الحديث في الثقافة والمعرفة، مماهاة أو تناقضا وممانعة، يقتضي بداية التحوط من مسألتين منهجيتين أساس، لا يمكن القفز عليهما بسهولة:
+ الأولى وترتبط بالمفهومين، مفهوما الثقافة والمعرفة. فهما مفهومان غير قارين في الزمن والمكان، ومضمونهما يختلف باختلاف السياق الذي يعتملان به. بالتالي، فهما مفهومان متحركان ومتحولان في مضمونهما، وفي المجال الذي يغطيانه.
+ الثانية وتتعلق بالتمثل. إذ ما قد يكون ثقافة ومعرفة لهذا، قد لا يكون كذلك بالنسبة لذاك، وما قد يصنف باعتباره مادة ثقافية لدى هذه الجهة، قد لا يكون كذلك بالضرورة بالنسبة للجهة الأخرى، بحكم اختلاف السياق وتباين المرجعيات، ولربما أيضا بحكم التحديد المعتمد هنا أو هناك للثقافة وللمعرفة.
ومع ذلك، فإن المفهومين غالبا ما يستخدمان للتعبير عن "مجموع التقاليد والتقنيات والمؤسسات التي تميز مجموعة إنسانية ما، ووصف مجموع المقتنيات الذهنية لفرد ما، أو بصيغة اختزالية لتجميع كل الإبداعات الماضية والمعاصرة لهذه المجموعة".
بالارتكاز على هذا التحديد، يمكننا القول بأن الثقافة، باعتبارها دعوة مستمرة للفهم والمعرفة، إنما هي نتاج عاملين جوهريين اثنين:
°- فهي نتاج تراكم تاريخي، يخترق الأجيال، ويتجاوزها في الزمن والمكان، ويفسح المجال لكل جيل، كي يضيف إلى هذا التراكم، أو "يحذف" منه، بما يتناسب وظروفه الاجتماعية أو سياق محيطه الحضاري.
°- وهي أيضا نتاجا معاصرا، أي نتاج التفاعل الاجتماعي القائم، الذي بإمكانها أن تشكله وفق قوالبها الخاصة وسلوكياتها، ومستوى حركية أفرادها. بالتالي، فإن لكل ثقافة "بيئة محلية وتاريخية ومجتمعية، ولها توازناتها الذاتية، المستمدة من معطى المنابع والمصادر الأصلية لهذه الثقافة، ومعطى الواقع وتفاعلاته. لذلك، فإن لكل ثقافة شخصية متميزة عن الثقافات الأخرى".
يبدو إذن أنه من الطبيعي أن تتعدد تحديدات المفهوم وتتباين، بتعدد وتباين المرجعيات والانتماءات المعرفية والمشارب الأنتروبولوجية:
+ فالثقافة، من منظور الأنتروبولوجيا، هي المضاف الإنساني إلى حالات الطبيعة، أي كل المكتسبات، والإنجازات النظرية والعملية، التي أنتجها الإنسان طيلة تاريخه الاجتماعي والبشري والاقتصادي.
+ ويحددها قاموس أكسفورد باعتبارها "الاتجاهات والقيم السائدة في مجتمع معين، كما تعبر عنها الرموز اللغوية والأساطير والطقوس، وأساليب الحياة، ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والسياسية".
+ ويعرفها إدوارد تايلور باعتبارها "هذا الكل المعقد، الذي يتضمن المعرفة والاعتقاد والفن والحقوق والأخلاق والعادات، وكل القدرات والأعراف الأخرى التي اكتسبها الإنسان كفرد في المجتمع".
+ أما وليام أوجبرن، فيقسم الثقافة إلى مجالين: المجال المادي، من أشياء وأدوات وغيرها، والمجال "المتكيف"، والذي يضم الجانب الاجتماعي تحديدا، من عقائد وتقاليد وعادات وأفكار ولغة وتعليم وما سواها. وهذا الجانب (جانب "الثقافة المتكيفة") هو الذي يعكس بنظره، سلوك الأفراد في المجتمع.
+ بالنسبة لمنظمة اليونسكو، فإنها تنظر إليها على أنها "جميع السمات الروحية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. وهي تشمل الفنون والآداب وطرق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات".
+ أما مالك بن نبي فيعرف الثقافة في كونها "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية، التي يلقاها الفرد منذ ولادته، كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه. والثقافة على هذا، هي المحيط الذي يتشكل فيه الفرد طباعا وشخصية. وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها. فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر. وهكذا، نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه، فلسفة الإنسان، وفلسفة الجماعة، أي معطيات الإنسان ومعطيات المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجرها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات".
الثقافة إذن، من منظور بن نبي، هي محيط معين، يتحرك في حدوده الإنسان، فيغذي إلهامه ويكيف مدى صلاحيته للتأثير عن طريق التبادل. بالتالي، فهي "جو من الألوان والأنغام والعادات والتقاليد والأشكال والأوزان والحركات، التي تطبع حياة الإنسان اتجاها وأسلوبا خاصا يقوي تصوره، ويلهم عبقريته، ويغذي طاقاته الخلاقة...إنها الرباط العضوي بين الإنسان والإطار الذي يحوطه".
