ومكاتب التحقيقات و"اتفاقات" تبادل "المشتبه في كونهم إرهابيين " دونما إعمال لنصوص القانون أو لمبادئ العدل.
5- هل الإرهاب أقوى من التكنولوجيا إلى هذا الحد؟
من دون أدنى شك يقول البعض، وإلا فما السر في اختراقه (يوم 11 شتنبر أساسا) لأعتى ما تم التوصل إليه من تكنولوجيا التجسس والتنصت وتقنيات الاعتراض لكل أشكال المكالمات والمراسلات وأدوات مراقبة الدول والأفراد والمنظمات (المصنفة "إرهابية") في علاقاتها التجارية والمالية والمعلوماتية وغيرها.
ثم، يقول البعض الآخر: إذا كان الأمر كذلك (وهو كذلك إلى حد بعيد) فما الفائدة من عزم الولايات المتحدة المتزايد مثلا إقامة درع صاروخي" يقيها" ضربة خارجية في حال نشوب حرب شاملة؟ أليست حرب الإرهاب هي، بالمحصلة، حرب شاملة حتى وإن اكتست في شكلها الحالي كساء "حرب عصابات"؟
وهو قول لا يخلو من صواب، إذ ما وقع بأمريكا من تفجيرات يوم 11 شتنبر لا يعتبر في حد ذاته تحديا (لدرجة التقزيم) لكل ضروب القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية التي لطالما تباهت بها الولايات المتحدة أمام نفسها وأمام العالم، بل وتحديا أيضا لمشاريعها العلمية والبحثية والتكنولوجية التي تراهن عليها كي تؤمنها ضد أي استهداف خارجي حتى وإن كان ذا طبيعة إرهابية.
من الوارد أن تستفيد المشاريع إياها( لتطوير تكنولوجيا أكثر دقة وأشد حرصا من المتواجدة حاليا) من قوة ترتيبات منفذي أحداث 11 شتنبر.
ومن الوارد أيضا لجوء الإدارة الأمريكية (وكل الدول المستهدفة سيما بريطانيا) إلى زيادة تكثيف ترسانتها التشريعية وإجراءاتها المستقبلية لتعقب "المشتبه فيهم" حيثما تواجدوا أو تراءوا لها ...لكنها ستبقى مع ذلك هدف الإرهاب ومادته طالما أمعنت في سلوكها المتعالي، المترفع والمتجاهل لحق الأمم والشعوب في العيش وتقرير المصير وحقها في امتلاك ثرواتها وتداول السلطة الحر بين أبنائها دونما إكراه أو ابتزاز .
هي حقيقة جوهرية لا سبيل لتجاوزها: حقيقة ضرورة اعتراف أمريكا (والغرب عامة) بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومساعدتها للحصول عليه...وحقيقة ضرورة نأيها عن إفراز الإرهاب من بين ظهرانيها وبالعالم...بالظلم وبالحصار وبالاستغلال.
حينها لن تدور مراكزها العسكرية للبحث العلمي والتكنولوجي في حلقة مفرغة لمحاربة إرهاب بإرهاب، بل لربما ستخلص الشبكات والتكنولوجيا "البريئة" من خلفيتها العسكرية والأمنية التي ارتهنتها لصالحها من جديد ...وأخذت بجريرتها الدول والأفراد والجماعات.
* "تكنولوجيا الإرهاب"، جريدة العمل الديموقراطي، 6-13 يونيو 2002.