تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن الجدوى من قمة الخرطوم"

news-details

للخرطوم، في الذاكرة العربية (الرسمي منها كما الشعبي سواء بسواء)، رمزية خاصة تطفح للسطح كلما تم الحديث عن القمم العربية أو شد العزم على عقد إحداها:

+ فهي المدينة التي استقبلت الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بحرارة وعفوية ندر مثيلهما وهو مهان، مهزوم، مكسور الجناح، منحط المعنويات وجزء من بلده أضحى تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر.

+ وهي المدينة التي التأمت من بين ظهرانيها قمة عربية اشتهرت (في أعقاب نكسة 1967) برفع لاءاتها الثلاثة: لا تفاوض مع إسرائيل ولا صلح معها ولا اعتراف بوجودها.

+ وهي التي مهدت لحرب الاستنزاف وفسحت في المجال واسعا لانتصار أكتوبر 1973 وأعادت لعبد الناصر (وهو في قبره) بعضا من الكرامة ولمصر (وللعرب أجمعين عبرها) بعضا من الهيبة والاعتبار.

وإذا كانت قمة الخرطوم 1967 تؤرخ حقا لمرحلة مفصلية إيجابية في سيرورة كانت منذ العام 1945 عادية في أداء الجامعة العربية، فإن ثمة تاريخان مفصليان سلبيان آخران أثرا على الأداء إياه وحولا إجماع الخرطوم إلى مجرد ذكرى جميلة ليس إلا:

+ فزيارة السادات لإسرائيل في العام 1977 لم تطعن قرارات الخرطوم في صميمها، بل أصابت في العمق ميثاقها مقوضة بذلك أدنى درجات التنسيق التي كانت الجامعة إياها مكمنها والآية القائمة من وجودها.

+ وشرعنة إخراج العراق من الكويت بالقوة التي ترتبت عن قمة القاهرة بالعام 1990 أشرت بما لا يدع مجالا للشك أو المزايدة العقيمة أن الجامعة قد باتت الحاضن الرسمي لتفرقة العرب في الجوهر حتى وإن قبل بعضهم (بالمظاهر) مجالسة البعض الآخر وهو غريمه أو يضمر له الشر والعداء.

 وإذا كان من الثابت حقا أن جامعة الدول العربية لا تعدو، بالبداية وبمحصلة الأمر، سوى كونها سكرتارية رسمية لتنفيذ ما أجمع عليه الرؤساء والملوك العرب (والإجماع ذاته لم يعد عنصر تقييد منذ قمة 1990 المشؤومة)، فإن الثابت أيضا أنها لم تعد (ولن تكون منذ قمة الخرطوم الأولى) مكمن مراهنة كبير للحل والعقد في حاضر العرب ولا في مستقبلهم لدرجة أضحى معها مجرد الالتئام مكسبا في حد ذاته، في حين أن المفروض أن ذات الالتئام هو مدخل ليس إلا لتشريح القضايا العربية المطروحة ومعالجتها بهذه  الصيغة أو تلك.

ولئن أضحت " قرارات" القمم العربية وتوصياتها مجرد ردود فعل على قضايا عامة أو محددة، سيما بجانب الصراع مع إسرائيل، فإن ذات القرارات والتوصيات غالبا ما لا تستتبع بإجراءات عملية أو تخضع لعمليات التقييم الدورية لتتقصى العثرات أو تسرع من وتيرة التنفيذ.

وعلى هذا الأساس، فإن القمم إياها إنما طاولها التآكل... والجامعة ذاتها أصابها العطب وتجمدت آلياتها وبدأ العديد من الحكام العرب يتبرمون عنها وعن حضور لقاءاتها... ناهيك عن استهزاء العالم بها وعدم اكتراث إسرائيل بما يصدر عنها وهكذا.

لن تخرج قمة الخرطوم لمارس الحالي عن السياق العام الذي حكم مفاصل الجامعة العربية ولا يزال يكون لها العنصر الجوهري الناظم:

+ فهي تنعقد " لتبث" في المسألة العراقية المتشابكة الأضلع وهي (أي الجامعة) تعلم علم اليقين (على الأقل باعترافها بحكومة الاحتلال) أن الإشكال يتجاوزها بكثير، وتدري جيدا أن المطلوب منها ليس المطالبة بتحرير العراق، بل مساعدة الاحتلال على الخروج من مستنقعه أو على الأقل التخفيف من معاناته وقبل كل هذا وذاك المساعدة على الالتفاف على المقاومة وتصنيفها ضمن خانة الإرهاب كما تدفع بذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

بالتالي، فلن تخرج القمة بهذه النقطة، إلا بتوصيات (أو ب" قرارات") إنشائية، غامضة وملتوية " تتشبث فيها بوحدة العراق ووحدة أراضيه"... حتى بإدراك المجتمعين (وزراء خارجية وحكام) أن الجامعة إياها هي التي شرعنت لغزو العراق وتواطأ معظم أعضائها (جهارة وفي السر) على ضرب العراق واستباحته واحتلاله.

