تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"سبتة ومليلية"

news-details

لا يستطيع المرء، اللهم إلا إذا كان جاحدا أو جاهلا أو مكابرا أو ذا حقد عظيم، الادعاء بأن سبتة ومليلية مدينتان غير مغربيتين، غير منتميتين للمغرب قلبا وقالبا، لم تدرجا بهيئة الأمم المتحدة ضمن خانة "المناطق المفروض رفع الوصاية عنها"، إلا بسبب من ضعف بصيرة، أو جراء سهو متعمد، أو لتقاطع حسابات جانبية، مضمرة بالكواليس، أو مرضاة جلية لمبدأي التأني والتدرج في استرجاع ثغرين من المغرب، لم ينفصلا عنه بالقدم كما بالحديث من الأزمان.

ولا يستطيع المرء بالآن ذاته، اللهم إلا إذا كان واهما أو حالما أو من هواة لي عنق الحقائق على الأرض، أن يدعي أن المدينتين غير إسبانيتين بمنطوق حكم الأمر الواقع، كما بالتوافق، توافق الإسبان (والأوروبيين) على اعتبارهما جزءا من التاج الإسباني نصا وروحا، بالقديم من الأزمان أيضا كما بحديثها.

نحن بالحالة الأولى، حالة موقف المغرب، بإزاء طرح مفاده أن المدينتان تقعان بصلب التراب الوطني جغرافيا، لا يفصل بينهما وبين أقرب مدينة لهما مغربية، إلا بضع عشرات من الأمتار...حتى أن التربة، ولون بشرة البشر، وزي اللباس، وطقوس الفرح والحزن متشابهة، والعائلات مختلطة من هذه الجهة من "الخط" ومن تلك، بل وحتى قطائع الأغنام والمواشي، تروح وتأتي، عابرة لكلا "الضفتين"، دونما إعارة اعتبار لهذا الحاجز الجمركي أو ذاك.

نحن بالتالي، يقول المغرب، بإزاء امتداد جغرافي وحيواني وبشري وإنساني، لا يمكن أن تغفله العين، أو يتم التجاوز عليه بأي سبيل من السبل، لإثبات أن المدينتين هما مغربيتان بامتياز، إذا لم يكن دائما بالشجر والحجر، فتأكيدا بالبشر والدم المتصل، الذي لم ينقطع يوما.

ونحن بذات الحالة، حالة موقف المغرب الحالي كما السابق، بإزاء مسوغ مفاده أن المدينتان كانتا دائما وطيلة عصور الدولة المغربية، جزءا من المغرب، وأن هذا الأخير لم ينشأ مع مجيء الدولة العلوية للحكم، بل كان قائما من ذي قبل، بعصر الموحدين والمرابطين والأدارسة، وما سواهم من دول وأمبراطوريات.

ولما كانت المدينتان، يقول المغرب، تاريخيا جزءا لا يتجزأ من المغرب، سقط بيد الاحتلال الإيبيري في سياقات سابقة ومتقادمة، فإن ذلك لا يعني بالمرة حجب الطابع المغربي عنهما، ولا التخلي عن المطالبة باسترجاعهما، على الأقل من زاوية أن الحقوق من هذا القبيل لا تخضع للتقادم، ولا هي من مجال المساومة، تماما كما هو الشأن بالنسبة للأصل والعرض.

لا تعدم إسبانيا، البلد المحتل للمدينتين، المسوغات لتبرير ما كان قائما هناك، بسبتة ومليلية من قرون مضت، أو الدفاع عما هو كائن وقائم من ذات الحين:

+ فهي تعتبر أن المدينتان أضحيتا إسبانيتين منذ سقوط الأمبراطورية الإيبيرية وانفصال إسبانيا عن البرتغال (البلد المحتل الأصلي للمدينتين)، وأنهما باتتا من تاريخه، أراض إسبانية بامتياز، سيما بعدما فشل الملوك المغاربة المتعاقبون، في استرجاعهما بقوة الخيول والبارود، أو ببعض من الابتزاز في تعذر ذلك.

