تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"ما بعد الرأسمالية المتهالكة"

سمير أمين (ترجمة فهمية شرف الدين)، دار الفارابي، بيروت، 2003، 270 ص.

1- بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: "يرتكز اتجاه الهيمنة لدى الولايات المتحدة الأمريكية...على البعد المفرط لقوتها العسكرية، أكثر ما يرتكز على امتيازات نظامها الاقتصادي. وهي تستطيع أن تفرض نفسها قائدا بلا منازع للثلاثية (ثلاثية الدول المتقدمة) عبر تحويل قوتها الاقتصادية إلى قبضة ظاهرة، مهمتها فرض النظام الإمبريالي الجديد على العصاة المحتملين".

ويتابع: لقد "استطاع اليمين المتطرف، مدعوما بهذه النجاحات، أن يحتل مواقع السلطة في واشنطن، وبات الخيار واضحا: إما قبول الهيمنة الأمريكية والجرثومة الليبيرالية المحصنة، التي اختزلت إلى مبدأ حصري (جني المال)، أو رفض الإثنين معا. الخيار الأول يعطي واشنطن حرية صياغة العالم على صورة تكساس، في حين أن الثاني وحده، يستطيع إعادة بناء عالم متعدد وديموقراطي ومسالم".

ويحسم الكاتب موقفه من ذلك بالقول: "لقد وعدت الليبيرالية المجددة بالازدهار والسلام والديموقراطية. كثيرون صدقوا الوعد، لكنهم سرعان ما خاب أملهم. وبات يصغى أكثر فأكثر إلى أصوات أولئك الذين أدركوا أن وصفاتها لن تؤدي إلا إلى تعميق أزمة التراكم، وتدهور الأوضاع الاجتماعية لأكثرية الشعوب، والطبقات العاملة. كما أن عسكرة النظام العالمي، الموضوعة على جدول الأعمال منذ حرب الخليج (1991)، لا منذ 11 شتنبر 2001، قد بددت وعود السلام. أما الديموقراطية، فإنها تراوح هنا وتتراجع هناك، وتبدو مهددة في جميع الحالات".

إن المؤلف هنا إنما يبني تحليلاته بالارتكاز على أطروحات أربع، لطالما أكد عليها بالعديد من كتاباته:

+ أطروحة مركزية الاستلاب الاقتصادي، الذي يميز الرأسمالية. ويفسر هنا الاستلاب "بكون الوسيلة، أي الاقتصاد عموما، والتراكم الرأسمالي بالخصوص، قد تحولت إلى غاية بذاتها، مسيطرة على مجمل الحياة الاجتماعية، وفارضة نفسها كقوة موضوعية، خارجة عن المجتمع".

+ وأطروحة مركزية الاستقطاب الناتج عن عولمة الرأسمالية، أي ذاك "التعمق المتواصل في اختلال مستويات التطور المادي، بين مراكز النظام العالمي وأطرافه".

+ ثم أطروحة مركزية فهم الرأسمالية كنظام لا يمكن اختصاره بمفهوم السوق المعمقة، بل تحديد جوهر الرأسمالية في سلطة ما وراء السوق. بالتالي، "فالرأسمالية بطبيعتها، نظام ينتج المواجهات الاجتماعية والسياسية الجارية فيه، أبعد من السوق في حالات اللاتوازن المتتالية".

+ وأطروحة مركزية ما يسميه الكاتب "التحديد المنخفض" في التاريخ، أي أن "كل نظام اجتماعي هو تاريخي (بما في ذلك الرأسمالية)، أي أنه يبدأ وينتهي".

إن الرأسمالية، يؤكد الكاتب، إنما طورت القوى المنتجة بوتيرة لا مثيل لها في التاريخ. لكنها في الوقت نفسه، "حفرت فجوة بين ما تسمح به طاقات هذا التطور، وبين ما يتحقق منه في الواقع، كما لم يفعل أي نظام سابق. فمستوى المعارف العلمية والتقنية الراهنة يسمح نظريا، بحل المشكلات المادية للبشرية كلها، إلا أن المنطق الذي يجعل الوسيلة (قانون الربح، التراكم...الخ) غاية بذاتها، أنتج تبديدا لهذه القدرات، وتفاوتا في القدرة على بلوغ الخيرات، كما لم يحصل في أية مرحلة سابقة".

إن البشرية اليوم، يلاحظ المؤلف، تواجه "مشكلات أكثر ضخامة مما كانت عليه منذ خمسين أو مائة سنة. عليها إذن أن تكون أكثر جذرية مما كانت منذ قرن وخلال قرن، في الإجابة على هذه التحديات...عليها أن تجمع بشكل أحزم وأصلب، أهداف تنمية القوى المنتجة في أطراف النظام، مع أهداف تجاوز منطق الإدارة الرأسمالية للمجتمع بالجملة".

2- إن الاقتصاد السياسي للقرن التاسع عشر، يؤكد الكاتب، إنما كان "خاضعا لرموزه الكلاسيكية الكبيرة (آدم سميت وريكاردو)، ثم لنقد كارل ماركس الساحق". وأدى انتصار الليبيرالية إلى بروز خطاب مفاده استحالة تجاوز الرأسمالية، "لأنها تعبر عن موجبات عقلانية أبدية، خارجة عن التاريخ"، على اعتبار الزعم بأن الأسواق كانت قادرة على تضبيط ذاتها بذاتها...وأن التوازن الذي ينتجه السوق، يشكل الصيغة الأرقى اجتماعيا، ويضمن الاستقرار والديموقراطية في آن معا.

