توفيق المديني، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، دمشق، أبريل 2005، 320 ص.
بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: إن "التحليلات العلمية النظرية والسياسية النقدية في مجال المجتمع العربي، ومسألة الواقع الاجتماعي والسياسي (الدولة) في الوطن العربية، في نهاية عقد الثمانيات، لم تحرز التقدم المطلوب لاجلاء الغموض والإبهام، حول المفاهيم أو المقولات، وتاريخية المجتمع المدني في الوطن العربي، والوظائف السياسية والإيديولوجية، التي تمارسها بعض التيارات العربية المتبنية، والمستخدمة لمقولات المجتمع المدني، ضمن التغيرات الاجتماعية، وبالتالي السياسة والثقافية الإيديولوجية، التي شكلت التاريخ العربي الحديث والمعاصر، وضمن عملية التوسع الرأسمالي على الصعيد العالمي، وقانون التطور اللامتكافىء الذي يحكم النظام الرأسمالي العالمي، وما أفرزه من همجية وبربرية غربية متسطلة على الشعوب والأمم المتأخرة تاريخيا، وما كرساه من واقع الظلم وعدم المساواة بين الأمم والقوميات، في إطار صراعها الفكري والثقافي، ضد القوى الاجتماعية والإيديولوجية المحافظة والتقليدية المعيقة للتطور، والتي تقف كعقبة بنيوية في وجه مشروع التحرر والتقدم والوحدة، وبناء الديمقراطية والمجتمع المدني الحديث المتلازم مع إنجاز الثورة القومية الديمقراطية، التي تكتسب مضمونا قوميا معاديا للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية في آن معا".
إن المشروعية التي تأتت للمجتمع المدني في الغرب، يقول المؤلف، إنما تأتت له من المشروع الثقافي الغربي ذاته، ومن الحداثة السياسية الناجمة عن إنجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية، التي "استطاعت أن تتحرر من أحبول المجتمع القدسوي الديني القروسطي، حيث أن مؤسساته كانت مبنية على أساس المشروعية الكنسية، باعتبار أن الكنيسة كانت تحتل مواقعية الشرعية والمشروعية في آن معا".
علاوة على ذلك، يلاحظ الكاتب، فإن المجتمع المدني في الغرب "استطاع أن يبني مؤسساته، وأن يكون لنفسه مشروعيته القائمة على الجسم القانوني والإجرائي، وفي الوقت عينه أن يقيم حدا فاصلا بين مرتبة معينة من الشرعية، وأخرى للمشروعية، ساعده في ذلك الصراع العنيف بين قوى التغيير الراديكالية، التي تمثل القوى المنتجة الجديدة، وبين القوى المحافظة والاستبدادية، فضلا عن التحولات التي أفرزتها الثورة الصناعية، والتطور الاقتصادي والتكنولوجي على صعيد تطور القوى المنتجة بوتائرها المتسارعة، وأثرهما في تبديد الحالة المزدوجة بين الشرعية والمشروعية، باعتبارها عملية زمنية خالصة، وتقع داخل التحولات المجتمعية ذاتها".
أما على الصعيد العربي، يتابع الكاتب، فإن المجتمع العربي يعتبر مجتمعا قبل صناعي. ومن هذا المنظور، "فالمشروعية العلمية للمجتمع المدني، ما زالت مسيطرة عليها قواعد ومؤسسات موروث المشروعية القدسية الدينية، التي تشكل عائقا بنيويا في العبور من الشأن العام إلى الشأن الخاص، فضلا عن أنها تشكل نمطا ونظاما متكاملا من العادات والقيم والقوانين، والأخلاق، والسلوك، وتحدد العلاقات بين الأفراد والمجتمع، التي تكلست على مر الزمان، والتي تبحث عن حمايتها داخل قوالب طقوس هذه المشروعية، في ظل الحداثة المستلبة نصف عصرية، ونصف دينية، السائدة عربيا".
من جهة أخرى، ولما كانت البنية الاقتصادية والاجتماعية العربية، "تعطينا صورة واضحة عن الاستحالة التاريخية للمشروع البرجوازي القومي، بحكم أن الطبقة البرجوازية العربية الحاكمة ليست بطبقة اقتصادية، ولا هي بمنتجة، بل هي من نمط طبقة كمبرادورية، مندمجة كليا في النظام الرأسمالي العالمي، ومتكيفة مع مقتضيات وآليات وشروط توسعه عالميا، عبر تجسيدها سياسة الانفتاح الاقتصادي، ونمط الاستهلاك الغربي، والرجعية السياسية، والتبعية الكاملة للمصالح الأمريكية في الوطن العربي، فإن المجتمع المدني لا يزال طفلا رضيعا، يحبو على أرض غير أرضه، وتحتك قواعد ومؤسساته الناشئة مع قواعد ومؤسسات المشروعية القدسوية الدينية، المتكلسة في بنية المجتمع التقليدي المتأخر تاريخيا، والتي يحكم منطقها الداخلي، وتطبيقها العملي براديغم الطاعة الفقهي والسياسي، والتي تستثمرها الأنظمة السياسية ذات الطبيعة الشمولية، المدعية لوحدها بأنها تمتلك حق الاحتكار المطلق للسلطة، واحتكار الكلمة الشعبية، وفرض سلطانها السياسي المطلق، في ظل غياب الشرعية المدنية السياسية، والمجتمعية، والثقافية، للمجتمع المدني الحديث".
