نزعم، من البدء، أن التكنولوجيا (معظم التكنولوجيا) تولد نخبوية الطبع لا يطالها التطبع إلا بعدما يتسنى لها السقوط في الفضاء العام كتطبيقات يسري عليها، في الشكل والجوهر، ما يسري على ما سواها من تطبيقات اقتصادية وتجارية وغيرها.
والواقع أن الطبيعة النخبوية للتكنولوجيا إنما تقوم وتتمأسس عبر صيرورتين منفصلتين في الزمن، لكنهما متكاملتين في المكان والوظائف:
+ فالبحث فيها (في التكنولوجيا أعني) ليس أمرا مشاعا أو مباحا للعامة، بل هي مسألة حصر وحكر على فصيل من ذات العامة محدود، عالي التكوين، متمرس، يعمل في إطار شبكي ويختلف عما سواه من "العامة العادية" بامتلاكه لخاصيتي "طول النفس" والمراهنة على الاستمرار والتحدي.
+ وتصميمها، كما تحديد مواصفاتها كما تجريبها (قبل التصنيع) ليس بالأمر المتاح "للعامة" من الدول والمؤسسات، بل أضحى مسألة لصيقة بالخاصة من العامة إياها التي توفقت (وتفوقت) في هيكلة بنى البحث العلمي ومأسسة التطوير التكنولوجي ورصدت لبلوغ ذلك المال والبشر بعدما ترسخت عندها، قبل كل هذا وذاك، العزيمة وتأكدت لديها الإرادة والرغبة.
لا تبدو الطبيعة النخبوية للتكنولوجيا، من هنا، مقصورة على خاصة من القوم محددة فحسب (أعني نخبتها المميزة)، بل تتعداها إلى " نخبة" الدول والمؤسسات التي تسنى لها الانفراد بناصية البحث العلمي وتحويله إلى معارف تكنولوجية ثم إلى تطبيقات تقنية ثم إلى " منتجات" اقتصادية ف" سلع" تجارية وهكذا.
نحن إذن، بالحالة الأولى كما بالثانية، إنما بإزاء منظومة بنيوية تبدأ بالمختبر وتنتهي بالسوق في إطار حركية دائمة ومستمرة قد تتجدد في الشكل والعناصر، لكنها نادرا ما تتأثر كثيرا على مستوى المضمون والفلسفة والجوهر.
ومعنى هذا أن مسألة النخبوية لا تنحصر عند مستوى المختبر أو الدولة أو المؤسسة التي كانت وراء الإبداع التكنولوجي (أي إبداع)، بل يتعداه قطعا إلى مستوى البلوغ (بلوغ الأسواق) ومستوى الاستعمال، أي استعمال المستجد عندما يتاح له أن يجتاز مراحل البحث والتصميم والتجريب وما سواها.
ومعناه أيضا وتحديدا أن المستجد التكنولوجي لا يلتقطه الطلب العام المباح بالسوق عامة، بل يلتقطه فصيل "خاص" من ذات الطلب لديه الحاجة المباشرة لاستقطاب ذات المستجد (إذا لم يكن قد صمم وأخرج له خصيصا) أو لديه الإمكانات لاقتنائه أو توفرت لديه الثقافة للانتقال من مستجد إلى آخر وهكذا.
يبدو الأمر إذن ولكأن صفوة التكنولوجيا (وهي كذلك في مولدها وصيرورتها) إنما تصاغ وتصمم وتجرب ليتم لصفوة القوم (النخبة أعني) اقتناءها عند الحاجة الملحة إليها كما في حالات عدم توفر ذات الحاجة... أي الاقتناء بغاية المباهاة أو بهدف التميز أو على خلفية من رغبة الاقتناء من أجل الاقتناء التي غالبا ما تطبع سلوك النخب.
ليس من الهين في شيء أن تتخلص التكنولوجيا (معظمها أعني) من نخبويتها ولا من طبيعة الصفوة التي تطبعها. فذات الطبيعة هي ملازمة لها في المولد، مصاحبة لها في النشأة والصيرورة ومضمرة في ثناياها إلى ما لا نهاية.
