تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المضامين العربية بشبكة الإنترنيت ضعيفة والشبكة نخبوية"

 كيف سيدخل العرب والمسلمون القرن الحادي والعشرين وهم يجرون وراءهم تخلفا يصعب تداركه قبل عقود؟ هذا إذا ما انطلقوا من الآن في العمل على التدارك. أما إذا ما استمروا في تراكم تداعيات التخلف، فإن الأمر ينذر بالسوء.

لكي نقترب من الإجابة عن هذا التساؤل اتصلنا بالأستاذ يحيى اليحياوي الخبير في مجال الإعلام والاتصال. أصدر له أول كتاب سنة 1995 تحت عنوان "الاتصالات في محك التحولات" وأجرينا معه هذا الحوار الذي تركز حول مجموعة من الأسئلة المرتبطة بواقع تقنيات المعلومات والاتصالات في العالم العربي والتحديات التي يواجهها العرب بالإضافة إلى قضايا أخرى مرتبطة بالإنترنيت والمواقع الإسلامية والحرب الدائرة على ساحة الإنترنيت...كما تطرقنا معه إلى واقع قطاع السمعي/البصري بالمغرب ورأيه في عملية التحرير التي يشهدها هذا القطاع.

 التجديد:  كيف تنظرون إلى مستقبل العرب (شعوبا وحكومات) في هذا الصراع الافتراضي السبيرنيكي؟

 يحيى اليحياوي: أعتقد، وهذا أمر تحدثت فيه من قبل، أن حجم تواجد المضامين العربية بالشبكة الافتراضية ضعيف وضعيف للغاية. بالتالي فطالما لم يتم التركيز على خلق مواقع باللغة العربية وتزويدها بمضامين جادة ومتنوعة فإن المستقبل سيكون حتما صورة طبق الأصل لواقع الحال السائد اليوم.

 المستقبل لا يتحدد فيما أتصور في المطلق بل وأساسا بالاحتكام إلى ما تم ويتم من سياسات واستراتيجيات على مستوى التعليم والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي والقيمة المولاة للكوادر البشرية والكفاءات.

على مستوى البحث العلمي مثلا نلاحظ أن المنطقة العربية خصصت خلال العشرين سنة الماضية حوالي 3000 مليار دولار لتكوين رأس المال الثابت الإجمالي، لكن ذلك لم يفرز عوائد ذات قيمة كبرى على مستوى التنمية أو على دخل الأفراد.

 المنطقة العربية لا تخصص من ناتجها المحلي الإجمالي إلا نسبة 0،14 بالمائة في حين تصل هذه النسبة إلى 2،53 بالمائة بإسرائيل و1،62 بكوبا. ثم أن ناتج النشر العلمي نسبة للفرد الواحد ضعيفة جدا، أضف إليها هجرة الكفاءات للخارج وضعف البنى المؤسساتية للبحث العلمي بالوطن العربي.

 بالتالي فطالما لم يتم الوعي بأدوات الصراع هاته، فإن المستقبل سيعيد حتما إنتاج معطيات الحاضر... وهذا أمر يدعو للحسرة والأسف.

 التجديد:  في الفترة الأخيرة، شهدت ساحة الأنترنت احتجاجات ومظاهرات مناهضة للعدوان على العراق وهو ما يطلق عليه بالعصيان المدني الإلكتروني ELD والذي يعتبر  شكلا من أشكال الضغط ـ غير العنيف ـ على المؤسسات الحكومية أو الرسمية المنخرطة في أعمال غير أخلاقية أو غير قانونية، أو تضر بالإنسانية.

ألا تعتبرون بأن هذا تغيير جذري في أساليب مناهضة القوانين والمنظمات والحكومات والمعاهدات...؟

 يحيى اليحياوي: هناك اليوم ومنذ 20 مارس ما يمكن أن نسميه "أممية" للاحتجاج على العدوان الأنجلوأمريكي على العراق ليس فقط بالشوارع أو أمام المؤسسات الرسمية بل وأيضا من خلال العديد من المنابر الأخرى لعل شبكة الإنترنيت إحداها. قد لا يستطيع المرء أن يحصي عدد المواقع الموجهة للتنديد بالعدوان لكنها اصبحت أمرا مشاعا منذ الحرب على أفغانستان والتشنيع الذي يلقاه الشعب الفلسطيني من كل حذب وصوب، وإن كان الأمر محصورا على عدد قليل من المرتبطين بالشبكة أو الذين لهم إمكانات الإبحار بها.

