تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الثقافة الهدامة والإعلام الأسود: من هيروشيما إلى بغداد ومن خراب الروح إلى العولمة"

نزيه الشوفي،  منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005.

 1- أنشئت منظمة اتحاد الكتاب العرب بناء على قرار من مجلس الوزراء السوري بتاريخ 28 يناير من العام 1969. يوجد مقرها بدمشق، وتعنى بقضايا "التأليف والترجمة في مجالات الشعر والقصة والمسرح والنقد والدراسة والبحث وما يتصل بها من نشاطات فكرية في الحقل الثقافي والأدبي". 

يعرف الاتحاد الكاتب في الشخص "الذي يمارس مهنة الكتابة بمستوى فني مقبول في أحد المجالات المذكورة في تعريف المهنة، وله كتاب واحد مطبوع على الأقل".

ويعمل الاتحاد على تحقيق العديد من الأهداف لعل أبرزها:  "رصد الواقع العربي في الإنتاج الأدبي والثقافي... واستلهام الجوانب الكفاحية والإنسانية في التراث القومي والأدب الشعبي لتطوير الأدب العربي وإغنائه ووضعه في تيار الأدب الطليعي العالمي...  وإذكاء روح المقاومة والصمود لدى المواطن العربي في وجه الأخطار التي تهدد الوجود العربي وتحاول عزله وإلغاء دوره الأساسي في النضال العالمي ضد الاستعمار والإمبريالية... ومجابهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والرجعية على الصعيد الثقافي والقومي والسياسي...ومحاربة التيارات الثقافية المنحرفة الداعية إلى الانحلال والانهزامية والاستسلام للواقع الفاسد الذي يعانيه المجتمع العربي...والتأكيد على حرية الكلمة ذات المدلول القومي والبعد الاشتراكي التقدمي... والانفتاح على الأدب التقدمي في الوطن العربي والعالم".

من شروط عضويته أن يكون الكاتب من "مواطني الجمهورية العربية السورية، أو من مواطني أحد الأقطار العربية. ويقبل المغتربون العرب بصفة أعضاء مشاركين ويحدد ذلك في النظام الداخلي للاتحاد". ويتكون الاتحاد من المؤتمر العام، من مجلس الاتحاد والمكتب التنفيذي وجمعيات الاتحاد، ولكل منها صلاحيات يحددها القانون أو يتم التوافق عليها بالمؤتمر العام. 

2- يضم كتاب "الثقافة الهدامة والإعلام الأسود" لنزيه الشوفي مقدمة وخمسة فصول أفرد الكاتب كل منها لعنصر من عناصر الإشكالية المعروضة:

+ بالمقدمة، يستهل الكاتب دراسته بالقول: " تمكنت الثقافة السوداء (عن طريق وسائل الإعلام) من تكثيف عمليات اقتحامها للدول والشعوب وثقافاتها القومية، ووجهتها نحو اتجاه واحد هو نسف الوقائع الحضارية والعقلية للشعوب، مستخدمة في ذلك الأدوات المادية المتقدمة من علم وتكنولوجيا وتطبيقاتهما، وفي مقدمة هذه الوقائع المستهدفة المنجزات التاريخية الروحية لهذه الشعوب، وهي ثمرة التأمل والتفكير والإدراك والوعي والمثل أو القيم... بغية تمهيد السبيل إلى السيطرة الأخطر وهي ترويض العقل وصولا إلى تخريبه وبالتالي تفكيك شخصية الفرد وصولا إلى غاية أعلى وهي تخريب الكيان الاجتماعي للشعوب، ومن ثم نسف هويتها القومية وقطع الصلة مع تراثها...‏ ".

ويتابع: لقد دأبت "الثقافة السوداء بالعمل على تغيير أنماط السلوك البشري. وقد نجحت في هذا الجانب عن طريق وسائل الإعلام وعلاقاتها بالدول والأنظمة في العالم كافة وفي الوطن العربي خاصة. نجحت فيما تسميه تحديث المعارف على أساس عولمي، أو الانسجام مع الأوضاع العالمية الجديدة وفي أولها التعليم... وذلك لكي تلعب هذه الثقافة الدور الأساسي المرسوم، وهو توجيه التاريخ والدراسات العلمية في وطننا العربي...". 

ففي مجال الفكر والأدب، يقول الكاتب، "أعلن القطب الأوحد عن دفن المنجزات التي حققها النظام الرأسمالي العالمي (الذي يسميه هذا القطب بالتقليدي) وكان قد طبل لها مفكروها وزمروا عبر نصف قرن ونيف، أي منذ هيروشيما وحتى نهاية القرن العشرين، الذي بدأ بذبح العرب وانتهى بذبحهم على هذا النحو المأساوي الذي ما زلنا نشهده حتى اللحظة، بكل صمت المتفرج اليائس...

 وتجلت هذه المنجزات في ظواهر الليبرالية، والنزعة العقلانية في الفلسفة والفكر، والديمقراطية المفتوحة والعلمانية و... الحداثة...  وقد أضفت الإيديولوجيا طابعها على هذه الظواهر، كرد على إيديولوجية الآخر، سواء كان هذا الآخر المعسكر الاشتراكي الراحل، أم حركات التحرر القومي التي تصاعدت في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، وأضحت مركز الثقافة العالمية.

 ثم، وبعد التراجعات المتلاحقة في سياسة الاتحاد السوفييتي حيال الثقافات القومية والروحية، تحول ميزان الارتكاز لتصبح ثقافة المركز هامشية منذ ثمانينات القرن الماضي. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتابعاته تفردت الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والقطب الواحد بهذا العالم وشعوبه ومصائرها وثقافاتها وما إلى ذلك...".‏ 

وعند نهاية الحرب الباردة وظهور القطبية الواحدية، يلاحظ الكاتب، "جاء الإعلان عن نهاية مرحلة الحداثة وبدء مرحلة جديدة هي ما بعد الحداثة كمنحى سياسي وثقافي شمولي، واقتصادي عالمي يندرج تحت لواء النظام العالمي الجديد... وهو نظام سياسي، اقتصادي وعسكري وثقافي يسعى لابتلاع الطبيعة والبشر وهضمهم ثم إعادة إنتاجهم على هيئة سلع... وقد ولد هذا النظام الجديد من رحم النظام السابق... الرأسمالي...".

بالتالي، يرى الكاتب، فإن إعلان فوكوياما عن نهاية التاريخ، إنما هو إيذان ببداية مرحلة ما بعد الحداثة ودفن منجزات النظام السابق ووقائعه المادية والروحية... التي سقطت ميتة على عتبة الموجة الثالثة للحضارة الراهنة التي لا بديل  للبشر فيها إلا "الخضوع لواقع الحال، والانصياع إلى البنية المادية والروحية الجديدة (العولمية)...".

