1- قد يبدو أمر الربط بين العولمة واقتصاد السوق أمرا طبيعيا لدرجة البداهة، إذ العولمة إفراز لاقتصاد السوق، واقتصاد السوق مرتكز العولمة وجوهرها. لكنه (أعني أمر الربط) قد لا يبدو مستقيما في ثنائية العلاقة بين العولمة و"مجتمع السوق"، سيما في طرف ذات الثنائية الثاني. ففضاء المجتمع ليس بالضرورة فضاء السوق، وفضاء السوق بدوره لا يحيل على منظومة المجتمع وإن كان بين السوق والمجتمع أكثر من نقطة التقاء وبينهما أكثر من آلية ارتباط.
لن يصعب التحاجج على خلفية من تفاعل السوق والمجتمع (بجهة التداخل والتأثير لا بجهة من منهما صنيعة الآخر) ولا على خلفية من فعل بعضهما في الآخر، بقدر ما يتعذر أمر التحاجج ذاك عندما يتم ربط العولمة ب"مجتمع السوق" بجهة الفعل والفاعل لا بجهة التأثير والتفاعل.
والواقع أن ظاهرة العولمة الاقتصادية التي تكرست، في ظلها، منذ عقدين من الزمن أو أكثر، أطروحة "انتصار الليبرالية" (في الفكر كما في الممارسة) و "سمو السوق" على غيره من أشكال التنظيم الاقتصادي، لم تكتف بإرساء منظومة اقتصاد السوق والتبشير بكونها "الأفضل والأمثل" و"الأخيرة" فضلا عن ذلك في الاقتصاد، بل لا تتوانى تفعل بجهة عكسها على المجتمع في الشكل كما في الجوهر.
بالتالي، فبقدر ما يتحدد اقتصاد السوق في كونه التمثل الذي يختزل السوق، في خضمه، العلاقات الاقتصادية القائمة (أو التي من الوارد أن تقوم)، فإن "مجتمع السوق" لا يخرج عن نطاق كونه التمثل الذي يصهر العلاقات الاجتماعية في منظومة السوق إياه، تماما كما تنصهر السلع والخدمات بداخلها.
لا تقتصر العولمة، في الحالة الأولى، على "تسييد" المبادرة الاقتصادية الخاصة ومبدأ المنافسة والحق في التملك والتكسب الفرديين (بداخل السوق لا بين ظهراني سواه)، فإنها، في الحالة الثانية (حالة "مجتمع السوق") لا ترى من مسوغة لنفي المبادئ إياها عن المجتمع أو عن سلم القيم والتمثلات والسلوكات التي تعتمل بداخله.
2- من هنا، فلو كان لنا أن نستقرأ التجليات الكبرى التي تربط عنصري هذه الثنائية (أعني ثنائية العولمة و "مجتمع السوق") لاستقرأناها (دونما قليل اختزال) في أربع توجهات كبرى هي، حقيقة الأمر، توجهات العولمة نفسها:
- التوجه الأول ويتمثل في "تصميم" العولمة على إخضاع الآليات المجتمعية (في شموليتها) لمقاييس وميكانيزمات وبنى السوق، وموسطتها بالتالي بواسطة أدواته لا اعتبارا لأدوات أخرى سواه.
لن تبق الآليات إياها ولا الموسطة تلك مستقلة المرجعية والفضاء بقدر ما ستصبح جزءا من منظومة للسوق لا يتغيأ تقييما آخر سوى التقييم المنبني على مبادئ المبادرة الخاصة والمنافسة والإنتاجية والمردودية والربح. أي أن سلوك المجتمع سيصبح من سلوك السوق وعقلانيته من عقلانيته لا فقط من باب الاختزال العرضي بل من منطلق الانصهار "البنيوي".
- التوجه الثاني ويكمن في سير العولمة "الحثيث" باتجاه تنظيم القطاعات والأنشطة (التجاري منها كما اللاتجاري) وفق منظومة السوق و "سلم قيمه".
لا يتعلق الأمر هنا، من لدن العولمة كما من لدن اقتصاد السوق بداخلها، بتصنيف منهجي للقطاعات والأنشطة تلك (كما قد يذهب إلى ذلك المحاسبون)، بل وبالأساس بغرض " تسليع" اللاتجاري منها و "حقنها" بمبادئ السوق و " قيم" المتاجرة.