 العدوان على العراق أبان حقا على مفارقات لطالما كانت غير جلية بما فيه الكفاية:

+ المفارقة الأولى تتمثل في البون الشاسع بين الحكومات والشعوب لا بالدول العربية فحسب بل وكذلك بداخل الدول التي تتباهى ب" نضجها الديموقراطي" لدرجة أستطيع القول معها بأن العدوان على العراق وحد وإلى حد بعيد شعوب العالم ضد حكامها وحكوماتها. اعني هنا تحديدا أنه لربما لأول مرة لا تعير الحكومات قيمة اعتبارية لمواقف شعوبها واحتجاجاتها أو مطالبة حكامها بلامشروعية العدوان وضرورة العدول على شنه. هذا أمر خطير سيسائل من الآن جوهر الديموقراطية التمثيلية ومدى إنصات الممثلين لناخبيهم.

 + المفارقة الثانية وتكمن فيما أعتقد في التالي: بقدر تقدم البشرية وتطور أدوات رقابة الحاكم على المحكوم ومحاسبته، بقدر تقوي الترسانة القانونية والتشريعية التي تضيق على حل الأفراد والجماعات وحلهم ناهيك عن دوس حقوقهم الأساسية. وهو أمر يمكن التأكد منه في عدد التشريعات الساحبة للحريات بكل دول العالم منذ أحداث الحادي عشر من شتنبر واندلاع العدوان على العراق.

 + المفارقة الثالثة: ما الفائدة من سن القوانين والترخيص بالاحتجاج والتظاهر، بصرف النظر عن المنبر المعتمد للتعبير عن ذلك، إذا لم تكن الجهة المقابلة على استعداد للإنصات إلى الرسائل النابعة منها؟ أتصور أن الذي يجري على العراق من عدوان سيكون مفصليا لتحديد الرؤية بإزاء العديد من القضايا الكبرى.

 التجديد:  تنتقدون كثيرا صناع القرار الإعلامي بالمغرب وتعتبرون أنه ليس لدينا أي حق في التنمية وليس لنا حق في الإعلام والمعرفة وبالتالي فالتنمية كما مجتمع الإعلام معاقان. هل ممكن أن تشرحوا لنا هذا الموقف؟

 يحيى اليحياوي: أنا لا أنطلق في هذا الاعتقاد من حكم قيمة مسبق بل من ملاحظة واقع الحال. ماذا نلاحظ إجمالا؟

نلاحظ أننا نتحدث عن " مجتمع للإعلام والمعرفة" (وهي عبارة لا أستخدمها كثيرا) في الوقت الذي نلاحظ فيه ضعف مقومات هذا المجتمع إذا لم نقل شبه انعدامها، ليس فقط على مستوى ضعف شبكة الاتصالات (تجهيزا واشتراكات) ولا بالقياس إلى هزالة المرأب المعلوماتي الموجود بل وكذلك اعتبارا لضعف البرامج والمضامين. بالتالي فمقومات هذا المجتمع غير صلبة على مستوى البنى التحتية كما على مستوى المضامين كي نتحدث عنه حديث الأمريكي أو الفرنسي أو الألماني أو الكندي أو الجنوب إفريقي أو غيرهم.

 نلاحظ ثانية أننا لا نتوفر على رؤية لبناء هذه المقومات: ماذا نريد بالضبط؟ كيف نبلغ ذلك؟ بأية ميزانية؟ وفق أي برنامج زمني؟ وهكذا. المقصود هنا بالتحديد هو أن السلطات العمومية لا تتوفر على تصور قائم، شامل وقار بصرف النظر عن انتماء هذا المسؤول أو اعتقاده.

 نلاحظ من الناحية المؤسساتية الصرفة أنه لا يوجد حد أدنى للتنسيق بين الجهات التي من المفروض أن تشرف على هذا "المشروع": هناك وزارة للبريد والتقنيات المعلوماتية مقزمة الدور ولا إمكانات لها لتمويل يوم دراسي فما بالك بمشروع كهذا يتطلب ملايين الدراهم. هناك فاعل مركزي في الاتصالات يعتبر القائمون عليه هذا المشروع آخر المفكر فيه. وهناك مؤسسة يقال إنها للتقنين لكنها محدودة الدور في محدودية الفاعلين.

 ونلاحظ أن الترسانة التشريعية السالبة للحق في التعبير والضامنة للحق في الإعلام والمعرفة أقوى من النصوص المؤطرة لذلك: أنظر مثلا قوانين الصحافة والإرهاب و" تحرير" الفضاء السمعي/البصري وغيرها.

أعتقد أن تكريس هذا المجتمع هو عملية لاحقة للتنمية وليس سابقة له كما يريد الخطاب أن يبين العكس. بالتالي فانتفاء مقومات هذا المجتمع هو بالمحصلة من انتفاء مقومات التنمية، وهما معا منتفيان بانتفاء المشروع المجتمعي الذي من شأنه أن يؤطرهما معا. وهي أمور يمكن الاستشهاد بالتجارب الغربية لتأكيدها.

 التجديد: كيف تقيمون واقع الأنترنت في المغرب؟

يحيى اليحياوي:هذا السؤال حقيقة الأمر هو مشروع بحث أكثر منه سؤال صحفي.

أعتقد أن المغرب، على الرغم من كونه من بين الدول التي أدخلت الإنترنيت مبكرا نسبيا (أواسط التسعينات)، فإن المحقق يبقى دون المستوى المطلوب والمرجو. فعدد الحواسيب لا يزال جد محدود، والارتباط بالشبكة ضعيف للغاية بالنسبة للأفراد كما بالنسبة للمقاولات والإدارات والجامعات وقس على ذلك.

والسبب في هذا الانحسار لا يرتبط فقط بغلاء الأجهزة قياسا إلى مداخيل الأفراد بل وكذلك اعتبارا لتكلفة الارتباط عبر الهاتف أو عبر شبكة مارنيس أو " أ.د.س.ل" أو غيرها.

 من ناحية ثانية نلاحظ أن العديد من المواقع المؤسساتية المقامة هنا وهناك تبقى إما ضعيفة الهيكلة أو مضامينها هزيلة أو ذات طابع إعلاني صرف...وهو أمر من السهل التدليل عليه بولوج مواقع العديد من الوزارات أو الجامعات أو المدارس العليا أو بعض المقاولات الكبرى.

يبقى جانب الاستخدام. بهذه النقطة، نلاحظ أن الشبكة بالمغرب تبقى نخبوية الطبيعة والجانب "الجماهيري" فيها لا يتعدى المراسلات الألكترونية أو منابر الحوار لدى الشباب في الغالب الأعم.

 المثير للغرابة حقا هو حديث البعض عما يسمى منذ مدة ب"المغرب الألكتروني" كمشروع لجعل البلاد "منظومة شبكية" لتبادل البيانات والمعطيات والمعارف (الغير متوفرة أصلا) أو الحديث "أقطاب تكنولوجية" أو غيرها... "مشاريع" من هذا القبيل لا يستطيع المرء إلا أن يتعفف من التعليق عليها.

 التجديد: تزايدت وتيرة إنشاء المواقع على الأنترنت التي تهتم بالإسلام (دينا وحضارة) فأصبحت الأنترنت وسيلة مهمة للتعريف بالقيم الإسلامية وبحضارته.

كيف تقيمون المواقع الإلكترونية ذات المضامين الإسلامية؟

 يحيى اليحياوي: هذه ملاحظة صحيحة وأنا نشرت منذ مدة دراسة بجريدة القدس العربي عن "الإنترنيت والحركات الإسلامية" حاولت من خلالها تبيان الخلفية والهدف من خلق "مواقع إسلامية" على شبكة الإنترنيت.

أزعم أن الغالبية العظمى من المواقع التي اتخذت من الإسلام مادة لمواقعا بالإنترنيت جاءت لا كعمل بل كردة فعل على الاستهداف الذي تعرض له الإسلام سيما بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر.

 لا أستطيع أن أقف عند هذا الموقع أو ذاك، لكني أعتقد أنها تلتقي مجتمعة في مجموعة أهداف مشتركة:

+ التعريف بمبادئ وقيم الدين والحضارة الإسلامية وإسهام ذات الدين والحضارة في تقدم البشرية.

+ الرد على الدعاوى المتزايدة، بالغرب أساسا، عن طبيعة "الإرهاب" التي يلصقها بالإسلام أو " تشجيعه" على العنف.

+ تبيان أن المسلمين هم دعاة حوار وتسامح ومودة وليسوا بأي حال من الأحوال دعاة حرب أو صراع أو تشدد بين الأديان أو بين الشعوب.

بالتالي فمعظم المواقع تتغيأ بلوغ هذا الهدف حتى بتباين السبل والأدوات واللغة المستعملة، أعني بتباين الخلفية الإيديولوجية التي تحكم هذا التيار في الدين أو ذاك.

 ثم هناك، من ناحية أخرى، المواقع ذات الطابع "الجهادي"، وهي مواقع " الحركات الإسلامية" التي اتخذت لنفسها من الشبكة موطأ قدم وجهاد ضد نظم بلدانها السياسية والتي حالت قوانينها دون إمكانية ممارسة هذه الحركات ببلدانها وعلى أرض الواقع.

 على هذا الأساس، وبصرف النظر عن المواقف من هذا التوجه أو ذاك، فإن الشبكة قد استجلت، على الأقل لدى الغرب، العديد من الأخطاء الشائعة والمختلقة عن الدين الإسلامي وعن الحضارة العربية/الإسلامية.

على الرغم من ذلك، فالقيام بدراسة في مضامين هذه المواقع يبقى أمرا مستعجلا بكل المقاييس.

 التجديد: لقد أدى الانتشار الواسع لوسائل الإعلام والاتصالات والأنترنت إلى إيجاد حالة من القلق لدى المربين والآباء والأمهات تحسبا من تعريض أولادهم وبناتهم إلى ما يسيء لتوجهاتهم الحياتية ويسيء إلى الذوق العام لديهم مما قد يؤدي بهم إلى النزول إلى مستويات منافية لطموحات الأسر المحترمة.أستاذ يحيى هل وسائل الإعلام المتوفرة الآن تشكل خطرا على المجتمع وكيف يمكن حمايته من التأثير السلبي لهذه الوسائل؟

 يحيى اليحياوي: تأثير وسائل الإعلام على سلوك الأطفال إيجابا أو سلبا حسمته العديد من الدراسات الأكاديمية والميدانية تحديدا. بالتالي لا أرى مبررا للعودة لهذا الأمر من جديد.

بالمقابل نلاحظ منذ حوالي عقدين من الزمن أن وسائل الإعلام والاتصال قد أصبحت وسيلة من وسائل تقريب التعليم ومحاربة الأمية وضمان التكوين المستمر. وهذا مهم سيما لو كانت أهداف وغايات المنظومة التربوية والتعليمية محددة تحديدا دقيقا.

نفس الشيء لربما سيحصل مع الإنترنيت، إذ بصرف النظر عن بعض السلبيات الكامنة بالشبكة (مواقع إباحية، مواقع نازية وذات صبغة عنصرية وغيرها) فإن للشبكة تطبيقات مهمة للغاية لو تسنى، مرة أخرى، للقائمين على المنظومة المذكورة أن يضعوا ذلك في سياق مضبوط ومؤطر.

 أعود وأقول من جديد: العيب ليس في التكنولوجيا في حد ذاتها بقدر ما هو كامن في طبيعة الاستخدام وغايات التوظيف، أي أن الطريقة التي تتم فيها عملية سريان التكنولوجيا داخل المجتمع أو الثقافة أو المدرسة أو غيرها هي المحك وليس الأداة كأداة.

جريدة التجديد، 10 أبريل 2003 (حاوره زكريا سحنون)، الجزء الثاني

* "يحيى اليحياوي، الخبير في مجال الإعلام والاتصال ل'التجديد':المضامين العربية بشبكة الإنترنيت ضعيفة وفي المغرب لا تزال الشبكة نخبوية"، جريدة التجديد، 10 أبريل 2003 (2/3).

يمكنكم مشاركة هذا المقال