تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التنمية في مجتمعات غـير مـستقرة"

المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ومؤسسة انتراك

بيروت، دجنبر 2006، 94 ص.

1- بمقدمة الكتاب، وهو بالأصل تجميع لأوراق ورشة نظمها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ببروت في العم 2006، نقرأ التالي: "حققت الكثير من الدول العربية تقدما ملحوظا في مجالات اقتصادية واجتماعية متعددة، تجلت بشكل خاص في تراجع معدلات التضخم، وتقليص العجوزات العامة في ظل الطفرة النفطية، وزيادة حجم الصادرات، وتوفير بنى تحتية داعمة للنمو، وانخفاض معدل الوفيات، والإلمام بالقراءة والكتابة. ومع ذلك، استمرت خيارات الإنسان في منطقتنا العربية بالضمور، في موازاة اتساع فجوة المعرفة بين مخرجات النظم التعليمية وأسواق العمل، وتدهور حقوق الإنسان وقيم العدالة، فضلا عن تضاؤل فرص العمل، والمشاركة بأشكالها السياسية والاقتصادية، إلى جانب التدهور المريع للبيئة".

ويتابع مقدم الكتاب: "هذا الواقع التنموي المأزوم والمزري، ترجم عمليا بارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة والفساد والمرض والجريمة والجهل والقمع والتعصب، مما دفع بمراتب معظم الدول العربية في السنوات الأخيرة، إلى التراجع كثيرا على مقياس التنمية العالمية بنوعيها البشري المقيد والإنساني الموسع، خلف بقية دول العالم النامي، في شرق آسيا وأميركا اللاتينية والكاريبي".

بالتالي، فقد بات ملحا، يقول المقدم، "أمام التحولات السياسية والاقتصادية والمعرفية المتسارعة والمذهلة التي يشهدها العالم، عقد العزم وأخذ المبادرة في مواجهة المخاطر والتحديات، التي باتت ترسم بقلق بالغ أكثر من علامة استفهام، حول مصير عالمنا العربي والاسلامي، سواء في وجوده أو في علاقاته مع بقية العالم".

2- ينقسم الكتاب إلى مجموعة نصوص، حاول كتابها مقاربة الإشكالية المطروحة، كل وفق زاوية محددة، لكنها تصب مجتمعة في موضوع الورشة وأهدافها:

+ بالنص الأول ("أفكار حول التنمية في مجتمعات غير مستقرة")، يقول علي فياض: إن المقصود بالمجتمعات غير المستقرة في وقتنا الحاضر، إنما " تلك التي تعاني من نزاعات/حروب في الداخل و/أو مع الخارج، تقف وراءها مصالح وأطماع الدول الكبرى".

ويترافق عدم الاستقرار في نظره، مع تعطيل/ تدمير (تختلف درجاته) للمقومات الذاتية للتنمية في المجتمع المعني، والتي تطال بشكل خاص الرأسمال البشري، حيث يتعرض السكان للقتل والإعاقة والأمراض الجسدية والنفسية المختلفة، أو للتهجير والنزوح الداخلي عن مواطن السكن والعمل، أو للهجرة الخارجية، سيما بالنسبة للكفاءات العلمية العالية واليد العاملة المؤهلة. وتطال أيضا الرأسمال المادي، من خلال تعطيل وتدمير البنى التحتية من شبكات مياه وكهرباء ومواصلات واتصالات ومرافق عامة، وتدمير مؤسسات الإنتاج من مزارع ومصانع ومتاجر، بما في ذلك الآلات والمعدات ومختلف التجهيزات والمخزونات، وهروب الرساميل الوطنية إلى الخارج، وإحجام الرساميل الأجنبية عن الاستثمار في الداخل.