لكنها (التكنولوجيا أقصد) لا تستطيع أن تبقى حبيسة الطبيعة إياها أو رهينتها، بقدر ما تدفع ببعد "التساوق الجماهيري" الذي يميز تطبعها في الشكل كما في المضمون.
والحقيقة أن انتقال التكنولوجيا من الطبيعة النخبوية الملازمة لها إلى خاصية التطبع الجماهيري التي تؤول إليها إنما تفترضه اعتبارات ومبررات عدة:
+ فالتكنولوجيا (ولنقل تمظهراتها التقنية) غالبا ما يطالها التقادم الزمني وتفقد من جاذبيتها النخبوية سيما بعدما يضغط السوق ودورة رأس المال بجهة توسيع فضاء اقتنائها على خلفية من تزايد اقتصاديات السلم بصلبها كلما اتسع مجال ترويجها.
وهو أمر لا يتعذر التحاجج بشأنه كثيرا، إذ تكنولوجيا النقل كما التواصل كما الاتصال كما غيرها إنما تراجع بعد النخبوية بصلبها بعدما انحسر "سوق النخبة" وأضحى إكراها موضوعيا لا سبيل لتجاوزه إلا سبيل "الترويج الجماهيري" الذي يضمن المردودية ويرفع مستويات الربح.
لا تزيح ذات الوسيلة عن التكنولوجيا طبيعتها النخبوية (فالسيارة مثلا تبقى نخبوية بحكم امتلاك الأرفع نوعا ضمنها من لدن صفوة القوم)، لكنها تصبغ عليها " بعدا اجتماعيا" يخال للمرء معها أنه يتملك الرمز في حين لا يعدو الأمر سوى كونه يمتلك الأداة كعتاد للاستهلاك لا تماهي ثقافي لديه معه.
+ ثم أن التكنولوجيا لا يتحدد سياقها العام بالامتلاك العابر بقدر ما يتحدد وسبل تملكها الرمزي الذي يطبع أفقها الثقافي ويجعلها جزءا من منظومة لا عنصرا طارئا على ذات المنظومة، دخيلا عليها.
لا يروم التلميح هنا اقتناء البعض لمستجدات تكنولوجية بغرض الاستعمال الصرف (الاستهلاك العادي أعني كما تستهلك باقي السلع والخدمات)، بل ويروم أساسا تعامل ذات البغض مع التكنولوجيا كتقنيات وكأعتدة وكغيرها لا قيمة كبرى في خضمها للثقافة أو للرمز أو للمنظومة الثاوية خلفها.
والقصد من ذلك إنما القول بأنه لو سلم المرء بوظيفة ذات المستجد (لدى النخبة كما لدى الجماهير)، فإنه سيسلم حتما بأن تمثلهما لذات المستجد ليس واحدا وليس بالضرورة موحدا.
فنجاح الهاتف النقال بدول أوروبا الشمالية ترتب عن حاجة اجتماعية قصوى تمثلت في انتشار الجماهير على فضاءات من الجزر واسعة، في حين أن انتشاره فيما سواها من دول جاء نتيجة قصور في الاتصالات داخل الفضاء الواحد...وهكذا.
"يستهلك" الهاتف النقال في الحالة الأولى كنتاج لإكراه طبيعي موضوعي، في حين أن "استهلاكه" في الحالة الثانية لا إكراها طبيعيا بداخله حتى وإن كان الطلب به موضوعيا.
بالتالي، فالجماهيرية الموضوعية بالحالة الأولى لا توازيها إلا "نخبوية موسعة" لاعتبارات مماهاتية صرفة. بالتالي أيضا فالطبيعة النخبوية للتكنولوجيا تبقى محكومة بمجال الممارسة وفضاء الاقتناء وضروب تمثل الأفراد والجماعات للتكنولوجيا. إذ أن تحول ذات التكنولوجيا إلى الجماهير لا يعني انتزاع خاصيتها النخبوية...إذ هي تبقى مميزة لها، طابعة لها كائنة ما تكن سعة مجال انتشارها.
لو جاز للمرء أن يسائل واقع حال دول العالم الثالث على ضوء ما سبق من حديث، لاستوقفته حتما مجموعة ملاحظات تشد عن القاعدة ولا تؤسس للاستثناء في الآن معا:
+ فمعظم ما استجد من تكنولوجيات بذات الدول إنما كان ولا يزال مكمن استيراد لها من بلدان صممت ذات التكنولوجيا لنخبها (لجماهيرها فيما بعد) ولم يكن لها بداية الأمر أدنى تطلع لتعميمها على ما سواها من دول وشعوب على أساس هذه الخلفية أو تلك.
ولما كانت دورة رأس المال (التي تحكم سياق التكنولوجيا في المنبع والمصب) هي الطاغية أصلا وبالمحصلة، فإنه من تحصيل حاصل القول بأن التكنولوجيا (كل التكنولوجيا) المتوافرة من مدة وإلى اليوم بالعالم الثالث إنما هي دخيلة عليه جملة وتفصيلا.
والواقع أن " نخب الاستعمار" كما " نخب الاستقلالات" كما " نخب" ما بعد ذلك بقليل أو بكثير، إنما هي نخب مستلبة بامتياز "نقلت" التكنولوجيا (أو نقلت إليها) لكونها كانت (أو ما تزال) تتماهى مع نخب المركز، تعتبر نفسها وإياها من ذات الطينة أو تتساوق معها في إيديولوجيا الاقتناء والاستهلاك.
هي نخبوية بامتياز على الأقل بالقياس إلى الشريحة الممتلكة لذات التكنولوجيا وتطلعها للغربنة والمماهاة، لكنها أيضا وبالأساس نخبوية ماسخة، مكرورة، لا تغرف لا من العين ولا من المقاصد.
+ ثم أن معظم ما استجلبته "النخب الحاكمة" (من مرحلة الاستقلالات وإلى اليوم) لم تحكمه الاستعمالات الشخصية العادية (والبريئة يقول البعض)، بل احتكم في استجلابه إلى ما توفره ذات المستجدات من وظائف ومهام لا يبدو معها الاستخدام الشخصي إلا رافدا من الروافد ليس إلا.
فتكنولوجيا التلغراف "المستجلبة" كما تكنولوجيا الهاتف والإذاعة والتلفزة والسينما والحاسوب وما سواها، لم تحكمها بالأساس إلا اعتبارات الأمن ومراقبة الأفراد والجماعات في حلهم وترحالهم والتنصت على ما يصدر عنهم كلاما أو صورة أو معطى سواء بسواء.
لا تبدو العديد من هاته المستجدات نخبوية في تركيبتها العضوية فحسب (وهي على أية حال مستوردة من لدن النخبة ومن أجلها)، بل تبدو مكونا من مكونات حفاظ النخب الحاكمة على ما تسنى لها جنيه من "خروج الاستعمار"أو ما تسنى لها اقتناصه بعد ذلك من ثروات نتيجة تسيب المال العام واستنبات الإكراه من بين أيديهم وعلى أيديهم أيضا.
لم يعد "الطابع" النخبوي للتكنولوجيا حصرا على هذه الأخيرة (أي على طبيعتها وصيرورتها التاريخية)، بل تعداه ليضحو "امتيازا" لدى النخب الحاكمة لمراقبة الجماهير وإعمال مبدأ الرقابة لتتبع حل أعضائها وترحالهم.
+ من باب تحصيل حاصل الاعتراف بأن العديد من المستجدات التكنولوجية إنما أضحت بامتياز جماهيرية الطبع بعدما تقادمت بصلبها "الطبيعة النخبوية" التي لازمتها في الزمن والمكان...وهو حال النقل والإذاعة والتلفزة والهاتف وما سواها من مستجدات دون شك.
لكنها على الرغم من ذلك تبقى محكومة بالوظيفة غير المباشرة أكثر مما هي محكومة بالاستعمال المباشر...إذ ما دامت الوظيفة بالعالم الثالث هي بالأساس من عمل الدولة والاستخدام من وظيفة الفرد وفي أحسن الأحوال الجماعة، فإن الغلبة في استعمال التكنولوجيا تبدو حتما ولكأنها لفائدة الدولة...الدولة لا سواها.
* " في نخبوية التكنولوجيا"، جريدة العلم، 27 يناير 2004.