من حينه، تقول إسبانيا، سلم المغرب (حتى وإن لم يستسلم) بإسبانية المدينتين، وتعامل معهما جغرافية وسكانا على هذا الأساس، حتى وإن احتفظ إكراها وقسرا، بالحق المضمر في استرجاعهما حينما تتسنى له الظروف، أو يأذن التاريخ له بذلك.

+ وهي (إسبانيا الأمس واليوم) تعتبر أن تسليمها المغرب لثغور الصحراء بالجنوب، حيث كانت القوة المستعمرة الأخيرة، إنما تلازم و"اعتراف" المغرب بأنه لم يعد له ثغورا قابلة للمطالبة، وأن إشكالية "تصفية الاستعمار" قد ولت بينها وبين المغرب، وأن الأمر قد قضي بالشكل كما بالجوهر، ولم يعد ثمة ما من شأنه الاحتكاك، فما بالك بالاحتراب المحتمل.

+ وهي تعتبر، فضلا عن كل هذا وذاك، أن ملف المدينتين لم يدرج يوما ضمن ملف "الثغور المستعمرة التي يسري عليها قانون تصفية الاستعمار"، وأن طابع واقع الحال يغلب على التطبع، وأن مطالبة المغرب بالمدينتين يشبه في شكله ومضمونه، أو يكاد، مطالبته استرجاع الأندلس حيث كان له بغرناطة وبغيرها، أمر ونهي لأكثر من سبعة قرون من الزمن خلت أو أكثر.

يبدو الأمر، بالحالتين معا، كما لو أن لكلا الطرفين، مسوغات موضوعية ثابتة، تشفع له الموقف، وتبرر له السلوك، بالخطاب في حالة المغرب، وبالممارسة المباشرة من على فوق الأرض بالنسبة لإسبانيا. ويبدو أيضا، سيما بعدم تكافؤ موازين القوة بالوقت الحالي (وإسبانيا عضو بالحلف الأطلسي) ولكأن إسبانيا هي "صاحبة الحق" بالمدينتين، تسيجهما كما تشاء، تشدد المرور من على الحدود كما تود وترغب، تستعمل القوة عند أي انفلات أو تجاوز، ولا تتوانى في تنفيذ القانون (القانون الإسباني) بالمحاكم كما بالإدارات، كما على كل ما يروج أو يتموج بداخل المدينتين، كما من بين ظهراني حدودهما ومحيطهما المباشر.

وهو أمر لا يأتيه الخطأ من أمامه ولا من خلفه، إذ لإسبانيا السيادة المطلقة على المدينتين، حتى وإن عمدت إلى تمتيعهما من مدة غير بعيدة، بالحكم الذاتي المباشر، عوض إلحاقهما بقرار، بالتاج الإسباني أرضا وبشرا وحجرا.

إلا أنه ثمة حقائق دامغة، ثابتة بالتاريخ وقائمة بواقع الجغرافيا، ولا يستطيع المرء (حتى وإن كان إسبانيا خالصا) التنكر لها، أو إدارة الظهر عن الاعتراف بها:

+ فالمدينتان كانتا مغربيتين منذ الأزل، وتم احتلالهما من لدن قوة أوروبية كبرى، ثم أعيد احتلالهما من لدن قوة أوروبية قامت على أنقاض الأولى، وبقيت المطالبة بهما من لدن المغرب قائمة من تاريخه ولحد اليوم دونما انقطاع، حتى وإن خفت ذات المطالب من حين لآخر، على أساس من هذا الحساب السياسي أو ذاك.

+ والإسبان (على لسان فرانكو، كما على لسان العديد من الأحزاب بالسلطة فيما بعد) لم يتنكروا لحال الاحتلال الذي تخضع له المدينتان، وجاهروا بضرورة إرجاعهما للمغرب، ولم يتمنعوا إطلاقا من باب الاعتراف غير المباشر، في تسليم الشؤون الدينية للمغرب ولكأني بهم يجاهرون، بالمباشر الحي، بأن ثمة بين ساكنة المدينتين والسلطة الدينية بالمغرب، روابط ثابتة لا يمكن تغافلها، أو غظ الطرف عنها، أو بالإمكان التجاوز عليها.

+ والإسبان ذاتهم، يدركون أنه على الرغم من نجاحهم في تحريف معالم المدينتين وسن قوانين في التجنيس مجحفة وظالمة، إما تحت إكراه الترغيب، أو تحت طائلة الترهيب، لم يستطيعوا ثني المغاربة عن المطالبة بالمدينتين...تماما كما لم يثن سلوك إسرائيل (بسياق آخر) التجنيس وبناء الجدار وما سوى ذلك...لم يثن الفلسطينيين عن المطالبة بأرضهم كاملة غير منقوصة.

إننا لا نروم، بمحصلة ما سبق، إلا القول المختصر بأن إعادة طرح إشكالية مستقبل المدينتين، في أعقاب زيارة ملك إسبانيا للمدينتين بنونبر الماضي، إنما تدخل بسياق خط المطالبة باسترجاع المدينتين التي لطالما رفعه المغرب بالداخل، كما بوجه إسبانيا كما (وإن بحشمة) بالمحافل الدولية سواء بسواء.

ونروم القول أيضا بأن المغاربة ب"الداخل"، لم يحتجوا على ذات الزيارة كونها استفزت شعورهم، أو لكونها طعنت في القيمة المعنوية التي يولونها للملك خوان كارلوس (هو الذي بكى بملء عينيه مع محمد السادس، والحسن الثاني مسجى بمحاذاتهم)، بل احتجوا في المدرك من المغاربة على الأقل، على "العداء الودي" الذي كرسه العرف فيما بين إسبانيا والمغرب، بعدم الإقدام بالمدينتين على ما من شأنه إثارة الشعور، أو تأجيج العواطف، أو الدفع برد الفعل لحد الغضب والانتفاض...فإذا بإسبانيا تنقض كل ذلك جملة وتفصيلا.

لسنا من هواة استقراء التوقيتات (ولربما كانت زيارة ملك إسبانيا للمدينتين بالتوقيت الخطأ)، لكننا نزعم أنه لم تكن الحسابات سليمة لا من هذا الطرف ولا من ذاك:

+ فملك إسبانيا لم يقم بذات الزيارة إلا باستئذان من الحكومة مباشر، هو الذي لا يمكنه دستوريا التحرك دونما أمر واضح منها، أو استئذان مبرر من لدنها. بالتالي، فإن ترخيص الحزب الاشتراكي له بذلك، إنما يدخل بإطار المزايدات والحسابات السياسية من لدنه، هو الذي (الحزب الاشتراكي أقصد) لم يظفر يوما بأغلبية ما بحكومتي المدينتين.

+ والمغرب لم يستسغ السلوك جملة وتفصيلا، بل أخذ على ملك إسبانيا "سقوطه" بفخ المزايدات السياسية، لإثارة إشكال يدري مسبقا أن عواقبه المعنوية على البلدين وخيمة النتائج بكل المقاييس.

إننا على قناعة ثابتة، على الأقل وفق ما قرأناه وسمعناه، بأن إسبانيا لا تستطيع الاحتفاظ بالمدينتين المحتلتين إلى ما لا نهاية، حتى وإن أعطت لساكنتهما المنح والامتيازات، عن حق أو جزافا لضمان الولاء (أي منح لساكنة تعيش على منطق الريع والتهريب؟).

وإننا للأسف، على القناعة ذاتها بأن المغرب لا يستطيع استرجاع المدينتين إذا لم يخلق لذات الساكنة المصلحة، كل المصلحة في الالتحاق بالمغرب.

 المصلحة هنا لا تتأتى من إغماض الأعين عن منطق الريع والتهريب الرائج داخل المدينتين ومن حولهما، بل تتأتى تحديدا من تحقيق الحد الأدنى من الديموقراطية بالمغرب، ومن التوزيع العادل للثروة والسلطة من بين ظهرانيه. ألم يقل ابن خلدون ذات مرة، بأنه بانتفاء المصلحة ينتهي التاريخ؟

* "سبتة ومليلية"، شبكة الرافدين، 2 يناير 2008. التجديد العربي، 2 يناير 2008. التحالف الوطني العراقي، 3 يناير 2008.

يمكنكم مشاركة هذا المقال