إن مع تعطيل المقومات الوطنية للتنمية لا يبقى، يقول الكاتب، من أجل مواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، سوى المبادرات التي تأتي من الخارج (حكومات وهيئات أهلية ومنظمات دولية)، وهي تأتي في معظم الأحيان، على شكل برامج إغاثة ومساعدات إنسانية، لا يكون من شأنها في أحسن الأحوال، سوى التخفيف بعض الشيء من وقع المآسي، التي تعاني منها المجتمعات المعنية.

والمفارقة الكبرى، يؤكد الكاتب، أن عالمنا العربي والإسلامي، وعلى الرغم ولربما بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي المميز، يحتوي على أكبر مخزون للطاقة في العالم، وعلى العديد من المواد الأولية الأخرى، التي تمنحه مصدر قوة وفعالية كبيرين.

من هنا، فلا يمكن حقا، تقديم حال التنمية في المنطقة العربية دون دراسة كلا البعدين الداخلي والخارجي في إنتاج أزمة التنمية وتعثرها، مع ضرورة أن تلحظ المقاربة من الناحية المنهجية، تداخل العوامل وتأثيرها الجدلي المتبادل.

بهذه النقطة، يلاحظ الكاتب أنه ثمة، على مدى السنوات العشر الماضية، مقاربتين اثنتين تعكسان فهم الغرب لطبيعة وحقيقة الأزمات القائمة في العالم العربي: الأولى هي المقاربة الأوروبية للشراكة الأوروبية المتوسطية، التي تطورت إلى ما يسمى بسياسات الجوار الأوروبية، والتي احتفلت أوروبا العام الماضي بمرور عشر سنوات على إطلاق مسارها في برشلونة، والتي تم الاعتراف كذلك بإخفاق رهاناتها.

الملاحظ هنا، يقول الكاتب، أن الرؤية الأوروبية ترى في الفقر "أساسا للاضطراب الذي تصدره المنطقة، والذي تطور إلى إرهاب وهجرات. ويبدو واضحا أن برنامج المساعدات الذي وضع للمعالجة، يستند إلى أساس اقتصادي في التشخيص والعلاج، والذي أضيف إليه مع سياسات الجوار الأوروبية بعد سياسي، مع التأكيد على قيم حقوق الإنسان والحريات والديموقراطية".

إلا أن المشكلة الرئيسية في هذه المقاربة، أنها تغفل الجذر الرئيسي للاضطراب في المنطقة، أي المشكلة الفلسطينية، وسياسات الحروب المستمرة ضد المنطقة من ناحية، وتسلط الأنظمة ودكتاتوريتها، من ناحية ثانية.

أما المقاربة الثانية فهي المقاربة الأمريكية، وهي التي طرحت عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير، والذي يفترض في التغير الديموقراطي حلا لكل مشاكل المنطقة، بما فيها مشاكل الإرهاب والاضطراب والفقر وما إلى هنالك. مشكلة هذه المقاربة أنها أغفلت أيضا أصل مشكلة الاضطراب والعنف، وهو الصراع العربي/الإسرائيلي، نتيجة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وأراض عربية أخرى.  ومشكلتها أيضا أنها خلطت بين الإرهاب وحق مقاومة الاحتلال، وحق الدفاع المشروع عن النفس، بحيث لم يجر تحديد دقيق للإرهاب.

+ بالنص الثاني ("إشكالية العلاقة بين عمليات التنمية وغياب الاستقرار في مجتمعات مضطربة") يقول محمود عبد الفضيل: " تعانى منطقة المشرق العربي من عدوان إسرائيلي ـ أمريكي ـ بريطاني مستمر، يستهدف تدميرا منهجيا للبنية التحتية، وتفكيك النسيج الاقتصادى والاجتماعي والسياسي في تلك الأقطار العربية الثلاث".

ويستدل على ذلك، بعمل هذا الحلف على تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية على نحو غير مسبوق. "وقد لا أغالي كثيرا إذا قلت إنهم يريدونها حرب أهلية في كل مكان: تدمر ولا تبني، وتفكك الوحدة الوطنية، التي تعتبر الشرط الضروري والأساسي للانطلاق نحو عملية تنمية متواصلة، وبالتالي، نشر حالة من الفوضى غير الخلاقة ".