وعلى هذا الأساس، فليس المطلوب إلحاق نشاط كالتلوث ضمن سلسلة القطاعات المتواجدة، ولا المرغوب فيه من وراء ذلك الحد من الإفرازات المضرة بالبيئة، بقدر ما هو مطلوب (ومرغوب فيه أيضا) جباية الملوثين وتحويل قطاعهم إلى " قطاع منتج". لن يغدو التلوث، وفق هذا التصور، إشكالا بيئويا محتج عليه، بل سيغدو إن لم يكن " نشاطا تجاريا" قائما، فعلى الأقل فرعا من النشاط الاقتصادي أو الصناعي المنتج.
- التوجه الثالث ويتعلق بالتمييز المبطن (لكن التدريجي) الذي تقيمه العولمة بين النشاط التجاري والنشاط اللاتجاري، والذي ترهن بموجبه الثاني لفائدة الأول.
ليس التلميح هنا إلى القطاعات (والسلع والخدمات) التي كانت إلى حين عهد قريب حقوقا "اقتصادية" قائمة (كالصحة والتربية والبريد والاتصالات وغيرها) وتحولت، جراء مسلسلات الخوصصة المستمرة، إلى سلع وخدمات يسري عليها من المنافسة التجارية ما يسري على سواها، ولكن أيضا وبالأساس إلى التمثل الذي لم تفتأ العولمة تدفع به " لتغيير النظرة" لهذه السلع والخدمات و كذلك"الحقوق".
بالتالي، فلن يصبح بإمكاننا استقراء واقع التربية (بالدول المتقدمة كما بالعالم الثالث) إلا في كونها مكونا من مكونات "مجتمع السوق"، تقدم المدرسة في إطاره السلع والخدمات "التربوية" كأي "شركة أخرى"... ما دامت تهيأ النشأ للانخراط في الحياة العملية بفضل "تزويدها" لهم ب "الخدمات" الضرورية لذلك.
لا قيمة هنا لثنائية الخاص والعام (يقول زكي العايدي) ما دام الخطر كامنا لا في تمثل الملكية بل في التمثل المتزايد للتربية كسوق أي كمكون من مكونات "مجتمع السوق" وذلك بصرف النظر عن كون التربية مكمن مردودية أم لا.
- التوجه الرابع الذي تدفع العولمة بمقتضاه المجتمع ليتحول إلى "مجتمع السوق" ويتمثل في ربط فضاء الخصوصيات المهنية وحميميتها بمبادئ تجارية تنزع عنها الهوية وتفرغ ذاتها من كينونتها.
لن يصبح للتربية والتعليم مثلا، وفق هذا التوجه، من استقلالية عن "مجتمع السوق" تذكر بحكم كونها أضحت "مؤسسة إنتاجية" ذات مخرجات "تجارية" بل أيضا لكون المخرجات إياها أضحت (وستضحو أكثر فأكثر) محكومة بالمردودية الآنية والتسويق السريع.
بالتالي، فسيكون من المتعذر تسويق السلع والخدمات "التربوية" إذا كانت مردوديتها متوسطة أو طويلة الأمد أو ينظر إلى الاستثمار في إعادة تكوينها إهدارا للوقت أو زيادة في التكلفة. لا تشد قطاعات الصحة والثقافة والرياضة والترفيه عن هذا السياق، إذ تعذر انخراطها في "مجتمع السوق" سيكون من تعذر تسويق "سلعها وخدماتها" وضمان المردودية لها، والعكس بالعكس.
- التوجه الخامس ويرتبط أساسا بالفصل التدريجي (لكن القائم بقوة) على نفي صفة "الفاعل الاقتصادي" عن سلوك الدولة وإفراده للفاعلين الاقتصاديين الخواص ذوو النزعات الفئوية.
لا يأتي تسويغ ذلك فقط في إمعان العولمة على خوصصة الملكية العامة (ومطالبة الدولة بالاقتصار على فضائها التقليدي المتعارف عليه) جراء رفض هذه الأخيرة إخضاع ذات الملكية لمقاييس اقتصاد السوق، ولكن أيضا بسبب ما اعتبره الفاعلون الخواص "سلوكيات لاعقلانية" من لدن الدولة من شأنها "التضبيب على السوق" أو التشويش عليه.
3- نحن إذن، بمحصلة هذه التوجهات، بإزاء تقديم لمنطق السوق على منطق المجتمع وبإزاء تكريس لمبادئه ومنظومته على حسابه ولكأن ما يقدم على أنه "انتصار للفكر الليبرالي" (واعتباره "الأخير والنهائي") لن يتم له ذلك فقط على مستوى اقتصاد السوق، بل وأيضا على مستوى ترجمة منظومة " قيمه" إلى منظومة قيم المجتمع وتقديم سلوكيات السوق على سلوكيات المجتمع.
لم تعد "حتمية" التوجهات إياها مدعاة تشكيك أو ارتداد: فالعولمة نجحت وإلى حد بعيد في اختراق منظومة المجتمع وحقن مكوناته العامة والخاصة وعلاقاته المختلفة وقطاعاته بسلوك وتمثلات و " قيم" الفضاء التجاري المبني على الإنتاجية والمردودية والربحية وغيرها.
وعلى هذا الأساس، فلم تكن مناهضة العولمة (خطابا وممارسة) نابعة فقط من رفض الأفراد والجماعات (والدول أيضا) لتبعاتها وانعكاساتها الآنية والمباشرة، بل تعدتها لتطال المرجعية التي من صلبها استنبتت أطروحة "مجتمع السوق":
+ فموسطة العولمة لعلاقة المجتمع بالسوق لم تنقلع بموجبها سبل الممانعة بين منظومة اقتصاد السوق ومنظومة المجتمع بل تم في إطارها صهر الثانية في الأولى على خلفية من "مثالية" السوق وسيادة السلوكات "اللاعقلانية" لمكونات المجتمع.
لا ينحصر الأمر، في هذه الموسطة، عند إشكالية العام والخاص في ملكية ذات المكونات بقدر ما يتعداها إلى جهة تمثل السلعة وتوسيع نطاقها إلى فضاء "اللاسلعة".
بالتالي، فالموسطة إياها لا تدفع فقط بجهة تكريس العولمة لمجتمع السوق عبر إيديولوجيا الاستهلاك التي لا تتوانى في تأجيج نعرتها، بل تتعدى ذلك إلى نزوعها المستمر لجعل هويات الأفراد والجماعات بالمجتمع من هوية السوق ومن منظومته.
+ والعولمة لا تتغيأ، من الموسطة إياها، خلق توازن بين السوق والمجتمع، يقتصر دور الخواص فيه على الأول في حين تتكفل الدولة بتنظيم ورعاية الثاني، بل تستهدف في الشكل كما في الجوهر، دفع الدولة إلى تكريس "مجتمع السوق" عبر التأطير القانوني والشرعنة المؤسساتية له لدرجة يخال للمرء معها أن الدولة (لا الفاعل الخاص) هو صانع المجتمع إياه وراعيه الأول.
لا تخرج مسلكيات "الطريق الثالث" (الشديد التموسط في السنين الأخيرة) عن هذا السياق، ولا سياسات "الحكومات اليسارية" (بالدول المتقدمة) عن ذات التصور ولا خطابات الحاكمية التي ما فتئت المنظمات الدولية تروجها على نطاق واسع عن دواليك تسويغات: إذ، تبدو، في انفرادها كما في اجتماعها، محاولة في " تقريب" المجتمع من السوق، في حين هي دفع حثيث بجهة الاندماج العضوي لمنطق المجتمع بمنطق السوق.
4- ليس من الهين استشراف أبعاد العولمة ولا استشراف ما قد يكون عليه "مجتمع السوق"... إذ اضطراب مكوناتهما وتسارع وتيرتهما لا يمكنان التخمين أو الاستشراف الدقيقين. لكن الثابت بصرف النظر عنهما أو بموازاتهما:
°°- أن لا تعارضا قطعيا بين السوق والمجتمع، فهما فضاءان قائمان ومتداخلان، ومنظومة قيم كليهما إلى حد بعيد متكاملتان، لكن المتعذر هو محاولة اختزال أحدهما في الآخر أو صهر كلاهما في الآخر.
°°- أن وتيرة العولمة لن تزداد، مع الزمن، إلا إقصاء للدول والشعوب، للاقتصاديات والثقافات، للأفراد والجماعات، بالتالي فلا يتراءى لنا من سبيل لكبح جماحها سوى ضرورة تلقيحها بقيم تحول دون تشديدها أو تشدد الفاعلين بداخلها.
°°- وأن تفكيك التوجه الوحداني للعولمة و "مجتمع السوق" والدفع بالحق الطبيعي للمجتمع في الاختلاف لا يتراءى لنا فقط في تكثيف الاحتجاج على العولمة وتقوية المناهضة لفاعليها، بل أيضا وبالأساس من خلال تفكيك بناها الثقافية وبنى تمثلها للاقتصاد والمجتمع وتطويعها لتصبح تمثلا ضمن تمثلات مختلفة لا التمثل "الوحيد والأخير".
* "العولمة ومجتمع السوق"، جريدة العلم، 21 يوليوز 2002. موقع الحوار الوطني، دمشق، 15 أبريل 2007.