إن ما يميز القرن العشرين بقوة، يلاحظ الكاتب، إنما التكامل الواضح والقوي بين ثلاثة مشاريع مجتمعية كبرى:

+ مشروع دولة الرفاه الديموقراطية الوطنية بالغرب، والمستند على فعالية النظم الإنتاجية الوطنية المترابطة.

+ مشروع "باندونغ" للبناء الوطني في أطراف النظام (إيديولوجيا التنمية).

+ والمشروع السوفياتي المرتكز على مقولة "رأسمالية من دون رأسماليين"، والذي استقل نسبيا عن النظام العالمي السائد.

إلا أن الكاتب يلاحظ أيضا أن فترة الستينات فما بعد، إنما شهدت تأزم المشاريع الثلاثة، فباتت "السياسات الموضوعة لا تجيب على استراتيجية إيجابية لتوسع راس المال، وإنما تسعى إلى إدارة الأزمة وحسب".

صحيح، يؤكد الكاتب، أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قد أرخت لتحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية هائلة بكل مناطق العالم، إلا أن ذلك لا يرجع بنظره إلى منطق توسع الأسواق، بل إلى التكيف الاجتماعي الذي "فرض على الرأسمال من جانب الطبقات العاملة والشعوب".

إن مفهوم التنمية الذي ساد ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين هو مفهوم نقدي للرأسمالية، على اعتبار أن التنمية لا يجب اختزالها في النمو الاقتصادي، بل "ربطها بالقوى الاجتماعية التي تحققه وبمشروعها المجتمعي".

من جهة أخرى، فإن الأزمة التي استتبعت ذلك، إنما مردها أن "الأرباح المستقاة من الاستغلال لا تجد منافذ كافية لتوظيفات مربحة، قادرة على تطوير الطاقات الإنتاجية".

إنها وضعية الإدارة الاقتصادية للأزمة، أي "إلغاء الضوابط وإضعاف الصرامة النقابية وتفكيكها إذا أمكن، وتحرير الأسعار والأجور، وتقليص الإنفاق العام والتخصيص وتحرير العلاقات مع الخارج...الخ".

عبارة "الضبط" التي شاعت جراء الأزمة، هي ذاتها التي تم اللجوء إليها في ظل الأزمة المالية التي ضربت الرأسمالية أواخر ثمانينات القرن الماضي...كما لو أن الغاية هي "إنقاذ الرأسمالية من النيوليبيرالية"، يلاحظ المؤلف.

وعلى هذا الأساس، فإننا اليوم، يقول الكاتب، إنما "نشهد بداية انتشار موجة ثالثة من التدمير الذي يسببه التوسع الإمبريالي، مستقويا بانهيار الاتحاد السوفياتي والأنظمة القومية الشعبوية في العالم الثالث".

إن أهداف "الرأسمال المسيطر هي نفسها دائما، التحكم بتوسع الأسواق، ونهب الموارد الطبيعية للأرض، والاستغلال المضاعف لاحتياط اليد العاملة في الأطراف، رغم أن الممارسة تتم في شروط جديدة ومختلفة جدا في بعض جوانبها، عن الشروط التي ميزت فترة الأمبريالية السابقة".

من هنا يخلص الكاتب إلى القول بأن الأزمة البنيوية التي تغرق فيها الرأسمالية، ليست "من طبيعة انتقالية سيجري تجاوزها بمرحلة توسع معولم جديد. ما نشهده علامات مؤشرة على تهالك الرأسمالية، وبالتالي ضرورة انتهاج طريق الاشتراكية كضرورة موضوعية للإنسانية برمتها".

ولعل إحدى ظواهر هذا التهالك، الآثار البعيدة المدى للثورة العلمية والتقنية الجارية، وعدم سماح النظام الرأسمالي لتطور الأطراف، بدليل يقول الكاتب، "انطواء المراكز على نفسها، تاركة الأطراف لمصيرها البائس".

بتزامن وذلك، يستنتج المؤلف من معطيات واقع الحال، "أن الاستمرار في استراتيجيات رأس المال المعولم المسيطر، يفرض تكثيف التدخل العسكري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والناتو، الذي يعيد إنتاج الهيمنة الأمريكية، ويعزز التحاق أوروبا واليابان بها".

معنى هذا، بنظر الكاتب، "أن النخبة القائدة في الولايات المتحدة الأمريكية تدرك، بعيدا عن الإيمان بفضيلة يد السوق الخفية وحدها، بأن هذه اليد تحتاج إلى سند القوة العسكرية ويدها الظاهرة".

إننا، يقول الكاتب، إنما بإزاء "عسكرة الإدارة الاقتصادية الليبيرالية المعولمة"، مع العمل على هندسة النزاعات الدولية بما يتوافق وهذه العسكرة...والتي لن تفرز إلا "انتهاكا للحقوق وتهديدا للديموقراطية"...لا بل وتشددا من لدن المكونات (دولا ومنظمات وشعوبا) الرافضة لهذه العسكرة، والمتشبثة بحقها في "العدالة الاجتماعية والعدالة الدولية".

نافذة "قرأت لكم"، 25 فبراير 2010 

يمكنكم مشاركة هذا المقال