ويلاحظ الكاتب، من جهة أخرى، أن اقتصاد السوق الحر تماما، في غياب مخططات توجيهيه، لا يصلح كإطار تنظيمي لعملية التنمية، وأن اللامركزية ضرورية لتوطين مراكز الإنتاج للسلع الاستراتيجية، وأنه لا بد من اعتماد مرونة في الجهاز الإنتاجي من خلال السير على ساقين: وحدات إنتاجية كبيرة، مقابل وحدات إنتاجية صغيرة، ولا بد هنا من تدعيم وتطوير النظام التعليمي والتركيز على أنشطة البحوث والتطوير، وفتح السبل لقيام تضامن عربي، لمنع الاستفراد ببلد دون آخر، ولإفشال مخططات الوقيعة بين الأقطار والشعوب العربية، ومنع تغليب التناقضات الثانوية على الخط الرئيسي للنضال العربي ضد الهيمنة والإملاءات الخارجية.

+ بنص " لبنان من الاحتلال إلى التحرير: مشكلة التنمية وإزالة آثار العدوان"، يقول عبد الحليم فضل الله: " في نهاية الحرب الأهلية (1975- 1990)، كان الناتج الوطني اللبناني يساوي نصف ما كان عليه في بدايتها، بينما كان مقدرا له أن يتضاعف مرتين خلال سنوات الحرب الخمس عشرة، لو استمرت نسب النمو على ما كانت عليه قبلها. وقد بدأت فور نهاية هذه الحرب، ورشة كبيرة لإعادة الإعمار، شملت بمعدلات متفاوتة معظم الأراضي اللبنانية، عدا مناطق واسعة من جنوب لبنان، كانت لا تزال محتلة، بعضها منذ عام 1982، وبعضها الآخر منذ عام 1978".

وبالرغم من تعدد وجهات النظر حول مشروع إعادة الإعمار، فقد نجح بالمحصلة في تحقيق أمرين اثنين، يقول الكاتب: تحسن نسبي في مستوى الخدمات العامة، وزيادة مبدئية في الناتج المحلي. لكن سياسات إعادة الإعمار ترافقت، وربما ساهمت برأيه، في تفاقم عجز الخزينة، وزيادة المديونية، وزيادة الخلل في توزيع المداخيل.

إن هذه الحرب، يؤكد الكاتب، قد أضافت إلى تاريخ الفوضى الاجتماعية/الاقتصادية، عناصر جديدة للفوضى، نذكر منها على نحو خاص "انخفاض مستوى المسؤولية الاجتماعية، وتدهور معايير الأداء العام، والتحريف الجسيم لمعنى المصلحة العامة، يضاف إلى ذلك التشرذم السياسي، الذي تسبب بانقسام في تحديد الأولويات الاجتماعية، مما زاد من هشاشة الفئات الضعيفة. كما تأثرت قطاعات الإنتاج السلعي، التي أصيبت بأضرار فادحة، من دون أن تنال الاهتمام الذي تستحقه. وبدلا من أن تقدم برامج إعادة الإعمار مقاربة إصلاحية معتدلة، عملت على إعادة إنتاج هذه الفوضى، والاختلالات المرتبطة بها، بصيغ جديدة، تأخذ بعين الاعتبار تحولات الميزان الاجتماعي والسياسي".

وقد قامت سياسات إعادة الإعمار، يلاحظ الكاتب، على المعادلة التالية: "من جهة حد أدنى لتدخل الدولة، لا يتجاوز ترميم البنى التحتية، وهذا يستبعد ضمنا التدخل الاجتماعي الكفوء والمنظم، والتدخل الاقتصادي غير الريعي، ومن جهة أخرى تهيئة المناخ للقطاع الخاص، كي يغدو القائد الفعال للنشاط الاقتصادي".

إن الخلل الذي ثوى خلفه الاحتلال، يؤكد الكاتب، إنما تأتى من سلوكه العدواني على الأرض، وتقويض كل سبل التنمية في المناطق المحتلة وفي كل لبنان. فقد استعمل موارد المنطقة وطاقاتها، من موارد بشرية وبنى تحتية وموارد طبيعية وأراضي زراعية وما سوى ذلك. وعمل على عزل المناطق المحتلة عزلا تاما عن بقية المناطق اللبنانية، عدا مسارب قليلة، مخصصة لعبور المواطنين والعربات، تحت رقابة مشددة، وبموجب تراخيص مسبقة. وربط اقتصاد المناطق المحتلة بالاحتلال بطرق متعددة، كالسيطرة على أنظمة الخدمات، والتجارة الخارجية، وعمل على فرض الضرائب والرسوم.

بالتالي، فقد عرفت المناطق المحتلة طوال 15 عاما من الاحتلال نظاما اقتصاديا ريعيا، اقتصرت منافعه على قلة لا تزيد عن 3% من المقيمين. وقد أدى إلى شلل شبه تام للقطاعات الأخرى النظامية وغير المرتبطة بالاحتلال، فيما اقتصر دور الدولة على منح موظفيها القلائل رواتبهم الشهرية. أما على صعيد البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية، فقد ألحق الاحتلال أضرارا كبيرة بقطاعات الكهرباء والمياه والطاقة والاتصالات، وكذلك الصحة والتعليم.

وقد ولد التحرير في ماي العام 2000، ديناميكية وطنية كبيرة، أنتجت العديد من الفرص، من بينها فرصة نادرة لتفعيل مبدأ التنمية المتوازنة، بعد أن برز توافق وطني عريض على منح المناطق المحررة أفضلية متقدمة في البرامج العامة، من تأمين للخدمات الأساسية، وتحفيز للقطاع الاقتصادي وتحسين للمداخيل، وتطبيع للأوضاع عبر إزالة الألغام والتعويض على المتضررين.

إلا أن عدوان صيف 2006، يبين تأثير الصدمات الخارجية على التنمية ويبين أيضا إخفاق النموذج الحكومي في معالجة النتائج، يقول الكاتب. فقد "بدت الدولة في مواجهة هذا العدوان قليلة الفاعلية، وعاجزة عن تعبئة مواردها وطاقاتها، بما يتناسب مع الخسائر الجسيمة اللاحقة بالمنشآت والمرافق المدنية... وقد أظهرت الحكومة نقصا في الجهوزية وضعفا في المبادرة، وتباطؤا ينم عن الافتقار للإرادة السياسية والحماسة الإدارية، حتى فيما يتعلق بالإجراءات والبرامج التي تستلزم تشريعات وقرارات تنظيمية أكثر مما تتطلب موازنات واعتمادات مالية".

 بالمقابل، عمدت المؤسسات الأهلية المرتبطة بالمقاومة، ومنظمات أخرى في المجتمع المدني إلى ملء الفراغ، وإدارة فترة الحرب والمرحلة الانتقالية التي تلتها، على نحو ساهم في تخفيف الأزمات، وإيجاد حلول مؤقتة بانتظار استكمال عملية إعادة الإعمار. لقد اتسم أداء هذه المؤسسات "بالسرعة والتخطيط الاستباقي والمرونة، وتجاوز البيرواقراطية، والقدرة على تعبئة موارد المجتمع المادية والبشرية بكفاءة مشهودة. وهذا ما ساعد على إنجاز مشاريع ضخمة في وقت قصير (أقل من شهرين)، كمشروع الإيواء (أي تأمين مساكن مؤقتة لمن فقدوا مساكنهم)، ومشروع الترميم (للمنازل المتضررة) ومشروع الإحصاء الشامل للأضرار الاقتصادية تمهيدا للتعويض على أصحاب المؤسسات".