عن أي مسألة عراقية سيتحدثون وهم يعلمون أن رئيس دولة العراق الشرعي بسجن الاحتلال الأمريكي دونما موجب حق يذكر؟ وعن أي عراق سيتحدثون ودول الجامعة الكبرى (مصر والسعودية تحديدا) كانت منطلق طائرات الغزو وممر بوارجه الحربية؟

+ ثم أن القمة تنعقد للتداول في القضية الفلسطينية وهي تعلم جيدا ليس فقط أن تراجع العرب عن لاءات الخرطوم لم يعد كافيا بحد ذاته، بل يدركون تمام الإدراك أن إسرائيل ماضية في خطها دون رجعة سواء رضي العرب (والفلسطينيون) بذلك أم عارضوه؟

وعلى الرغم من التغييب القسري لحكومة حماس المنتخبة (وهي صاحبة الشأن في هذه القضية) والتحايل القانوني من لدن رئيس السلطة الفلسطينية كي لا يتم استدعاؤها، فإن المؤكد أن القمة لن تخرج في بيانها الختامي (وحتى ب" قراراتها") عن مطالبة الحكومة الجديدة "الالتزام بما تم اعتماده من لدن الشرعية الدولية" من خطط ومبادرات وما سواها... إذا لم تطالبها جهارة بالاعتراف بإسرائيل لتبيان " تمسك العرب بخيار السلام".

عن أي قضية فلسطينية سيتحدثون والحكام العرب عاجزون عن التنديد (حتى التنديد في حده الأدنى) بمجازر إسرائيل أو إيقاف مخططاتها الأحادية أو الحيلولة دون تهويدها المتسارع لمدينة القدس؟

عن أي قضية سيتحدثون وهم (فرادى وجماعات) يطلبون ود إسرائيل ويتفاخرون بعلاقاتهم السياسية والاقتصادية معها؟

+ والقمة تعقد " للنظر" في أزمة دارفور وهي تعرف مسبقا أن الأزمة إياها تخترقها مصالح جيوستراتيجية لدول كبرى وتفعل فيها مجموعات تتباين رهاناتها بالشكل كما بالمضمون.

كيف لجامعة، متكلسة تكلس أعضائها ولربما أكثر، أن تحل "المعضلة السودانية" (ودارفور عنصر من المعضلة إياها ليس إلا) وهي تعلم أن سبل الحل مرتهنة بالجملة والتفصيل بالمصالح الخارجية الكبرى وبالتطاحنات الداخلية المتناحرة على الثروة والسلطة والنفوذ؟

+ والقمة تتبجح بإدراج علاقة التوتر بين لبنان وسوريا ضمن مداولاتها في حين أنها تعلم أن أرقى ما تستطيعه هو "مطالبة الأطراف تطبيق قرارات الشرعية الدولية" المحيلة حتما على ارتهان لبنان (عبر تقويض سلاح المقاومة) وتضييق الحصار على سوريا في أفق تدميرها تماما كما تم بالعراق من ذي قبل. كيف لجامعة مرتهنة القرار أن تفعل في " ملف" هو من صلب الاستراتيجية الأمريكية لإعادة  ترسيم حدود المنطقة برمتها وتقويض سبل الممانعة من بين ظهراني هذا النظام العربي أو ذاك؟

+ ثم هي تتحدث في جدول أعمالها عن " قضايا تنموية وثقافية وهيكلية" أي بجانب إعادة هيكلة الجامعة. كيف السبيل إلى إعادة هيكلة بناء مهترئ، كل عناصره تحتضر ولم يعد لوجوده اعتبار يذكر؟

إن الجامعة العربية (تماما كالعديد من التنظيمات الإقليمية والجهوية العربية) إنما أضحت علة على الشعوب تماما كما هي النظم التي تمثلها، واجتماعاتها الدورية لا تخرج عن نطاق تبذير  المال العام لشعوب جائعة، معطلة ومقصية من القرار.

لست أدري حقا هل مكابرة الجامعة العربية في عجزها وترهلها هو حالة من حالات ألم الولادة أم تراها حالة من حالات غصة الموت؟

يبدو لي أنها سكرات الموت التي تنتابها فباتت بحاجة ماسة إلى وصفة من وصفات الموت الرحيم.

* "عن الجدوى من قمة الخرطوم"، التجديد العربي، 29 مارس 2006، جريدة القدس العربي، 31 مارس 2006، جريدة التجديد، الرباط، 5 أبريل 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال