ليست قضية سامي الحاج بالقضية المعقدة، ولا هي من تلك التي تستوجب إعمال الاجتهاد لسبر أغوارها، وفك طلاسيمها. على العكس من ذلك تماما:
+ فالرجل كان ضمن العشرات ممن حملوا كاميرات تصويرهم لالتقاط ما يجري ببلاد أفغانستان، عندما كانت الجيوش الأمريكية هناك، بداية العام 2001، تدك الأرض دكا، وتطلق العنان لصواريخها لتخترق الجبال والكهوف، وتضرب الأبنية المحصنة بجوف الأرض، وبيوت القش بقرى ومدن لا تحمل من هذه التعابير، إلا الإسم حقا.
لم يكن الرجل وحيدا، ولا كان صحفيا هاويا، ولا من الذين سقطوا بهوى الصورة الصادمة أو زاوية الرؤية الإبداعية. كان ضمن فريق قناة تلفزيونية عربية، ذا طبيعة إخبارية خالصة، تعرفها الإدارة الأمريكية خير معرفة، وتعرف الخط التحريري الذي يثوي خلفها قلبا وقالبا.
+ والرجل اعتقل والكاميرا فوق كتفه، ضمن فريق عمل القناة المكلف بتغطية "الحرب على الإرهاب" وهي في إرهاصاتها الأولى، ولم يعتقل حاملا لسلاح بأرض المعركة، أو ضمن مجموعة من طالبان، أو من بين ظهراني أنصار القاعدة، أو محتكما على مخطط ما لاستهداف المصالح الأمريكية، أو الوشاية بها لدى أعدائها بأرض المعركة.
لم يكن الرجل جنديا، ولا أبان عن تعاطف ما مع طالبان، أو تقرب لدى قادة القاعدة. كان يصور الوقائع على الأرض كما تبدو له، لا يزينها ولا يضفي عليها لمسة شخصية، اللهم إلا ما يستوجبه صدق الصورة، ومدى تعبيرها عما جرى ويجري، هناك بأفغانستان.
+ والرجل، فضلا عن كل هذا وذاك، لم يكن ذا ثأر مع الأمريكان سابق، ولا تحامل عليهم يوما، ولا جاهرهم العداء بشكل من الأشكال. هو تقني درس الصورة، ويشتغل عليها لفائدة محطة فضائية، كان رهانها و"الحرب" حامية الوطيس، التركيز على الصورة لإبراز همجية الهجوم على الأفغان عقابا لحكامهم من طالبان، وانتقاما من إيوائهم لتنظيم القاعدة، المتبني لأحداث الحادي عشر من شتنبر من العام 2001.
لم يكن سامي الحاج من حاملي الجنسية الأفغانية، ولا كان من "المحاربين العرب" الذين تطوعوا للدفاع عن "حوزة الإسلام" هناك، بل كان مجرد موظف، يجمع ما يستطيع من الصور الحية، قد تؤثث التقارير الإخبارية لقناته، وقد لا يتم الأخذ ببعضها، إن ارتأت إدارة القناة ذلك، أو بينت لها حساباتها أن في تمريرها خطرا على مستقبل القناة والعاملين بها.
إن الذي جرى لسامي الحاج، منذ اعتقاله بدجنبر من العام 2001، ثم نقله لقاعدة غوانتنامو بيونيو من العام 2002، ولكأنه يدلل قطعا بأن الرجل كان عسكريا مقاتلا بأرض المعركة، ألقي عليه القبض وهو متأبط لسلاحه، فسرى عليه ببديهية الأمور ما سرى على العديد من مقاتلي طالبان والقاعدة، الذين نقلوا مثله أو معه إلى القاعدة إياها:
°- فهو صنف ضمن خانة "الأعداء المقاتلين"، على اعتبار أنه كان بحينه يثوي خلف "إدارة موقع ألكتروني يساند الإرهاب، والمتاجرة بالأسلحة ودخول أفغانستان بشكل غير قانوني، ومقابلة بن لادن...". وأن ما وفره ويوفره من معطيات وبيانات لقناة الجزيرة، يبين أنه لم يجعل منه فقط رجل ثقة لدى قادة طالبان والقاعدة، بل وأيضا مكمن تشكيك من لدن إدارة أمريكية أعلنت جهارة ومنذ اليوم الأول، بأن من ليس معها بهذه الحرب فهو قطعا ضدها إلى أبد الآبدين.
°- وهو، من هنا، إنما صنف ضمن من لديهم بيانات محددة عن زعماء التنظيمين، سيما الشيخ أسامة بن لادن والملا عمر، وأنه لاستدراجها منه تنتهك المواثيق ويداس على الأخلاق بالأقدام، وتضرب حقوق الإنسان في صميمها. وكذلك كان. إذ تعرض الرجل بقسوة، لشتى أشكال الضرب والتنكيل والتعذيب والحرمان من الطعام والنوم، ناهيك عن الإهانات المتكررة، حتى إذا انتفض على كذا ممارسات عبر إضراب عن الطعام مستمر، تم إطعامه بالأدوات الاصطناعية، أوشكت في بعضها أن تصيب بعض أعضائه الداخلية في المقتل.
°- وهو، إلى جانب كل ذلك، لم يوجه إليه اتهام محدد، في قضية محددة، يكون بمستطاعه مواجهتها، أو الرضا بالقصاص على إثرها ليتجاوز المؤقت اللامنتهي، ويرتاح الجسد، حتى وإن بقي الخاطر والحق معلقا. على العكس من ذلك تماما. لا، بل إن الإدارة الأمريكية لم تمتثل لقرار المحكمة العليا في الولايات المتحدة، بعدم شرعية محاكم الاستثناء، فلم تسلم المتهمين للمحاكم العادية، ولم تعمد إلى إغلاق أبواب المعتقل الرهيب، حيث لا يزال بعض مئات من الأبرياء قابعين.
يحار المرء حقا في خلفيات إبقاء الإدارة إياها على مصور الجزيرة، وإمعانها في إطعامه قسرا بالأنابيب، هو المصاب بسرطان الحلق من مدة، وإعلانه أكثر من مرة نيته الانتحار إن توفرت له السبل في ذلك.
هو إذن أمر من إثنين:
إما أن الإدارة الأمريكية عاقدة العزم قطعا، للإجهاز على كل من كان شاهدا على بشاعة سلوكها بغزوها لأفغانستان، وسامي الحاج تأكيدا ضمن هؤلاء، فآلت قتله ببطء بالاحتجاز، على إطلاق سراحه، سيما وأنه تمنع بقوة للتحول إلى جاسوس لذات الإدارة على قناة الجزيرة.
وإما أن الأمريكان يلوحون بخشونة العاقبة بالنسبة لكل من سولت له نفسه (من الإعلاميين العرب تحديدا) النبش في انتهاكات الجيوش الأمريكية، أو فضح سلوكها بالصوت والصورة. وسامي الحاج ضمنهم دون شك.
بالحالتين معا، يبدو أن الأمريكان يقولون للعرب: ها قد أعدمنا رئيسا منكم دون وجه حق، واستبحنا ثروات بلده دون وجه حق، وها قد سجنا صحفيا من كبريات فضائياتكم دون وجه حق، ونمعن في إبقائه بالسجن ضدا على القوانين، كل القوانين...أرونا إذن ما أنتم قادرون على فعله، إذا بقي ضمنكم رجل واحد؟
* "سامي الحاج"، شبكة الرافدين، 8 يناير 2008. التجديد العربي، 8 يناير 2008. التحالف الوطني العراقي، 9 يناير 2008. جريدة التجديد، الرباط، 16 يناير 2008.