إن لبنان، يؤكد الكاتب بالمحصلة، إنما يمثل النموذج في المنطقة، للعلاقة بين التنمية وعدم الاستقرار، الناتج عن أسباب خارجية (احتلال جزئي، وصدمات خارجية متكررة). وهو يختلف عن حالة فلسطين (احتلال دائم وشامل)، والعراق (مزيج من نزاعات أهلية وحروب خارجية واحتلال)، ودول عربية أخرى تمر باضطرابات متنوعة.

من هنا خلاصات الكاتب التالية:

 °°- لم يكن النقص في التنمية مصدرا لعدم الاستقرار، بل إن عدم الاستقرار الناشىء عن الاحتلال والعدوان، هو الذي أثر سلبا على نمط التنمية وبرامجها وأهدافها.

°°- بالنسبة للبنان، كانت عوامل عدم الاستقرار الداخلية، والخيارات المنبثقة من طبيعة النظام الاقتصادي، ذات أثر سلبي أقوى على النمو والتنمية، من عوامل عدم الاستقرار الناشئة عن أسباب خارجية. فالأولى كان لها تأثير دائم فيما كانت للثانية (الاحتلال)، تأثيرات مؤقتة أمكن التعامل مع نتائجها، وخصوصا من خلال سياسات مجتمعة كفؤة.

°°- أثر احتلال قسم من الأراضي اللبنانية، وما رافقه من أعمال حربية، سلبا على توزيع مكاسب النمو والتنمية على المناطق المحتلة والمتاخمة، الأمر الذي لم يمتد ليشمل المناطق الأخرى (إلا في حالات قليلة، كما في عدواني تموز 1993 ونيسان 1996). بالتالي، فإن تدهور مؤشرات التنمية في المناطق المحتلة لم تتسبب به إجراءات الاحتلال وحدها، بل تأثر بسياسات مقصودة، لا تنفصل عن طبيعة النظام الاقتصادي.

°°- سجلت برامج المعونات والقروض الخارجية فشلا واضحا في مساعدة لبنان على تجاوز نتائج الاحتلال وتخفيف انعكاساته، وإطلاق ورشة ناجحة لإعادة الإعمار المادي والبشري للمناطق التي كانت محتلة.

°°- أظهر المجتمع المدني، والمؤسسات المدنية ذات الأهداف والمنافع العامة، وخصوصا تلك المرتبطة بالمقاومة، قدرة أكبر على تعبئة الموارد وإنجاز الأهداف، بالمقارنة مع الفشل الذي أصاب البيروقراطية الحكومية.

+ بنص " المنظمات الأهلية الفلسطينية والعلاقة مع المانحين: نشوء النخبة الجديدة المعولمة"، يقول ساري حنفي: " شكل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000 تحديا مباشرا للمنظمات غير الحكومية الفلسطينية، ونظرائها في أوساط الجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية الدولية، يدعوها إلى التدخل والاستجابة للأزمة الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة إلى العمل كشاهد على الهجوم العسكري الإسرائيلي الواسع على الفلسطينيين، وتقديم الدعم إلى الكفاح الفلسطيني، من أجل تحقيق تقرير المصير".

وتكشف الانتفاضة، برأي الكاتب، عن "انقطاع الصلة بين المنظمات غير الحكومية والحركات الشعبية في فلسطين. وتبين أن الناشطين الفلسطينيين في المنظمات غير الحكومية، غير قادرين على التوفيق بين احتياجاتهم المهنية والتنموية، والتطلعات الفلسطينية إلى الاستقلال، كما تعبر عنها الأجندة الوطنية".

