بصرف النظر عن تباين التحديدات لمصطلح "مجتمع المعرفة"، وبغض الطرف عن السياقات العامة التي استنبتته هنا وهناك، فإن واقع المعرفة بالوطن العربي يجعل من توظيف المصطلح إياه، إذا لم نقل تمويهيا، فعلى الأقل متجاوزا على الحقيقة بمحك الواقع.
هناك، فيما نتصور، أربعة جوانب كبرى بالإمكان رصدها (وقد رصدتها من ذي قبل تقارير الأمم المتحدة عن المنطقة العربية) تبين حال المعرفة بالمنطقة إياها، وتستشرف على ضوئها سبل بلوغ مجتمعات المعرفة، كما تتوجه بصوبها العديد من الدول (بما فيها الدول الصاعدة بآسيا أو بأمريكا اللاتينية أو بغيرها):
+ الأول ويتعلق بواقع "معرفة القراءة والكتابة". بهذا الجانب تقول التقارير بأنه على الرغم من تراجع معدل ونسبة الأمية بين البالغين من 60 بالمائة سنة 1980، إلى 43 بالمائة أواسط تسعينات القرن الماضي، فإن حجم الأمية الأبجدية بالمنطقة العربية في تزايد، لدرجة دخلت معه المنطقة العربية القرن الجديد بأكثر من 60 مليون أمي، جلهم من النساء وبالمناطق الريفية (مع العلم أنه لا يستفيد من "التعليم ما قبل المدرسي" إلا مليونين ونصف طفل عربي، ومن التعليم النظامي إلا 56 مليون سنة 1995، مع تزامن ذلك وتراجع الإنفاق على التعليم، الذي انخفض بالنسبة للفرد الواحد من 20 إلى 10 بالمائة بين 1980 و 1995).
هذا الواقع، تقول تقارير الأمم المتحدة، لا يمكن إلا أن يفرز واقعا مختلا، تتراجع بصلبه مستويات التحصيل، والقدرة على التحليل والابتكار، ناهيك عما يترتب عن ذلك من فجوة مع سوق العمل وغيره. وهو ما يفترض "إصلاحا تعليميا شاملا"، يكون أساسه "النشر الكامل للتعليم".
+ الجانب الثاني ويرتبط بواقع البحث العلمي والتطوير التكنولوجي بالمنطقة العربية، جراء سياسات النقل التكنولوجي المعتمدة، وسيادة " سياسات تكنولوجية" أفرزت فجوة رقمية في المعلوميات والاتصالات (كونها هي "ركيزة مجتمع المعرفة")، وغيبت إمكانات استنبات "سياسة معلوماتية على صعيد العالم العربي"، تكون له الموجه والناظم.
بالتالي، فإن اختلال منظومة البحث والتطوير بالوطن العربي، لم تفرز فقط حالة اختلال على مستوى التنمية في مدخلاتها، بل أفرزت اختلالات كبرى على مستوى المخارج، أي على مستوى التأثير في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وما سواها.
+ أما الجانب الثالث فيكمن في ملاحظة تدني "عنصر المحتوى" (سيما باللغة العربية) الذي هو "عصب مجتمع المعرفة"، وعنصر منافسة اللغة العربية بالشبكات الألكترونية.
هذا ناهيك عن ضعف مستويات الإنتاج العلمي والتكنولوجي باللغة العربية، وتدني نسبة الترجمة إليها، وضآلة ما تتم رقمنته وإيلاجه بشبكة الإنترنيت، وما سوى ذلك.
قد يكون بعض من المسؤولية (بهذه النقطة تحديدا) قائم بجهة اللغة العربية (كون شبكة الإنترنيت لاتينية اللغة بامتياز)، لكن الجزء الأكبر منها إنما يبدو لنا في أهلها، أي الثاوين خلف إنتاج، أو على الأقل رقمنة ما توفر باللغة العربية، وتوفيره بالشبكة إياها.
بالمحصلة إذن: إذا كانت المواقع العربية بالإنترنيت ضعيفة بدرجات متقدمة (حجما وعددا وتصميما)، وإذا كان البحث العلمي والإبداع التكنولوجي بالوطن العربي ضعيفا ومترديا، وإذا كانت السياسات التكنولوجية لا تعمل بجهة بناء وإقامة مجتمعات للمعرفة... فهل العيب في ذلك (والسبب أيضا) متأت من اللغة العربية (التي يشاع أنها لا تساير تطورات تقنيات العصر) أم ترى أن الإشكال، كل الإشكال كامن في أهلها، لا فيها هي بحد ذاتها؟
قد يكون في التساؤل الأول بعض من الوجاهة، وقد يكون بالتساؤل الثاني بعض منه أيضا، لكن وجه الصواب، فيما نتصور، إنما يكمن بعضه تأكيدا في اللغة، وبعضه الأكبر مؤكدا في القائمين عليها، ساسة وأهل اللغة المتخصصين ذاتهم.
الرباط، 27 شتنبر 2010