ولما كانت العولمة نظاما عالميا جديدا، فإنها "تسعى إلى نسف عدوها رقم واحد وهو الهويات القومية التي تنظر إليها على أنها الصخرة الكأداء الهائلة التي تقف في طريق انتشار تلك القرية الكونية المنفلتة من حبال الماضي وحضورها في الواقع الراهن تأسيسا لمستقبل منسلخ عن تاريخه...": نسف كل الهويات عدا هوية واحدة هي هوية السوق واستبضاع الإنسان الرقم أو السلعة... هذا هو محور فلسفة العولمة...التشيؤ والانقراض والتنميط).‏

وفي إطار مرجعيات العولمة الأساسية الأخرى، الموجهة إلى الشرق كمقدمة للانقضاض على هويته، يلاحظ الكاتب أن هذه الثقافة قسمت الإسلام إلى قسمين: الإسلام الأصلي، والإسلام الأصولي متجاهلة أن "الإسلام واحد بمنابعه الفاضلة ومقاصده السمحاء".

 إن نظام العولمة الراهن، يقول الكاتب، إنما يستهدف "إقصاء الماضي عن الحاضر والحاضر عن المستقبل... عبر تقديم الأداة التكنولوجية المتطورة لنسف هذا الماضي وقطع الجذور". 

وهو الجانب الذي ركز عليه صموئيل هنتينغتون في طرحه لصدام الحضارات أو صراعها، أي صدام الحضارة الثالثة مع عدوها الأساسي وهو القوميات، ووضع صيغة تفسيرية للصراع في القرن الواحد والعشرين قائمة على العامل الثقافي كمحور للصراع.

برأي هنتنغتون، " ليس هناك ثقافة أكثر قوة وكفاءة وأكثر قدرة على التحدي ومواجهة الغرب إلا الحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية اللتان ترفضان الانقياد للغرب وحضارته كما ترفضان برامج العولمة ودعوتها للهيمنة على شعوب الأرض"... ولذلك استخدم هنتينغتون مفهوم الثقافة بمعنى الحضارة (والحضارة لديه تعني الثقافة) وذلك لينسف الماضي كله بقيمه ومعتقداته ورموزه وأفكاره...  وصور الصراع أو الصدام الذي سيحدث في القرن الواحد والعشرين على "أنه سيقتصر فقط على الحضارة الغربية من طرف والحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية من طرف آخر".‏

لكن هنتنغتون لم يستخدم الدين كمعيار للتصنيف إلا عندما يتحدث عن الدين الإسلامي أو الحضارة الإسلامية... كما أنه يصنف الحضارات استنادا لمناطق جغرافية أو بيئية أو عرقية أو دينية...

الثابت، يقول المؤلف، أن "هناك مجتمعات تتقاسم روابط ثقافية تتعاون مع بعضها البعض، والدول تجمع نفسها حول الدول الأساسية الرائدة أو الكبرى من نفس حضارتها أو ثقافتها. أما ما يتعلق بافتراض هنتنغتون، فإنه يقوم على أساس المصدر الرئيسي للصراع بعد الحرب الباردة. فهو لن يكون صراعا إيديولوجيا أو اقتصاديا، إنما يكون صراعا ثقافيا".  

بالتالي، ففكرة الصراع التي تعبر عن تصورات السياسة الأمريكية إنما تقوم على الصدام بين الإسلام والغرب، على اعتبار (يقول هنتنغتون) أن "الإسلام ومنذ البداية كان دين سيف ودينا يدعو للجهاد كوسيلة أساسية لمحاربة الأعداء. وبهذا فإن الصراع بين المسلمين والغرب قديم، وهو ما سوف يكون ممتدا في القرن الواحد والعشرين".

بامتداد ذلك، فلسف هنتنغتون مقولته معتبرا النمو السكاني للعالم الإسلامي ذا تأثير كبير على مستقبل هذا العالم نفسه وعلى علاقاته مع الحضارات الأخرى، إذ من شأنه أن يجعل هذا النمو "عاملا أساسيا ومهما في مد الصحوة الإسلامية بالعناصر الشابة النشطة المؤمنة بقيمة الحضارة الإسلامية. وهذا سوف يشجع التطرف وهجرة العناصر الشابة المدربة من المسلمين إلى أوروبا، مما تتصاعد الصعوبة معها بخاصة إذا ما علمنا أن المجتمع الغربي نفسه لم يعد قادرا على استيعاب هذا التنوع الثقافي".

وقد زادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 " من مخاوف الغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت الذرائع المناسبة... في إعلان مواقفها السياسية المعادية للعرب والمسلمين صراحة وتحت يافطة محاربة ما تسميه الإرهاب معتبرة ما حدث يمثل تحديا وإعلان حرب ضدهم".

ومع ذلك، يشير هنتنغتون إلى أن حضارة الغرب ستبقى الأكثر قوة، محتفظة بحالة جيدة وهي تدخل الألفية الثالثة. وأن الحضارة الغربية هي الوحيدة بين الحضارات التي كان لها تأثير هائل وتصفوي على كل حضارة نتيجة للعلاقة بين قوة وثقافة الغرب وقوة وثقافات الحضارات الأخرى... لذا فإن القضية الأساسية بين الغرب وباقي العالم هو التنافر بين جهود الغرب لتكريس عالمية الثقافة الغربية وبخاصة أمريكا، وبين الحضارات الأخرى التي تؤكد على خصوصيتها الثقافية والحضارية".

الصراع آت لا ريب فيه إذن بنظر هنتغتون، "وسيكون صراعاً ثقافيا وليس إيديولوجيا أو طبقياً هذه المرة، ويأخذ طرقا مختلفة من أبرزها الغزو الثقافي عن طريق العولمة".

وعلى هذا الأساس، فإن "الحشد الهائل من الإعلام الأسود، دون سلاح مقاوم، اجتماعي وثقافي، يحدث الآن حالات التشيؤ والانهيار، وذلك بغياب القيم التي تخترقها أجهزة الإعلام الأسود وثقافته، غياب الأخلاق القيمية، لتجزئ المجتمعات العربية وبالتالي إقامة فجوة بين الأعلى والأدنى من فئات المجتمع، وانتشار حالات الفساد والإفساد، سواء بالسيولة المالية الهائلة المتاحة في عدد من المؤسسات العربية، أم بالتقنيات المستجلبة دون ضبط لعملية الاستفادة منها واستخدامها...".

وفي هذا المجال، يقول الكاتب، تلعب وسائط الإعلام والوسائط المعلوماتية " دورا فظيعا في هذا السياق خاصة إذا علمنا أن وسائل الإعلام الغربية، المقروءة والمسموعة والمرئية، تضخ على مدار الساعة ما معدله 75% من ساعات البث الموجهة إلى عالمنا العربي، برامج هادفة ومركزه بدقة من أجل تعميم هذه الثقافة المنافية للقيم والأخلاق والهوية والمنجز التاريخي القومي...". ‏

  بالتالي، وجبت "إعادة النظر في بحث الثقافة العربية المعاصرة، والثقافة الجماهيرية على ضوء المستجد الحاصل والتبدل الجديد... أي الانتقال من روح العصر أو عقل الزمن، إلى تسليع الثقافة وتصنيعها على ضوء التطور الحاصل في جسم هذه الظاهرة منذ نصف قرن حتى الآن... أي من هيروشيما إلى ما نحن عليه الآن من تحولات مأساوية وأحداث دامية جرت على رؤوس أبناء هذه الأمة منذ صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى المسرح السياسي الدولي حتى احتلال العراق...‏".

 + بالفصل الأول ("الثقافة الحقيقية والثقافة الضيقة") يقف الكاتب عند مفهوم الثقافة الجماهيرية، وحدودها وفحواها الأخلاقي والمعرفي والإنساني، ويعرفها بأنها "خرافة موضوعية" قياسا إلى الخرافة الأسطورية أو "الخرافة الواعدة بخلاص الإنسان دون أن تعد بديمومة الحياة".

الثقافة الجماهيرية، بنظر الكاتب، لا تعني فقط رفض الخرافة بل تحجم النظرة الإنسانية الخاصة، تماما كالخرافة التوراتية التي تحاول أن " تربط بقيودها كثيراً من بسطاء الناس في أوروبا وأميركا وتوثق أعناقهم بقيود أسطورة لا محل لها على الأرض ولا في السماء".

فهي بتأكيدها على القيمة الراهنة واللحظوية، "أضحت عمياء تجاه قيمة المستقبل، لأن القيمة الراهنة تموت، وتفنى بعد الحصول عليها، وتميت اللحظة ذاتها بمرورها أو بعد استخدامها"... وهو الحال بالإعلام مثلاً، إذ "الخبر الصحفي أو التلفزيوني أو السينمائي وغيره من وسائل الإعلام، المساعدة أو المكونة للإعلام الجماهيري، تعيش لحظة الإثارة المباشرة ثم تنقضي".

الثقافة الجماهيرية تعيش بالأساس على الطابع الكينوني الفردي، "لأن الإنسان الوجودي يطمح دوماً ودون تحفظ إلى إبداع الإنتاجات الغرائزية، الجذابة والتسلوية دون الاهتمام بمحتواها أو مكوناتها. 

وبالزمن المعاصر تتحول هذه الثقافة إلى ثقافة إلكترونية مرتكزة على مفهوم التجارة والمادة.

 ويعتقد الكاتب بهذه النقطة، أن "أزمة الثقافة الجماهيرية هي ليست في تقدم التكنولوجيا، بل في كيفية استخدام هذه التكنولوجيا وفي توجهها نحو الجانب العلمي التجاري الذي يدفع المثقف أديباً وفناناً، إلى حالة الحرب الذاتية من أجل اللحاق بالسوق فيتحول إلى منتج كمي لا نوعي، وبالتالي يتحول العقل إلى نموذج تجاري، لا ثقافي/ معرفي".‏

ويعتقد أيضا أن التكنولوجيا بحد ذاتها إنما هي قيمة حيادية واستخدامها الخاطئ من شأنه تقزيم العقل. وهذا هو منحى الثقافة الجماهيرية. فهي من ناحية أخلاقية ومعرفية أيضاً تهزئ الوعي. ويمكن أن نطلق على هذه الثقافة تسمية "الثقافة الفاسدة، والسوداء أو الوعي الفاسد".‏

ويعتقد بالمحصلة أن "أهم عملية إفساد الوعي في إطار الثقافة الجماهيرية وأشكالها هي القائمة في التيار الأمريكي الذي قدم إلينا عبر المحيط وأوروبا تحت غطاء النموذج الوسطي... ووضع فرضية قياسات مؤكدا على الطرف الأول والنقيض: الواقعية والعالمية في الثقافة الجماهيرية والمثالية، والسلفية للثقافة. ومن هذه الفرضية عبر هذا النموذج إلى صورة واضحة عن القيمة أو اغتراب الثقافة والتي يراها على صورة سلبية وظاهرة متناقضة وأنها تحصيل حاصل لأحد أنواع الإحساس الجمعي لحاجات أنتروبولوجية/ اجتماعية وتيار التغريب والتشويه الثقافي".

صحيح، يقول المؤلف، "أن الثورة الصناعية هي من صنع الإنسان، إلا أن الإيديولوجيا المعاصرة لهذه الثورة هي التي تستخدم التقدم الصناعي لتجيير المجتمع البشري لصالح مكاسبها الذاتية... لكن لا يمكن وضع هذه الإيديولوجيا موضع القاهر والرضوخ لها أو التسليم بما يقوله فلاسفة الغرب بأن الإلكترون قد نسف الإيديولوجيا".‏

إن الحديث عن الثقافة الجماهيرية في هذا السياق "هو نموذج للصراع الإيديولوجي، صراع بين الإنسان والحجر". وهذا هو فحوى المتناقضات القائمة على الأرض في إطار الثقافة بصورة محددة، "أي بين الثقافة الجماهيرية أو ثقافة الرقم المضاد للبدع والخرافات، وإيديولوجية الإفساد والتشويه، وإيديولوجيا الإبداع الجماهيري والتحول الواعي المستند إلى الإنتاج المجتمعي والثقافة الحقيقية الهادفة إلى خلاص الذات البشرية، في إطار المجتمع الجغرافي الإنساني".‏

هناك من يعطي صورة قاتمة لمستقبل الثقافة الجماهيرية المعاصرة وأنها ستقتل نفسها، لأن السم القاتل موجود في طياتها وهناك من يرى أنها مرحلة انتقالية، وهناك من يصر "على أن التقنية المتطورة هي التي تشوه الثقافة بتحويلها إلى ثقافة استهلاكية".

 ويعتقد المؤلف "أن المجتمع الاستهلاكي لا يمكن أن يعطي الإنسانية كل شيء، وأن التدرج التاريخي للمجتمع هو الذي يتحكم بلعبة التطور العام ومن ضمنه الثقافة بأنواعها وأجناسها وهذا هو المخرج".  

+ بالفصل الثاني ("الثقافة الهدامة وموجة الحضارة الثالثة") يعتقد الكاتب أن الصناعة، "التي تمثل صناعة العقل والاستعمار"، إنما كانت ولا تزال تتجه  إلى الروح، وتقدمت على مدار القرن العشرين عن طريق التطور المستمر للتقنية الموجهة ليس فقط إلى الخارج، بل وإلى الداخل داخل الإنسان، لنقل سلعتها الثقافية. 

ويزعم الكاتب أن السوسيولوجيا الأمريكية هي التي أطلقت على الثقافة تسمية "الثقافة الجماهيرية" باعتبارها قائمة على مجمل الأشكال الصناعية الإنتاجية، وتنتشر عبر وسائط التكنولوجيا الحديثة الجماهيرية، وهي حسب المنطق الأنكلو ـ لاتيني الواسطة الجماهيرية.  

إن مصطلح الثقافة الجماهيرية، يقول المؤلف، ومصطلح المجتمع الصناعي قد أطلقا على واحد من خطوط الحياة الاجتماعية، لكنه بالإمكان " أن نطلق على المجتمع المعاصر ليس فقط تسمية المجتمع الصناعي، أو الجماهيري، بل والتكنولوجي والاستهلاكي والتسليعي والبيروقراطي والرأسمالي والطبقي أو المدني البرجوازي، أو الشخصاني الفردي والمائع".

و"إذا كانت المجتمعات الحديثة موجهة ثقافيا، فإن النشاط الثقافي ينقسم إلى عدد من الأشكال: الدينية، والرسمية الوطنية، والتقاليد الإنسانية، وتتباين فيما بينها أو تتفق مع جوهر هذه الثقافات، وخرافاتها، ومسبباتها، في نطاق المدرسة أو خارجها وتتحد هذه الثقافات في الثقافة الجماهيرية... وهي ليست مستقلة: إذ ممكن أن تكون دينية وإنسانية أو قومية في آن واحد".‏

إنها جماهيرية وذات تيار جديد على طول القرن العشرين..." قامت في الولايات المتحدة الأميركية وانتشرت في أوربا الغربية، كما تنتشر بعض عناصرها في شتى أصقاع المعمورة... وهي عالمية بحكم طبيعتها الدولية، عالمية بطبيعة انتشارها الواسع، ولهذا فإنها تقدم نفسها على أنها أول ثقافة عالمية في تاريخ الإنسانية".

لكن التوجه نحو الاستهلاكية ينسف الاستقلالية المعرفية الخاصة بالثقافة بما هي ترتيب العالم المتعلم... حيث لا يوجد في الثقافة الجماهيرية مسافة بين الفن وترتيب الحياة.‏

بالتالي، فإن الإنتاج الثقافي، في هذا العالم الفوضوي، موجه وفقا للطابع الصناعي والاستهلاكي اليومي، ولا يمكن أن يرقى هذا الإنتاج إلى الاستقلالية المعرفية.‏

  إن النزعة التي ينشدها النظام الصناعي إنما تتجه بجهة الثقافة الاستهلاكية وطبيعتها الربحية، حيث أنها ترمي إلى خصوصية فردية تحقق ربحا للأفراد.

المسألة في كل حالاتها وصدفها، يقول الكاتب، إنما " تتلخص في منطق العلاقة الثقافية (البيروقراطية والاحتكارية) المتمركزة، ومنطق الخصوصية التنافسية (الربحية الممولة والمسيطرة). 

بالمقابل، فالنظرة الشمولية/البراغماتية التي تتبناها الثقافة الصناعية إنما تعمد إلى تغييب "دور العقل وتطوره البيولوجي والنفسي والعضوي كأساس للتطور الثقافي المعرفي".

وإذا كانت الثقافات الوطنية، يقول المؤلف، " تمثل وجهة نظر أمتها على الساحة الدولية، فإن الثقافة الصناعية تحاول غزو هذه الثقافات على الساحة الوطنية بالتركيز على عقل الفرد وروحه داخل حدوده، أي تنفذ إلى الجذور، ومن ثم تخرج إلى الساحة الدولية عن طريق النجوم التي تشد الأفراد إليها من داخل حدودها الوطنية.. وهذا ما يمثله الفكر الكوسموبوليتيكي الذي يخفف أو يضعف النزعة المحلية الوطنية بتدويلها أو القفز بها.. وهذا حاصل في الفكر والسياسة والأدب، لأن الثقافة الجماهيرية الصناعية مؤسسة أصلا، وبشكل منظم، على أساس الثقافة العالمية". 

الثقافة الصناعية تكيف إذن "الأفكار الشعبية المحلية وتحولها إلى عالمية، كما هو الحال مع الجاز والموسيقى الراقصة... وتكيفها حسب أذواق الناس في القارات الخمس وبطابع عالمي. فيما تكيف الأفكار الانتروبولوجية إلى لعبة توافق العقل البشري كله".

إن الإنسان الساذج، بزعم الكاتب، هو أحد عناصر العالمية للثقافة الجماهيرية، أي الهدف المقصود في عملية انتشار هذه الثقافة، والإنسان المستهدف. و"الفوارق بين الإنسان الساذج والآخر الذكي هي الفوارق نفسها التي تميز الآلهة عن الملوك أو إمبراطورية السماء عن ممالك الأرض. ومن السهل على الإنسان أن يدخل في أساطير حضارة ثانية أكثر مما يمكنه التكيف مع حياة هذه الحضارة الفعلية".‏

+ بالفصل الثالث (" الثقافة الأمريكية: من تخريب الروح إلى العولمة") يقف الكاتب عند مصطلح الحداثة ويقول: "اتخذت ظاهرة الحداثة في البدء هيئة مذهب أو تيار أدبي سياسي ثم تحول إلى مصطلح مبهم غامض، وفرض ضمن ما يفرض علينا منذ ثلاثينات القرن الماضي وفي سلسلة الغزو الإيديولوجي والفكري المتلاحق، انتحل في ظاهره التقدم وحمل في باطنه التخريب والانحطاط والانهيار.

 ومع أن المذهب قد تجاوزته الأفكار، إلا أنه ما زال له أدعياء ينفخون في بوقه، ويسعرون أواره بين الفينة والأخرى، وخاصة عندما تبدو على الأمة مظاهر الضعف والهوان أو تخاذل أبنائها".‏  

ولفظ الحداثة هو من المفاهيم الوضعية التي لا تكاد تجد اتفاقاً حول معنى محدد يكشف عن مضمونه دون التباس. ‏

 وقد تعامل الكتاب العرب مع هذه التسمية على "أنها مقولة مضافة إلى قديم سبقه، لذا فإن بعد الزمن داخل في المفهوم، أي أن كل حديث سوف يغدو قديما، وكل قديم كان حديثا بالقياس إلى ما كان قبله... وعلى هذا الأساس، فإنه لمن التناقض الواضح وغير المنطقي أن تلصق بهذه التسمية دعوى الاستمرار. والآن وبعد أن سقطت الحداثة في ديارها راح أصحابها يعلنون زمن موتها وانهيارها وأطلقوا تسمية أخرى سموها ما بعد الحداثة".

ويتساءل المؤلف: " كيف يجمع الإنسان بين الحداثة واحترام التراث القومي تحت شعار الخروج من أسر التاريخ كما يزعم دعاة هذه الظاهرة ليوقعونا في أسر تاريخ مغاير؟ وهل يرتاح ضمير هؤلاء إذا ما رهنت الأمة نفسها للآخرين وتاريخهم أو زمانهم... خاصة وأن العالم الغربي قد تجاوز المصطلح والظاهرة وألقاها في مزبلة التاريخ، فهل نقوم نحن بفرضها على شعوبنا التي يراها الأميركيون بأنها مزبلة؟".‏

  الحداثة، عند دعاتها، هي "اتجاه أو نزعة تنتهي إلى قطيعة شاملة مع التراث، تنطوي على تسفيه مكنوزاته من ناحية، وتخوين الماضي بما يحمل، مما يستدعي قطع الصلة مع هذا التراث، وبالتالي قطع صلات الأمة بماضيها لتبدأ من حيث يرسم لها الحداثويون السبيل بعد سلبها كل مقومات هويتها، فتصبح طيعة للتلون بما يشكله الآخرون".

 والقطيعة المقصودة هنا، برأي الكاتب، هي "القطيعة المستمرة مع الماضي ومع التاريخ، والتمرد على القيم والأخلاق والأعراف اجتماعية كانت أم نظما وضعية، والتركيز على الشهوات، وعلى معالم الفطرة البشرية، والسعي في مادية بحتة لا يحدها حد، بل الإيغال في الغريزية بديلا عن النشاط المعرفي بصورة إطلاقية".‏  

ويعتبر أن "محاولة البعض من دعاة هذه الظاهرة في الساحة العربية أن يلبسوها ثوب التحديث والتقدمية، إنما هو لون من البدع والتضليل. ذلك لأن هناك فرقا كبيرا بين الحداثة التي تعني القطع مع الماضي ونسف التراث والتاريخ والقيم وطعن المقدس، وبين التحديث الذي يعني مواكبة تطور العصر والأخذ بتقنياته العلمية والمعرفية".‏

ويؤكد أن "الحداثة الغربية لدى دعاتها تعني القطيعة مع الماضي القديم ثم الوسطي، عبر التمرد على الكنيسة في الغرب كرد فعل على سلوك الكنيسة علما بأن الكنيسة الغربية كانت أحد أبرز المساهمين في ميلاد الحداثة وتطورها، إلى جانب الثورة الصناعية التي كان لها أثرها في تطوير أشكال التمرد وتجذير القطيعة على المستوى النظري وفي الممارس".

ليست الحداثة مجرد اتجاه فكري، يقول الكاتب، بل هي  " تيار يملك رؤيته السياسية الموجهة للحياة وتحمل كل ما يخولها دخول هذه المعركة بأسلحة هائلة. وهذا ما أكدته أحلام مفكري الغرب ودعاته على ساحتنا العربية، وما تشهده الأمم والدول من تطورات وأحداث مريرة تمتد ما بين هيروشيما والقدس إلى بغداد من أربعينات القرن الماضي، إلى القرن الواحد والعشرين الذي افتتحته الحداثوية الأميريكية بذبح عشرات آلاف الأفغان والعراقيين والفلسطينيين والبوسنيين والصرب". ‏

ومع سقوط الحداثة (والعلمانية) في الغرب " وجد شيء من الحنين الجارف للعودة إلى الدين في الغرب، لكنها عودة بشكل من أشكال الهوية وليس من أشكال الإيمان، والاقتناع بالدين".‏

إن التفريق بين القطيعة المعرفية والانقطاع التاريخي أمر ضروري باعتقاد الكاتب. "فالحداثة تمثل قطيعة معرفية مع الماضي دون أن يعني ذلك انقطاعا في المسار التاريخي. بمعنى أنه لا يمكننا التوصل إلى لحظة تاريخية نعتبرها كحد السكين نهبط بها لنفرق تاريخيا بين الحداثة وما قبلها، وما بعدها… الحداثة جاءت إفرازا لتفاعل مجموعة عوامل متداخلة، آخذة في التطور في ظروف اجتماعية تتعلق بالغرب".

هي لم تأت من فراغ، بل "جاءت وفق سياق تاريخي متتابع وخاص بالتطور التلقائي الذي مر به التاريخ الغربي، عبر الاكتشافات والآراء النظرية الفكرية والفلسفية والعلمية المرتبطة بفلسفة التنوير. هي ليست لحظة انقلاب من حال إلى حال، ولكنها تراكمات".  ‏

يزعم الكاتب أن الحداثة  "سحقت الإنسان حين حولته إلى آلة حينا، وإلى حيوان بهيمي حينا آخر، لكنها ما زالت تخاتل من خلال أدوات جبارة وأفكار براقة. وقد رأينا صورا من البرجماتية التي تحمل على ظهرها روحا صليبية تسحق بها الشعوب، ليس بالآلة الإعلامية الجهنمية وحدها، بل وبالعتاد الحربي الثقيل، ومن ثم فمن المتوقع أن يصبح الشعار في الأيام المقبلة: لا صوت يعلو فوق صوت الحداثة؟".‏

بمعنى أن "الوجه الأخلاقي للحداثة تبدى جليا في معاملة الغرب العنصرية للمجتمعات الأخرى. الحداثة ليست سوى عنصرية واستعمار وتسلط وعنف، وهي الآن تتبدى في ممارساتها حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها في ممارسة كل هذه الأخلاق أو تجديدها، المجتمعات التي تفيض عنفا وشذوذا، والتاريخ المليء بأبشع صور الاستعمار وذبح الشعوب، وسرقة ثرواتها، سواء في عالمنا الإسلامي أو في أمريكا الجنوبية أو حتى في الولايات المتحدة ذاتها.

 الحداثة التي تستبطن مبدأ داروين (البقاء للأقوى) هي التي تبعث بجيوشها لتهلك الأخضر واليابس وتوزع على الشعوب نصيبها من اليورانيوم المنضب الأمريكي، وتحول بقية العالم إلى مصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية".

بالمقابل، فشعار الحداثة يعكس رفض الولايات المتحدة القاطع للدول المعارضة لسياسة العولمة. فإذا ما " فشل تطبيق النموذج العولمي/الأميركي، فإن الولايات المتحدة سترفض وستنسف محاولات العولمة، التي تعتمد الأنسنة (وهي التي يقال عنها بأنها حتمية) بدلاً من الأمركة".

ما هي المسافة الفاصلة بين الأمركة والأنسنة؟ إن هذه المسافة غائمة وضبابية، ليس في ذهن الإنسان العادي فقط، بل هي كذلك حتى في أذهان الاستراتيجيين والمستقبليين الأميركيين. ولعل "الخطوة الأولى على طريق توضيح هذه المسافة، ومعها الفارق بين الأمركة والأنسنة، هي التعرف إلى فوارق تطبيق المفاهيم الليبرالية داخل الولايات المتحدة وخارجها. فهذا البلد يحاول وبأمانة أن يحول المبادئ الليبرالية إلى نموذج إنساني مثالي، لما يمكن تسميته بالأنسنة". 

فالبلد ينفق المليارات، يقول الكاتب، " لتحصين أمنه من احتمالات إرهاب داخلي. لكنه في المقابل لا يصدر قانون منع ملكية الأسلحة النارية وبيعها، وهذا يمكنه أن يحد بصورة عملية من احتمالات الإرهاب والجريمة عموما.

 هذا التقديس للحريات ينقلب إلى إلحاد  عندما يكون الإرهاب خارجياً، بحيث يصل الرد عليه لغاية انتهاك حرمة دول أخرى، لغاية اعتقال رئيس دولة (نورييغا) بعملية كوماندوس، وتصديره إلى الولايات المتحدة لمحاكمته".

هكذا تعود الولايات المتحدة إلى زمن تبريرات استعمال القوة. " فإذا ما تجاهلنا إبادة الهنود الحمر، لكونها تمت على يد نظام غير خاضع لدستور الآباء الأوائل أو الحجاج الكالفينيين، فإننا نبدأ من القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان. وبعدهما تأتي مسلسلات الانقلابات والاغتيالات التي استمرت معلنة لغاية نهاية حرب فيتنام، لتستمر في الخفاء ثم تعود راهنا بقرار تفويضي علني من الكونغرس والرئاسة". بالتالي، "أصبحت الليبيرالية الأميركية، أو النموذج الأميركي في الديموقراطية، حبرا على ورق بل أكذوبة تستخدم ضد أعداء مصالحها، أو كمشجب تعلق عليه واشنطن كل أغراضها الوسخ منها أو النظيف على حد سواء".

+ بالفصل الرابع ("الإعلام المعاصر وأشكال الهيمنة") يقر الكاتب بأن "الإعلام ظاهرة اجتماعية دخلت إلى المجتمعات البشرية منذ بدائية العصور الإنسانية حتى اليوم... هو عصب الحياة المعاصرة ووجها من وجوه الحضارة. كما يعبر عن السياسة والاتجاهات الفكرية والظروف الاجتماعية والنظم الاقتصادية ويؤثر فيها كما يتأثر بها. ومما لا شك فيه أن التطورات الإيديولوجية والقيم والمبادئ المنبثقة عنها تمثل لحمة الإعلام وسداه".‏

مع تقدم التقنية والتطور الإعلامي المعاصرين قامت الدول والشركات بإنشاء محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية متخصصة أخذت توجه موادها إلى جمهور أفقي، وجمهور عمودي موجود بفعل دافع الاهتمام، الهواية، المهنة، التخصص.

إلا أن التزايد الكبير في عدد القنوات (سيما الخاص منها)، " خلخل مكانة القنوات الإعلامية السابقة، في العالم عموما ومن ضمنها منطقتنا العربية. وتجلى ذلك في تناقص عدد جمهور هذه القنوات ومتتبعيها، بعد أن أعيد ترتيب هذا الجمهور والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وخطابها من جمهور الأمة الواحدة أو كشعب موحد، ذي أهداف ومثل وقيم وتجارب اجتماعية وعاطفية، إلى برامج من نوع خاص، همها نسف هذه القيم من جهة، وتقويض سلطة وصلاحية الدولة الوطنية من جهة أخرى، وأصبحت تخاطبه كفئات اجتماعية مشتتة مفككة وبلا رابط وطني أو قومي أو أخلاقي وبلا هوية.. ومعظمها تسلوي وليس معرفيا".

وقد نجح الإعلام الغربي في اقتحام وسائط الإعلام العربية من أبوابها العريضة. ويعتقد البعض أن التغيرات التي طرأت على البرمجة التلفزيونية في القنوات العربية يتعلق بإيقاع الحياة الاجتماعية المحلية وليس بالتأثيرات الكونية، وهذا مناف لواقع الإعلام العربي الراهن بنظر المؤلف.

بالمقابل، فإن هذا التطور "لا يمكن أن يفهم بعيدا عن إشكالية وسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة الوطنية، وطبيعتها ووظيفتها في ظل السيطرة العولمية بامتداداتها المختلفة في المجال الثقافي والإعلامي والاقتصادي.. ولا تتجلى صورة هذا التطور إذا استبعدنا عملية إعادة النظر في هذه الوسائط على ضوء هيكلة الاقتصاد الدولي وعملية اندماج الشركات المنتجة للإعلام، والثقافة، والترفيه، والتسلية، مع قطاعات تجارية ومالية واقتصادية".‏

وإذا بات من الثابت القول، برأي الكاتب، بأننا بإزاء نجاح إذاعي وتلفزيوني كبير في عصر العولمة، " فإنه لا يقاس بالقيمة المضافة في المجال الثقافي والمعرفي وبالمنفعة الاجتماعية، بل يقاس بالعائد التجاري. وهذه حقيقة أجبرت القنوات الإعلامية العربية الحكومية على خوض رهان وجودها، إذ إن عليها منافسة القنوات الخاصة الممولة من شركات لم يكن يعرف مصدر تمويلها الحقيقي ولا الجهة السياسية الخارجية التي تتبع لها حتى وقت قريب... وصار البحث عن مصادر التمويل في قطاع الإعلان هو الهم الأكبر لهذه القنوات عامها وخاصها" وغدت الثقافة صناعة تخضع لنفس الطقوس.

إن "تصنيع الثقافة" مسألة قديمة طرحتها مدرسة فرانكفورت منذ الأربعينيات، وشكلت مدخلاً لنقد "الثقافة الجماهيرية" أو إدانتها استنادا لرفض نمط الإنتاج الرأسمالي للثقافة. إلا  أن الجديد في هذه المسألة، الذي يدرجه الكاتب في هذه الفرضية، إنما يتمثل في القول:‏

ـ بأن إرادة تسليع المواد الثقافية " لم تأت نتيجة للتطور المنطقي لنمط الإنتاج السائد في هذا البلد أو ذاك فقط، بل بدأت تفرضه تلك الإرادة السياسية التي تمارس الضغوط على المنظمات مثل المنظمة العالمية للتجارة، وعلى الدول لفرض قوانين السوق على الأفلام السينمائية وبرامج التلفزيون، والصور، والأشرطة السينمائية" وما سواها.

ـ وبأن التكنولوجيا الحديثة قد أسهمت كثيرا في محو الحاجز الفاصل بين الإعلان والإعلام. ففي شاشة التلفزة والكمبيوتير "يتعايش النص الإعلاني بجانب النص الإعلامي، ونرى أن المادة الإعلامية لا توجد سوى لمرافقة المادة الإعلانية المتحركة في الشاشة المذكورة، وهذا ما أدى إلى الإجهاز على كل الجهود الثقافية والقانونية التي بذلت للفصل بينهما منذ أزيد من قرن".

وإذا أضحى من الصعب الفصل بين مجالات الإعلام والترفيه والثقافة، فذلك بسبب "عملية تسليع الثقافة والترفيه والإعلام، وتحويلها إلى سلعة تلهث وراء خرافة الجمهور العريض الذي فقد عرشه في زمن تضافرت فيه الأسباب لتفتيته، وتوفرت الشروط لازدهار الاتصال الشخصي أمام تضعضع المكانة المهيمنة للاتصال الجماهيري".‏

   إننا نعيش، يقول الكاتب على لسان الباحث الفرنسي دانيل بونيو، "مرحلة الاتصال ضد الإعلام"، وهي مقولة توحي "بضرورة إعادة النظر في مفهومنا للإعلام والاتصال ليس لتحريرهما من كل وهم، كأن نربط بين الاتصال والتفاهم، والإعلام والتحرر، بل للتأكيد على تطور الرؤية للإعلام والاتصال في ظل العولمة".

إن النقل التلفزيوني المباشر، برأي المؤلف، "لا يسعى لتقديم الإعلام، بل يعمل على تغليب الاتصال. فهو يقدم لنا الإحساس وينفخ فينا عاطفة المشاركة واللقاء. لذا نلاحظ غلبة الفرجة في الإعلام المرئي حيث العديد من المواد الإخبارية التلفزيونية... أصبحت قطعة من الاستعراض والتمشهد، أي أن إنتاجها وتقديمها يخضع لمعايير الإنتاج الدرامي. وهذا ما يقلص الهامش بين ما هو واقعي وغير الواقعي أو الخيالي في وسائل الإعلام". 

من ناحية أخرى، يعتبر المؤلف أن غلبة الاتصال في عصر العولمة هي، في حقيقة الأمر، غلبة الشكل على المضمون. "وهذا ما يجرنا إلى ضرورة مراجعة فهمنا للعلاقة بين الشكل والمحتوى".

إن مفهوم الإعلام وطبيعته قد تغير في عصر العولمة "حيث لم يعد مرتبطاً بمخرجات وسائل الاتصال الجماهيري، بل أصبح شديد الالتصاق بالمعلومات: المالية، والعلمية، والتكنولوجية، والطبية، والرياضية، والثقافية، والاجتماعية.

 بمعنى أن الإعلام لم يعد حكراً على المؤسسات الإعلامية الكلاسيكية حيث دخل متعاملون جدد في مجال إنتاج الإعلام، وتخزينه، وتوزيعه، لم تكن لهم علاقة سابقة بوسائل الإعلام الكلاسيكية".

 لقد  ترتب عن هذا التغيير أن القيمة التبادلية للإعلام تسعى لتطغى على قيمته الاستخدامية في ظل تحول البنية الاقتصادية للمؤسسة المنتجة للإعلام والقائمة على الطلب وليس على العرض. كما أصبح الإعلام والمعلومات مادة لتراكم رأسمالي في عصر العولمة.‏

وإذا كان الاعتقاد السائد في القرن الماضي يتمثل في أن حرية الصحافة تساوي الحقيقة وتعزز الحق في الإعلام والاتصال، فإن "التحولات التي عاشها عالم الإعلام والاتصال في عصر العولمة تدعونا لمراجعة هذا الاعتقاد. فحرية الإعلام لم تعد بريئة من عمليات التضليل والتعتيم والتحايل على الحقيقة...".

 والأمر لا يقتصر على بعض الحالات التي وصفت بأنها تجاوزات أخلاقية ومهنية وسياسية في تغطية بعض الأحداث... " لقد أصبح هذا التضليل جزءا أساسيا مكونا لبعض المفاهيم والمصطلحات الإعلامية التي تكتسي طابعا تقنيا على الصعيد النظري وتعطي مشروعية للممارسة الإعلامية التي تقف في الحد الفاصل بين الحقيقة والزيف، وتعطي للواقع الإعلامي بعدا أخرا يتمثل في إعادة ترتيب عناصر الحدث بغية إخراجها إعلاميا".

كما أن السمة التي تميز الإعلام في عصر العولمة هي " هلامية الحاجز بين الواقع والخيال على الصعيد المفهومي أو الواقعي، وذلك من خلال استشراء الصور الافتراضية أو الاعتبارية والمونتاج الرقمي للصور التلفزيونية وتأثيث التواصل البصري بالصور الرقمية التي أقل ما يقال عنها إنها لا تملك نسخة أصلية لها. فهي صورة ونسخة عن الصورة في الوقت ذاته".

+ بالفصل الخامس ("من هيروشيما إلى بغداد وجيوبوليتيكا إسقاط الشرق") ينطلق الكاتب من حادثة مفادها أن إلقاء القنابل الذرية الأميركية على اليابان لم يوقف الحرب العالمية الثانية فحسب، بل كان إشارة لصعود الولايات المتحدة إلى المسرح العالمي بهذه القوة القاهرة لتتبوأ مكانتها التي أرادتها منذ البداية قوة عسكرية قهرية.

انطلاقا من هذه الحادثة يعتقد الكاتب أن تبلور مفهوم الجيوبوليتيكا أتى وفق " قوانين النمو الأرضي للدول العظمى" عبر:

‏ °- نمو رقعة الدولة بالتوازي مع النمو الثقافي، " إذ كلما انتشرت الجيوش في بقاع أخرى وحملت معها طابعها الثقافي الخاص، كلما تزايدت إمكاناتها في السيطرة على الأراضي الجديدة. ومن هنا تسعى هذه الجيوش إلى نسف ثقافات الشرق الأوسط الكبير واستبدالها بثقافة الجهاز الهضمي والتناسلي، أو إذا شئت فقل ثقافة الخضوع والاستسلام".‏

°- النمو العلمي، "حيث إن نمو الدولة يرتبط، أولا وقبل الشروع بالتوسع، بنمو العلوم التي تسهل عملية التوسع التجاري والنشاط التبشيري أو التطبيع".  ‏

°- الضم، " وذلك بالتوسع في وحدات جغرافية صغرى ثم ضمها إلى المجال الحيوي للدولة المحتلة، ومن ثم مزج التربة ومن عليها إلى رقعة التوسع الجديدة التي تقع تحت إدارة الحاكم الأميركي".‏   

°- نمو الحدود، أي "أن حدود الدول هي، في الجيوبوليتيكا الأميركية، العضو الحي المغلف لها وهي لا تعين مدى سلامة الدول فحسب، بل مدى نموها وسلامة رقعتها أيضا. أي الأمن الإقليمي والقومي والعالمي، وكما يتطلب الحال".‏

°-  درجة النمو أو القيمة السياسية للنمو، "إذ إن الدول تسعى في نموها إلى امتصاص الأقسام ذات القيمة وهي إما أنهار أو سواحل أو مناطق غنية بثرواتها المعدنية أو البترولية أو الغنية بالمنتجات الغذائية. وجميعها تكون ثروة الشرق الأوسط الكبير من المغرب حتى أفغانستان".‏

°-  توسيع السيطرة أو عدوى الانتشار، حيث " ينتقل المحتل  (المثقف التقني والعلماني الديمقراطي الأميركي) إلى التوسع من دولة إلى أخرى ويتزايد باستمرار. وبهذا التعليل تصبح الدولة كائنا جشعا تدفعه غريزة النمو إلى الحصول على الحاجات التي يفتقد إليها بالطريقة التي يرتئيها وأفضلها القوة".‏

هذه الاعتبارات هي التي حكمت ولا تزال السلوك الأمريكي بالعالم منذ الحرب العالمية الثانية وإلى اليوم.

وعلى هذا الأساس، يقول الكاتب، فإن " ما نراه الآن وما سيحدث في الزمن المنظور ليس نتاج الحرب الباردة فقط، بل هو ردة فعل على معاناة الغرب من نتاجه التقني الذي دمر البرج في أميركا وهو نتاج عقل غربي وليس نتاج عقل الإسلام... وإن الغرب الذي أوجد هذه المراجل الفائرة في أفغانستان، البلقان، العراق، أفريقيا هو نفسه الذي أنتج إسرائيل والظلم والعسف الدولي والإرهاب والرعب الفظيع والفقر والتخلف، كالذي يقع كل يوم على رؤوس أطفال فلسطين والعراق وأفغانستان تحت شعار محاربة الإرهابيين وهو في الحقيقة يهدف إلى البدء بتنفيذ الحلقات التالية في استراتيجية أميركا الجيوبوليتيكية".

 إن دراسة الحالة العراقية تحديدا تستدعي البحث في عملية الغزو ذاتها باعتبارها هدفا أساسيا وموروثا عائليا ورثه بوش عن أبيه، "وكم بكى وذرف الدمع مدرارا إلى حد الانهيار عندما علم بتفاصيل المؤامرة التي أعدها صدام لاغتيال أبيه".

وبعد الحادي عشر من سبتمبر، " وجد بوش، ومن خلفه جوقة تجار الحرب رايس وتشيني ورمسفليد، الفرصة لتحديد الأهداف المقررة للعمليات العسكرية الأميركية وشن الحرب على أفغانستان والعراق"...

 وخلال الفترة السابقة على هذا التاريخ عرضت على بوش عدة تقارير " تتهم صدام بأنه المنبع المالي الأول ومصدر التسليح الرئيسي لكل الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة، كما طلب بوش من جورج تينيت استطلاع رأي أعضاء الكونغرس والرأي العام الأميركي حول فكرة قيام أمريكا بعمل عسكري ضد العراق، وجاء فيه أن 83% من أعضاء الكونغرس يرفضون، و86% من الرأي العام يرفضون أيضاً، لأنهم يعتبرون أن صدام لم يعد يشكل خطرا على المصالح الأميركية في الخليج".

في مارس 2002 كان " الرأي العام الأميركي أكثر تهيؤا لإعلان الحرب على العراق، ولكن ليس بسبب وجود صلة بين صدام والقاعدة، ولكن بسبب ما روج عن امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل".‏

فأقنع بوش الكون بكلمة السر وهي الديمقراطية. فهي حلم كبير لدى الشعوب المحرومة منها. ومن هنا اعتمدت الإدارة الأمريكية فكرة الديمقراطية والحرية، فسمت حملته التي نفذت عمليات الحرب الوحشية الجائرة على العراق بـ "الحرية للعراق".‏

ويتساءل الكاتب: من أسقط بغداد فعلا؟

 الجواب يكمن، برأي المؤلف، في العوامل الإقليمية وفي مواقف بعض العواصم العربية، لكن العامل الأخطر، في تصوره، " هو الحال الداخلي العراقي الذي سبب وسرع عملية السقوط بطريقة مريعة. وما حصل أن بغداد لم تكن لتسقط بهذا الشكل السهل في قبضة الاحتلال الأمريكي لو لم تختل رؤية أبنائها بفعل القهر والاستبداد من ناحية ثانية، ولولا خيانة قادة النظام من أرهاط المنافقين والانتهازيين الذين كانوا حاشية النظام حتى السابع من نيسان المشؤوم أو من الذين مكنتهم مواقعهم من السلطان أن يهربوا من بطش النظام ويقوموا بدور آخر انتهازي، لكنه ليس بالانضمام إلى جوقة الطبالين بل بالهروب إلى عدو الأمة... وأولئك الذين قدموا على ظهور الدبابات الأميركية أو البريطانية وغيرها وحلوا في أمان بريمر ضد أبناء شعبهم". 

إن مسؤولية سقوط بغداد، يشدد الكاتب، " تتحملها الأمة بأسرها من الحاكم المتسيد إلى الكاتب المنافق إلى الشقيق الموافق على إسقاط بغداد:... إن الهزيمة هي من الداخل قبل أن تكون من الخارج، أو هي من قابليتنا للاستعمار قبل ولوج الاستعمار إلينا وإقامته للقواعد العسكرية فوق أراضينا وسرقته لثرواتنا."

إن المواجهة الحضارية بين الأمة العربية وبين الولايات المتحدة والصهيونية بعد احتلال العراق هي المسألة التي باتت تؤرق واشنطن أو هي مسألة إبقاء أو زوال المشروع الأمريكي الذي يسعى إلى الهيمنة على المنطقة. وهو لا يقف عند حدود الغزو العسكري، يقول الكاتب، " وإنما يمتد إلى الجوانب الأخرى السياسية والثقافية والاقتصادية بقصد إحداث تغييرات جوهرية في البنيات التحتية للمجتمعات العربية بهدف تكريس الهيمنة الصهيونية الأمريكية في كافة المجالات".‏

بالتالي، يختتم الكاتب بحثه، ف"إذا كانت الهجمة شاملة، فلابد أن تكون المقاومة شاملة ولا تقف عند حدود جبهة معينة. ذلك لأن المقاومة الجماهيرية والجهاد ضد الغزو الأمريكي الصهيوني هما الحل الكفيل بصد الهجمة ومواجهة العدوان والدفاع عن الكرامة"...

نافذة "قرأت لكم"، 17 غشت 2006

يمكنكم مشاركة هذا المقال