ثمة ثلاثة تحديات منفصلة تواجه المجتمع الفلسطيني اليوم، يؤكد الكاتب: "التحدي الذي يواجه قيادة الانتفاضة، وتحدي التوفيق بين التنمية والكفاح ضد الاستعمار، والتحدي الذي يواجه المنظمات الدولية لتعمل كشاهد على ما يجري".

فإذا كانت المنظمات غير الحكومية الفلسطينية قد حملت عاتقها القيام بأشكال ناجحة جدا من الأعمال المهنية، مثل تقديم الخدمات الطبية وإصدار تقارير يركن إليها، عن الإصابات في صفوف الفلسطينيين، والدمار الذي تحدثه العمليات العسكرية الإسرائيلية وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان، فإنها لم تقم علاقة تآزر مع القوى السياسية (سواء أكانت الأحزاب السياسية، أم اللجنة الوطنية والإسلامية للانتفاضة، أم الاتحادات) أو مع المواطنين. لذلك فقد استخدمت المنظمات غير الحكومية الاعتراف الدولي بها، لتقديم المساندة وتوفير المعلومات الاستراتيجية عن الهجمات الإسرائيلية، إلا أنها لم تقدم في الداخل سوى القليل لتدعيم طاقات المجتمع في أثناء الكفاح الوطني. بالتالي، فإن تأثيرها على الاتجاه الذي سلكته الانتفاضة (أو غياب هذا التأثير) كان محدودا. وفي حين تلعب شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية (مجموعة راعية من المنظمات) دوراً رئيسيا في تنظيم الحماية الشعبية الدولية على شكل بعثات مدنية دولية، فإنها لم تستطع العمل مع هذه البعثات من أجل انتهاج استراتيجية مقاومة غير عنيفة.

والسر في ذلك أنه غالبا ما شدد الفاعلون في المنظمات غير الحكومية على أهمية تجنب السياسة، والحفاظ على موقف "حيادي" من المسألة السياسية الوطنية، وسط الكفاح الوطني ضد الاستعمار. "ما نطرحه هنا إنما "الطريقة التي يخلط بها العديد من قادة المنظمات غير الحكومية بين السياسي والوطني، ويرتدون عن الأجندة الوطنية، بذريعة رفض الانخراط في الأنشطة المسيسة". وهو ما يجعل هذه المنظمات غير الحكومية معزولة، وتفتقر إلى قاعدة عضوية في المجتمع. وهذا الانعزال لا تقع مسؤوليته على المنظمات غير الحكومية وحدها بالضرورة، لكن يمكن أن يعزى أيضا إلى العسكرة المبكرة للانتفاضة، ورد الفعل الإسرائيلي، وكلاهما همشا الأفراد والمؤسسات وجردوا العمل غير العسكري من قدراته على التغيير.

إن "النخبة الفلسطينية المتعولمة"، هي تلك الشريحة التي تتكون من قادة المنظمات غير الحكومية، والقادة المحليين للمنظمات غير الحكومية الدولية، والتي نشأت من خلال تزايد دخول المنظمات الفلسطينية في صناعة المساعدات. وهي تتكون إلى حد كبير من ناشطين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة الحضرية الجديدة، الذين برزوا في السبعينات والثمانينات، كمشاركين في الحركة الشعبية للانتفاضة الأولى، بسبب ارتباطهم بالمنظمات غير الحكومية والجهات الفاعلة والأجندات الدولية.

إن مفهوم "النخبة" المستخدم هنا أوسع، يلاحظ الكاتب، ويشمل الطريقة التي يقطع فيها بروز تشكيل اجتماعي جديد، تواجد المنظمات المحلية داخل الشبكات الاجتماعية المحلية، بالترافق مع بروز مثال ليبرالي محدث، يحول العلاقة بين الفرد والمؤسسات الاجتماعية.

