في أواخر السنة 1996، أصدر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو كتيبا صغيرا بعنوان " في التلفزة " ضمنه نصان له مرجعيان ("المنصة وخباياها"، "البنية الخفية وتداعياتها") وذيله بملحق عن "هيمنة الصحافة" كان قد سبق له نشره بدوريته الشهيرة "وقائع البحث في العلوم الاجتماعية".
لا تبدو لنا أهمية الكتاب كامنة في كون مؤلفه صاحب مشروع فكري متميز فحسب، بل وأيضا في ثلاثة جوانب أخرى تجعل من الكتاب إياه في صلب أكثر من إشكالية:
+ الأول ويتمثل في راهنية مضمونه ومحورية الطروحات التي دفع بها أو دافع عنها أو أعاد النظر في كنهها في ظل تعدد الأقنية وكثافة البث العابر للحدود واشتداد المنافسة وانفتاح السماوات و"انتصار" حضارة الصورة على ما سواها من أشكال التعبير الأخرى مسموعة كانت أم مقروءة أم متداولة بهذه الأداة أو تلك.
+ أما الجانب الثاني فيتراءى لنا كامنا في توظيف الكاتب لأدوات مجال اهتمامه الأساس (علم الاجتماع) لاستقراء "عالم التلفزة" في محدداته وآليات اشتغاله وميكانيزمات العلاقات التي تتكون بداخله أو من حوله أو من على هوامشه.
+ الجانب الثالث ويتعلق بتوفر المسافة الكافية التي تفصل الكاتب عن ذات العالم (عالم التلفزة أعني) والتي تضمن له التجرد في التقييم والموضوعية في الحكم.
فهو ليس فاعلا في الميدان بجهة الاشتغال أو الاستثمار أو ما سواهما، وهو ليس جزءا من ذات العالم بجهة التقنين أو التنظيم ولا هو من المراهنين الآنيين عليه لهذه الغاية أو تلك...هو بالتالي، بهذه النقطة، لا خصما ولا حكما، هو دارس للظاهرة من الخارج حتى وإن أضحى أواخر عمره " وجها تلفزيا" مطلوبا بهذا المنبر التلفزي أو ذاك.
وعلى هذا الأساس، فبيير بورديو، في هذين النصين (بالأصل محاضرتين بالكوليج دو فرانس) لا يدعي التفكيك البنيوي " للمعضلة التلفزية" بقدر ما يصبو إلى توفير "الأدوات والأسلحة لكل الذين يناضلون، عبر مهنة الصورة، من أجل ألا تتحول أداة الديموقراطية المباشرة الرائعة هاته إلى أداة للقهر الرمزي". بالتالي فالغاية هنا إنما "البدء بالتساؤل سياسيا (ولنقل سوسيولوجيا) عن الصورة وعن الصوت وعن علاقتهما".
ينطلق بورديو في تحليله "للحقل التلفزي" من ثلاثة معطيات بديهية يضع من خلالها السياق ويحدد عبرها مادة البحث:
+ الأول كون علم الاجتماع، كما سواه من علوم أخرى، إنما وظيفته (وفق بورديو) تعرية ما خفي من الأمور...من هنا، فهو " قد يساهم في التخفيف من العنف الرمزي الذي يعتمل داخل العلاقات الاجتماعية خصوصا علاقات الاتصال الإعلامي".
+ الثاني ويتمثل في الخصوصية الكبرى التي تتمتع بها "الأداة التلفزية"، ليس فقط كونها توفر (نظريا على الأقل) إمكانات بلوغ الجماهير في أدق درجات حميميتها دونما معوقات تقنية أو إكراهات خارجية تذكر، بل وأيضا لأننا نتجه بواسطتها، يقول بيير بورديو، إلى "عوالم سيغدو فيها العالم الاجتماعي مصنفا من خلالها وستضحو بالتالي الحكم لبلوغ الوجود الاجتماعي والسياسي".
+ أما ثالث المعطيات فيتمثل في كون الأداة التلفزية إنما هي، في الآن، ذاته عملية منبنية على الإخبار وعلى الإخبار بالخبر...بالتالي فهي "المصفاة" التي يتقرر عبرها الأهم من المهم وهي التي تبث في أمر تمرير هذا الخبر أو ذاك على أساس من هذه الخلفية أو تلك.
لو تسنى للمرء أن يعرض للمفاصل الكبرى التي تمحورت حولها مادة هذا الكتاب لاستوقفته حتما أربع نقط محورية ترد بالبحث بقوة في أكثر من سياق:
+ الأولى وتتمثل، من لدن الكاتب، في اعتبار التلفزة جزءا من فضاء اجتماعي عام ومهيكل، فضاء قوة بين مهيمن ومهيمن عليه، " فضاء علاقات لاتوازن قارة، ثابتة تعتمل داخل هذا الفضاء"...وأيضا فضاء صراعات مستمرة بغرض تغيير أو الحفاظ على موازين القوى هاته لدرجة يبدو معها أن"الكل داخل هذا العالم، يدمج في منافسته للآخرين القوة (النسبية) التي يمتلكها والتي تحدد موقعه داخل الفضاء وكذا استراتيجياته".
وعلى هذا الأساس، فبقدر ما هو مكمن صراع وتصارع داخلي، فإن الفضاء التلفزي (حسب بورديو) هو أيضا وفي الآن ذاته مسرح تصارع وممانعة بين فاعلين خارجيين يحملون عناصر ذات المسرح بذات المجال أو يعملون على توظيفه كآلية من الآليات الإضافية ...الفعالة والناجعة والقاتلة في أكثر من حالة.
الأداة التلفزية هي إذن وبامتياز مكمن صراع، لكنها في الوقت نفسه مترجم صراعات تدور من حولها أومن خارجها وتجد نفسها"مكرهة" على عكسها بالصوت كما بالصورة.
+ النقطة الثانية وتكمن في كون التلفزة أداة اتصال ذات استقلالية نسبية لا يمكن القفز عليها حيث تتمركز العديد من الإكراهات المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية بين الصحفيين، علاقات منافسة شرسة وتواطؤات ضمنية متمحورة "حول مصالح مشتركة، مرتبطة بالموقع المحصل عليه في حقل الإنتاج الرمزي أوعلى خلفية من البنى الذهنية وعناصر التمثل والتقييم المرتبطة بالموقع الاجتماعي وبمستوى التكوين (أو اللاتكوين)" عند هذا الطرف أو ذاك.
من هنا فالتلفزة لم تعد مكونا من مكونات فضاء الإنتاج الرمزي، بل أضحت "العنصر المهيمن على باقي مختلف أنشطة الإنتاج الثقافي بما فيها أنشطة الإنتاج العلمي والفني".
التلفزة أضحت، حسب بورديو، في مفترق التناقض بين "الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي من المفروض التموقع داخلها بغرض توفير إنتاج رمزي ما... وبين الظروف الاجتماعية لإرسال النواتج المحصل عليها في هذه الظروف..." وهو تناقض تعتبر التلفزة عاكسه ومنتجه في الآن معا.
+ أما النقطة الثالثة فتتحدد، وفق الكاتب، في البعد التجاري الذي يحكم التلفزة (يتحكم فيها زمن التنافسية والمنافسة) وما يستتبع ذلك من حروب حول نسب المشاهدة ومن "مطاحنات" بغرض الرفع من حصص سوق هذه القناة التلفزية أو تلك.
معنى هذا، يقول بورديو، إن الحقل التلفزي مرهون أيما يكن الارتهان من لدن قوى خارجية كبرى ذات خلفيات اقتصادية وتجارية خالصة أكثر ما هي سياسية... ساحة العقاب فيها من صلاحيات السوق لا من اختصاص غيره من باقي المستويات الأخرى.
ومعناه أيضا، يقول بورديو، إنه " شأنه في ذلك شأن الحقل السياسي أو الحقل الاقتصادي وأيضا الحقل العلمي أو الفني أو الأدبي أو القانوني، فإن الحقل التلفزي يخضع باستمرار لمحك أحكام السوق عبر العقاب المباشر من لدن الزبناء أو غير المباشر من خلال معيار نسب المشاهدة حتى وإن كانت معونات الدولة تضمن بعضا من الاستقلالية إزاء الإكراهات الآنية للسوق" وللفاعلين في خضمه.
+ أما النقطة الرابعة فتتمثل، في نظر بورديو، في توجه الأداة التلفزية بجهة غبن مبدأ التعبير عن المعرفة والفكر لفائدة مبدأ السرعة والآنية على الأقل على اعتبار العلاقة السببية السلبية بين المبدأين: "هل بالإمكان (يقول بورديو) التفكير داخل السرعة؟ هل التلفزة بإعطائها الكلمة لمفكرين يفكرون بسرعة متناهية، لا تحكم على نفسها إلا عبر مفكري الوجبات السريعة، مفكرين يفكرون بسرعة تتجاوز ظلهم؟".
يبدو إذن، على الأقل بناء على هذه النقط والطروحات، أن الحقل التلفزي إنما هو في محك هيمنة متزايدة للمنطق التجاري على حساب حقل سياسي مهووس بالديماغوجيا (تعقلنها له استطلاعات الرأي)، تتراجع استقلاليته يوما عن يوم وتتراجع بتزامن معه قدرة الممثلين (السياسيين وغيرهم) على الدفع بخبرتهم أو بسلطتهم كحماة للقيم الفردية أو الجماعية.
من غير المبالغ فيه ربما القول، بالمحصلة النهائية، إن الحقل التلفزي حقل مرتهن، خاضع، لا استقلالية ذاتية له، تتجاذبه المصالح والمستويات ومكامن النفوذ...هو حقل مستلب بكل المقاييس، وحل معضلته وفق ما يقرره بورديو إنما يتأتى من داخله ومن حوله "عبر خلق حلقة فضية تتوفر بصلبها مختلف سبل الاحتكام والنقد والتصارع لكن على خلفية من الأدوات والأسلحة العلمية والتقنية والمنهجية" لا على أساس غيرها.
لو جاز لنا، جدلا على الأقل، استقراء حال ومآل "الحقل التلفزي" بالمغرب، على ضوء ما ورد، لدفعنا بثلاث ملاحظات قلنا بها في أكثر ما من مرة وتتراءى لنا دائما ذات قيمة تحليلية كبيرة:
°°- الأولى أن التلفزة بالمغرب، بما هي جزء من جهاز وليست جهازا قائم الذات ومستقل، فإنها لا تساهم فقط في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة بل تدفع بها بجهة التسيد على الفرد كما على الجماعة.
بالتالي، فهي تعبير عن واقع حال غير سليم ولا ثابت لكنها تساهم في تثبيته وترسيم الآليات له في الجوهر كما في المظهر سواء بسواء.
هي من هنا(عن دراية أو عن جهل) إنما تدفع بعنف الرمز لدرجة التصادم مع ما سواه من مستويات قد يكون الاقتصادي والاجتماعي محددها وقد يكون السياسي والثقافي المعبر عنها، الممظهر لخلفياتها.
°°- الملاحظة الثانية وتتمثل في تجاهل التلفزة بالمغرب لمشاهديها لدرجة يخال للمرء معها أنها تجهل ما قد يكون المشاهد لبرامجها حتى تتكيف مع طلباته وتراعي ما يتطلع إليه من برامج في الشكل كما في المضمون.
هي وعاء للسلطة (وللسلطة الرمزية تحديدا) يخال للقائمين عليها ولكأن الذين ينظرون إليها إنما هم من أهل المال والسلطة والجاه ليس إلا.
وعلى هذا الأساس، فهي لا تدفع بحضارة الصورة كما لمح إليها بورديو تكرارا بمبحثه، بل تدفع بصور مكرورة تنافيها مادة وشكلا لدرجة تغدو الصور معها صورة واحدة تنتج ويعاد إنتاجها إلى ما لا نهاية دونما اعتبار لنسب المشاهدة.
°°- أما الملاحظة الثالثة فتكمن في الطبيعة الإقصائية التي تنهجها التلفزة بالمغرب والتي مؤداها ألا مكان لمن لا ينصهر في " منظومة الفكر" القائمة ولم يندغم في صلبها شكلا ومضمونا، بل ولم يمرر " لسمو" ذات المنظومة واعتبارها "الأفضل على أية حال".
هي حالة خاصة، شاذة بكل المقاييس بالمغرب، تعطي الانطباع (المؤكد ربما) بأننا إنما بإزاء "ماكينة" تقضم كل من اعترض طريقها بالجسد أو بالكلمة...ألم " تقتل" التلفزة بيير بورديو ذاته عندما تعرض لخبايا ذات الماكينة...فأقصته بالجملة والتفصيل في عطاءاته كما يوم أذيع خبر وفاته...؟
جريدة العلم، 22 غشت 2004