بالتالي، فإن المشروعية العلمية للمجتمع المدني على الصعيد العربي إنما هي، بنظر المؤلف، مشروعية "ملتبسة ومستعارة من المشروعية العلمية للمجتمع المدني في الغرب، الذي تجسده الدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة".
إن المجتمع المدني في الغرب يعبر عن العلاقات السائدة في هذا المجتمع البرجوازي، حيث التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية، تخضع للقوانين الاجتماعية التي يقدمها لنا نظام الإنتاج الرأسمالي، والمنقسمة في الوقت عينه إلى طبقات اجتماعية، حيث الوعي السياسي، والوعي المدني، مرتبطان أولا وأساسا بالانتماء الطبقي.
في حين أن التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية العربية، والتي قاعدتها التخلف والتبعية، "ما زال مسيطرا عليها الانقسام العمودي من القبيلة والطائفة، والنقابات الحرفية والفرق الدينية والجماعات، ولم تنضج بعد سياسيا وإيديولوجيا، الانقسامات الطبقية الأفقية فيها، فضلا عن أن هذه التشكيلة ليست متمحورة على ذاتها في سياق عملية نموها، لأنها ما زالت تفتقد المقومات الذاتية لذلك، وحيث أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها، لم تطرح لنفسها كهدف لذاتها، وليس لها حضور ماثل للعيان، من خلال المشروع الفكري والثقافي والسياسي النهضوي، الذي يعبر عنها".
وبسبب من هذا الفرق الجوهري بين المجتمع الرأسمالي الغربي وبين المجتمع العربي المتأخر تاريخيا، فإن المشروعية العلمية للمجتمع المدني العربي، يؤكد المؤلف، لا تعكس دائما واقع الأساس الاقتصادي والاجتماعي والإيديولوجي العربي، "بل هي منقولة إليه من الخارج، لأن المشروعية العلمية للمجتمع المدني بلا تاريخ، ولذلك فهي ليست جزءا من البنية الفوقية، وإن كانت هذه المشروعية العلمية لمفهوم المجتمع المدني، تستمد شرعيتها عربيا من المشروعية السياسية".
إن المشروع القومي بمختلف مكوناته السياسية، والإيديولوجية، الذي طرح قضية التحديث المادية، والعلمانية الخجولة، والإصلاح الجذري، في بنية المجتمع العربي التقليدية، لم يستطع، بنظر الكاتب، "أن يحقق عملية الانتقال نحو تأسيس حداثة حقيقية في الوطن العربي، يكون عمادها بناء دولة الحق والقانون، والمجتمع المدني الحديث، بل إنه على النقيض من هذا، قاد المشروع القومي إلى إعادة تشكيل البنى والعلاقات التقليدية والمتأخرة تاريخيا في المجتمع العربي، وتعزيزها بإضفاء أشكال ومظاهر مدنية عليها، خصوصا بعد انهياره وسقوطه التاريخي".
إن الانتقال إلى بناء مجتمع مدني حديث في الوطن العربي، يلاحظ الكاتب، إنما "يتطلب تحقيق القطيعة المعرفية والإبستمولوجية مع النظام المعرفي القديم، وأساليب التفكير التقليدية غير العلمية السائدة عربيا، وتأسيس نظام معرفي جديد، وبالتالي تبني أساليب تفكير جديدة، علمية، ونقدية، وجذرية".
إنه يشترط مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإعلامية، قائمة على قاعدة احترام حقوق الإنسان وحرياته، وبناء فكر سياسي عربي متأسس على الديمقراطية في بنيته السياسية الداخلية.
ويشترط أيضا فكرا سياسيا يتبنى المنهج العلمي، قادرا على "التحرر من بنية العقل السياسي العربية المهزومة، والتي تحمل من الميثولوجيا، والأصولية، والقدرية، والقدسية، ما يشكل عائقا بنيويا معرفيا إبستيمولوجيا في عملية تحرره، من الصناميات، والأوهام، والممنوعات والقيود، التي تشكل الأساس الإيديولوجي والسياسي، والثقافي، للإيديولوجية العربية المعاصرة، التمويهية، والمصابة بالانغلاق والتحجر، والجمود، وموت الحس النقدي الجذري فيها، والتي أحلت الإيديولوجيا محل العلم، واستبعدت الاستفادة القصوى من الفروع الجديدة للثورة المعرفية، وحرمت بعض من مذاهبها، وقامت بالحجر على حرية العقل وصولا إلى إخصائه، وتكريس الجهل المعرفي والثقافي والسياسي بالمذاهب المعرفية والإيديولوجية والثقافية الأخرى، وسدت قنوات الاتصال والحوار الفكري والثقافي معها...من هنا تتطلب حركة العقلنة في السياسة، أن يتحرر الفكر من آثار الحدود والقيود، التي ترسمها له السياسة بمعناها السطحي والسياسوي".
نافذة "قرأت لكم"، 5 نونبر 2009