إنها النخبة التي برزت مع تزايد توافر مساعدات التنمية للمنظمات غير الحكومية الفلسطينية، وتقلص توافر التمويل العربي وأشكال التمويل الأخرى، والتي نجحت في قلب النخب القديمة (بما في ذلك الجمعيات الخيرية التطوعية، أو النخبة الريفية في بعض الحالات) عبر عملية تنافس على الاستمرارية التنظيمية.

إن المنظمات غير الحكومية الفلسطينية التي تتحدث عن أجندة محلية، إنما هي منظمات أقرب في الواقع إلى الأجندة العالمية، على الأقل من ناحيتين: الأولى على مستوى تحديد الأولويات ضمن كل قطاع (على سبيل المثال، منح أهمية مفرطة لتخطيط الأسرة، أو السياسات الجنوسية، على حساب نهج شامل لتقديم الصحة)، والثانية من ناحية النهج التي تشدد على الفرد بدلا من المجتمع، والتدريب من أجل بناء القدرات.

بالتالي، يحسم الكاتب، فإن هذه النخبة المعولمة الناشئة إنما تستلهم أجندات عالمية، وتتميز بموقفها الداعم لعملية السلام، ولا علاقة لها كثيرا بمجريات واقع الحال المحلي.

+ بنص " مقاربة كلية للواقع العربي على ضوء العلاقة بين التنمية والاستقرار "، يقول منير الحمش: " تبدو العلاقة بين التنمية والاستقرار واضحة بل شديدة الوضوح، لاعتبارات شتى، تتعلق بمفهوم التنمية المستهدفة، وبدلالات الاستقرار وعوامله. إلا أن مقاربة هذا الموضوع بالواقع العربي، يثير لدى الباحث والمحلل العديد من الإشكاليات ذات الصلة بتوصيف الواقع العربي الذي يظل قابلا للاجتهاد، خاصة إذا ما وضع في إطار التغيرات والتحولات الحاصلة في النظام العالمي وعلى الصعيد الإقليمي".

إن من يتحدث اليوم عن واقع عربي، يعرف تماما، يقول الكاتب، إن هذا الواقع لا يضم صفاتا موحدة، ولا تحكمه منهجية واحدة، ولا يجمعه كيان واحد، "لكنه يقصد بالتحديد أن يبقى على ذلك الأمل الذي راود شعوب المنطقة العربية بأن يضمهم كيان واحد، وأن يجمعهم واقع عربي واحد، وإن بدا ذلك مشوبا بالضباب أو بعيدا في أحيان كثيرة"، إذ سكان المنطقة الممتدة بين المحيط والخليج، يتعرضون منذ انفصالهم عن الإمبراطورية العثمانية لمخاطر الاستعمار الغربي، والمخططات الأجنبية الهادفة إلى الاستيلاء على قرارهم السياسي والاقتصادي·

بالمقابل، فإذا ما تأملنا في طبيعة وشكل الحكم في الدول العربية، فإننا نلاحظ أن القاسم المشترك هو النزعة إلى الابتعاد عن التعددية السياسية، سواء تعلق الأمر بالمنظمة الملكية التي أصبحت جمهورية، أو بالأنظمة الملكية التي ظلت ملكية، أو بالأنظمة الجمهورية التي ظلت من حيث الشكل جمهورية.

إن هذه الأنظمة إنما تعمل، يقول الكاتب، على تقوية الأجهزة الأمنية من جهة، وتقوية الجهاز الإعلامي من جهة ثانية، بحيث "تتحول الأجهزة الأمنية من وظيفة الأمن والنظام إلى وظائف القمع والهيمنة. أما جهاز الإعلام، فقد تحول تدريجيا من الإعلام إلى التلقين الأيديولوجي، إلى الدعاية للفئة الحاكمة، ثم إلى تأليه شخص الحاكم". مما جعل معظم النخب الحاكمة في البلدان العربية تبقى في كراسي الحكم لفترات طويلة، "الأمر الذي قد يعطي انطباعا بسيادة نوع من الاستقرار الكاذب، ولكن هذا النوع من الاستقرار لا يوحي إلا بركود الحياة السياسية، ويحجب طبيعة التفاعلات التي تجري في المجتمع. وكما أخفقت البلدان العربية في تحقيق الحد الأدنى من التكامل الاقتصادي العربي، كذلك أخفقت في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، سواء على المستوى القطري أم على المستوى القومي".