وعلى الرغم من اعتبار بن نبي الثقافة ككل متماسك، فإنه مع ذلك لا يتردد في التركيز على أربعة عناصر ضمنها، تبدو له أساسية لفهم أبعاد الثقافة:
++ العنصر الأول عنصر أخلاقي، ليس من الزاوية الفلسفية الصرفة، بل في امتدادات الثقافة على المستوى الاجتماعي. يقول بن نبي في هذه النقطة: إن "المجتمع الذي يتجمع لتكوين حضارة، يستخدم نفس الغريزة، لكنه يهذبها ويوظفها، بروح خلقية سامية...هذه الروح الخلقية منة من السماء إلى الأرض، تأتيها من نزول الأديان، عندما تولد الحضارة. ومهمتها في المجتمع، ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم بقوله: "وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " (ص).
++ العنصر الثاني عنصر جمالي، إذ الصورة، لا سيما إذا كانت جميلة بديعة، غالبا ما تطبع مخيال الفرد، ثم أفكاره وأعماله، فتدفعه للإبداع واستنبات القيم الجميلة، واستظهار المعالم الكبرى التي غالبا ما تكون بحاجة للصقل والتمرين.
++ العنصر الثالث عنصر عملي، "لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا، غير أن العقل التطبيقي، الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه، فشيء يكاد يكون معدوما".
++ أما العنصر الرابع فعنصر مرتبط بالصناعة، باعتبارها الفن التطبيقي الذي يضم كل أشكال الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم. ويعتقد بن نبي "أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه، وربما لبناء مجده، ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه".
لم التركيز على هذه العناصر، يتساءل بن نبي؟
إنها، بنظره، المكونات الكبرى التي تتكامل، لتشكل نسقا يبدأ من الفكرة وينتهي بالإنتاج. وبناء عليه، فإنه يخلص إلى الاعتقاد بأن "اختلاف مضامين الثقافات، يؤدي إلى اختلاف الآثار على المستوى المجتمعي".
معنى ذلك، أنه إذا "كانت مضامين الثقافة صالحة ودينامية، فإن هذه الثقافة ستكون عاملا مهما من عوامل النهوض بالحياة الاجتماعية. وإذا كان مضمون الثقافة فاسدا سيئا، فإنها ستؤثر على فاعلية المجتمع، وتجعل النمو الاجتماعي صعبا أو مستحيلا".
إن الأهمية القصوى التي يوليها مالك بن نبي للثقافة، إنما مردها إلى دور هذه الأخيرة في إعادة البناء الحضاري للأمة، وكذلك لكونها تلخص تجربة المجتمع ووعيه بذاته وبمحيطه.
بالسياق ذاته، فإن الاهتمام بالثقافة في نظره، إنما من شأنه أن يعيد لها الاعتبار في التحولات المجتمعية وفي النسق الاجتماعي، بعدما أغفلت لفائدة البعدين الاقتصادي والسياسي في ذات النسق.
وبما أن المسألة الثقافية تلخص تجربة الأمة والمجتمع، ووعيها بذاتها وبمحيطها، فهي "تشكل نافذة أساسية، يطل من خلالها المرء على العالم وأحداثه وتطوراته. وعن طريق الجهاد الفكري والمعرفي، تتحول الثقافة في محيطها الخاص والعام، إلى ثقافة فاعلة وإيجابية، وتنقل الكتل البشرية المختلفة من موقع الصمت السلبي أو الاستهلاك الدائم، إلى موقع المشاركة الإيجابية في مسيرة المجتمع والوطن".
من جهة أخرى، وفي حديثه عن ثنائية الأصالة والمعاصرة في النقاش الدائر، يقول بن نبي التالي: "إن من الأخطاء العميقة التي وقع فيها الكثير من الكتاب والمثقفين، أن عطاءهم الفكري والثقافي انطلق إما من موقع تراثي، لا يرى في العلم الحديث ومكتسبات العصر ما يستحق الذكر، والاستفادة منه. أو من موقع القطيعة مع الثقافة الذاتية، والوقوف على أرضية الثقافة الغربية ومفاهيمها...وكلا الموقفين قد ضيعا المسألة الجوهرية في هذا المضمار: التراث المنغلق ضيع مكاسب العصر وإنجازاته، والمغترب المتعالي قد ضيع تاريخه وقيم مجتمعه الجوهرية...".
وانطلاقا من منطق الإلغاء والنفي كل منهما للآخر، فقد تحول النقاش إلى تبادل للاتهامات، و"أصبحت براهين الطرفين وحججهما واحدة تقريبا في الشكل والمضمون ومنهج الحوار. ورغم اختلاف الحقب، وتبدل السياق التاريخي والاجتماعي والفكري، فقد أخذ أصحاب الحداثة على خصومهم، تخلف تفكيرهم ومعاداتهم للتقدم، وضلوعهم نتيجة ذلك موضوعيا، مع القوى التي تريد للمجتمع العربي أن يبقى في حالة الانحطاط التي هو فيها...".
هذه المساجلات والاستقطابات المتبادلة لم تفرز بنظر بن نبي، إلا مزيدا من تضياع الوقت والجهد. إذ العطاء الثقافي برأيه، إنما يتميز بتكامل عنصري المعادلة، أي الأصالة والمعاصرة، ولا يمكن بالتالي المفاضلة بينهما، وإلا لسقط المرء في المقايضة بين الماضي وبين الحاضر.
وعن علاقة الثقافة بالحضارة، يقول بن نبي: "إن مشكلة كل شعب، هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته، ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلية، إلا عناصر للملحمة الإنسانية، منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن".
* "في الثقافة والمعرفة الهادفة"، 7 نونبر 2011. أخبار بلادي، 13 نونبر 2011.