بجانب التنمية الاقتصادية، فإن الثابت يقول الكاتب، إنما أن جل هذه النظم لم تدرك بأن التنمية المستقلة الشاملة، تعني الاعتماد على القدرات الخاصة، قدرات الأفراد، التي بموجبها يعود الإنسان ليحتل قلب ساحة الفكر والحركة، انطلاقا من كونه صانع التنمية. والاعتماد الجماعي على النفس هو المكمل الطبيعي للاعتماد على النفس على المستوى النظري، إذ أن معظم البلدان العربية هي دول صغيرة محدودة الموارد، أو أنها متفاوتة من حيث توفر الموارد الطبيعية والبشرية. من هنا، نشأت ضرورة الاعتماد الجماعي على النفس على المستوى الإقليمي العربي، كجهد مشترك من أجل تنمية مستقلة هادفة إلى إنشاء كيانات كبيرة، لها من الوزن ما يمكنها من الوقوف على قدم المساواة والتكافؤ مع العالم الخارجي.

إن فشل العمل العربي المشترك، يلاحظ الكاتب، قد زاد من درجة اندماج البلدان العربية منفردة في الأسواق العالمية، فاستبدلت الأشكال القديمة للتبعية، التي كانت تعتمد على السيطرة المباشرة على الموارد الأولية، بأشكال جديدة من التبعية، وبرزت بصورة واضحة في تزايد الاعتماد على تصدير النفط إلى الدول الصناعية المتقدمة، وفي تزايد الاعتماد على الاستيراد من الخارج لمواجهة تزايد الطلب على وسائل ومعدات الإنتاج ومستلزماته، وعلى سلع الاستهلاك، وفي سيطرة الدوائر الرأسمالية العالمية على الفوائض المالية للأقطار النفطية، واستخدامها لهذه الفوائض في دورة رأس المال العالمي، ولخدمة أغراضه، دون أن يكون لهذه الأقطار رأي أو قرار لكيفية استخدام أموالها التي طالما تعرضت للمخاطر المختلفة، وفي مقدمتها تبخيس قيمتها وفقا لتطورات وأسعار صرف الدولار.

إن سياسات الغرب الأوروبي والولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية، لم تحقق، برأي الكاتب، سوى الفوضى وعدم الاستقرار، وهذه الحال لا تتماشى بالمرة مع رغبة شعوب المنطقة بإقامة الأمن والسلام وتحقيق التنمية. ذلك أن هذه السياسات قد أدت إلى تفجير الأوضاع في المنطقة، مما يجعلها أحد التهديدات الرئيسية التي تواجه الشعوب، وتمنع تقدمها باتجاه التنمية والخروج من دائرة التخلف.

إلا أن الأمراض المزمنة، وحالات التخلف التي تعيشها البلدان العربية، هي التي تفتح الباب أمام الضغوط الخارجية، التي قد تلتقي إلى هذا أو ذاك مع حالات التذمر والغضب الشعبي، مما يؤدي إلى خلط الأوراق، وفتح الأبواب أمام مخاطر أخرى أكبر وأدهى، الأمر الذي يهدد الاستقرار على المستويين القطري والإقليمي، وبالتالي، يهدد أو يوقف أو يحرف عملية التنمية.

إن التنمية بحاجة إلى الاستقرار يقول الكاتب، والاستقرار بحاجة إلى الأمن، وما تمارسه أوروبا والولايات المتحدة والنظم العربية من سياسات، يخالف ذلك كله بالجملة كما بالتفصيل.

نافذة "قرأت لكم"، 29 يناير 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال