نواف القديمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2007، 128 ص.
1- إن لمفردة السلفية دلالات عدة، يقر الكاتب ببداية بحثه. "فهي تستخدم أحيانا للإشارة إلى منهجية الاتكاء المرجعي على التراث، أي تراث. ويضادها، وفق هذا التعريف، مفردات تقدمي وطليعي وتحديثي وسواها". وتستخدم أيضا للدلالة على كل التيارات والمدارس والحركات الداخلة في الإطار الإسلامي..."فهم يعتبرون أن كل إسلامي هو سلفي بالضرورة، باعتبار ارتباطه بنص مؤسس قديم هو الكتاب والسنة". من هنا، فكل التيارات والحركات الإسلامية، المعتدل منها كما المتطرف، هي تيارات سلفية صميمية، وأن "تبايناتها لا تعدو أن تكون مجرد تنوعات داخل الإطار السلفي".
وعليه، يميز الكاتب بين سلفية تقليدية، تنطوي تحتها التيارات السلفية الرسمية، القريبة من السلطة، والسلفية الحركية، الممارسة للعمل الحركي المنظم. بالتالي، فلهما، وفق ذلك، موقف من النظام الديموقراطي لا يخرج عن إطارين: رفض المشاركة بالعملية الديموقراطية، إيمانا بعدم مشروعيتها، وأنها تتنافى مع أصول الإسلام، وموقف المشاركة في العملية الديموقراطية، تحت لافتة المصلحة أو الضرورة، "مع الاعتراض على أسس النظام الديموقراطي، واعتبارها مناقضة لأصول الإسلام".
يحدد الكاتب الديموقراطية في كونها ذاك السلوك الذي يتمحور حول عدم مشروعية استخدام العنف في التغيير السياسي، واللجوء إلى الوسائل السلمية لإدراكه. ويحددها في كونها تلك التي تنطوي على مؤسسات سياسية (برلمان، أحزاب ونقابات وغيرها) تؤسس لهيكلها وتشد عضدها، وتنطوي بصلب ذلك، على آليات واضحة لكيفية اختيار المسؤولين وممثلي الشعب، وتوجب مبدأ فصل السلط عن بعضها البعض، ضمانا للنزاهة والحياد، مع توافر دستور يحدد أدوار كل الفاعلين، ويحصر أداءهم.
ويعتقد الكاتب أنه بصرف النظر عن المضمون الفلسفي أو المعرفي لمصطلح الديموقراطية، فإن الأنجع في المصطلح، مصطلح الديموقراطية، إنما طابعه الإجرائي وطبيعته "العملياتية"، المتخلصة من البعد الإيديولوجي الغابن. يقول جوزيف شمبيتر في تعريفه للديموقراطية: "إنها عبارة عن الترتيب المؤسساتي الذي يؤمن الوصول إلى قرارات سياسية".
الكاتب هنا لا يرى في الديموقراطية إلا طابعها الإجرائي والتنظيمي، لا الإيديولوجي الصرف، على اعتبار أن النظام الديموقراطي إنما هو عبارة عن "آليات وأدوات إجرائية لتنظيم الحياة السياسية، وطريقة لإدارة الخلاف والصراع السياسي بشكل سلمي".
2- إن الشريعة الإسلامية، يقول الكاتب، إنما أتت بنصوص عديدة تذم فيها شرعة الغلبة والاستئثار والقوة، وتحض فيها على الاختيار والشورى. بالتالي، فالنقطة الأساس هنا هي أن الشريعة أتت بأفضلية اختيار الحاكم، على اعتبار أن الحكم الفردي غالبا ما يتحول إلى ظلم واستبداد، كما كان الحال مع عبد الملك بن مروان الأعلم، الأنسك، والذي بمجرد وصوله إلى السلطة، عين الحجاج بن يوسف وخالد القسري، الظالمين المستبدين بالمنظور الديموقراطي السائد بالوقت الحالي.
من هنا، يقول الكاتب، فإن التعويل على العدل في مجتمع كهذا، إنما يكون فقط من بوابة تقوى الحاكم وصلاحه وخشيته من الله أو الضمير أو الوازع الديني". أما عندما لا يكون الحاكم مطلق التصرف، بل مراقبا بهذا الشكل أو ذاك، فإن التعويل على العدل هنا يأتي من "تقوي الحاكم وصلاحه، ولكن أيضا وبالأساس من القانون الذي يحول دونه ودون الجور والظلم والطغيان".
ويلاحظ الكاتب، من جهة أخرى، أنه لا يوجد نص قطعي الثبوت والدلالة، يمنع من وجود رقابة ومحاسبة للحاكم، "بل أتت النصوص على تعظيم شأن الإنكار على الحكام الظلمة".
من هنا، يخلص المؤلف إلى القول بأن "النموذج الأفضل للحكم يكون عن طريق الاختيار والشورى، وبوجود مراقبة ومحاسبة تمنع أو تحد من ظلم الحاكم وتفرده".
ويقر الكاتب أيضا، بأن "غالبية رموز ومنظري التيار السلفي يتقوى على أولوية الاختيار ومشروعية المراقبة والمحاسبة ومشروعية الانتخابات".
ويستغرب المؤلف كيف أن رموز هذا التيار بالسعودية مثلا، لا يطالبون بضرورة "تطبيق النظام الانتخابي، لتحقيق قدر أكبر من النزاهة في اختيار المسؤولين".
3- إن الشورى التي أكدت عليها النصوص القولية والعملية إنما هي، بنظر الكاتب، مبادئ وقيم، لكنها لا تحتوي على آليات تطبيقية محددة لممارستها. بالتالي، وجب إيجاد هذه الآليات الديموقراطية التي "تتمثل في انتخاب الأمة لمجلس شورى، يمثل دور الرقابة والمحاسبة للحاكم وللسلطة التنفيذية، إضافة إلى قيام نظام فصل السلطات، بحيث لا يكون للحاكم سلطة على هؤلاء المستشارين في مجلس الشورى، حيث لا يحد ذلك من استقلاليتهم، وحرصهم على تقديم مصالح الأمة، دون الخوف من عقاب الحاكم وسطوته".
أما عن اختيارية من إلزامية الشورى، فيرى الكاتب أنه على الرغم من القول باختياريتها، فإن أصحاب هذا الرأي "لا يعترضون على مبدأ الإلزامية إذا كان هذا المبدأ شرطا ابتدائيا في التعاقد بين الحاكم والمحكوم...وهو ما يسمى اليوم بالنص الدستوري في أصل التعاقد".
من جهة أخرى، يلاحظ المؤلف أنه في كل المجتمعات الديموقراطية، ثمة دستور باعتباره المرجعية العليا المعنية ببلورة النظام العام للدولة...وتتفرع عنه جميع القوانين واللوائح والتشريعات المنظمة للحراك السياسي والاجتماعي والثقافي. والدستور هنا هو ذاك النص الذي يتوافق حوله الشعب ويرتضيه، وتوضع بوجه تغييره أو تحيينه عقبات كبرى، باعتباره المصدر الأقوى للتشريع، الذي لا يخضع لكثير مزايدات.
ما قول السلفيين إذا قام حاكم مستبد بنقض أصول شرعية ثابتة أو قام بتغيير الشريعة؟
ثمة خياران عمليان أمامهم، يقول الكاتب:
+ الأول، "البقاء والخضوع عمليا لهذا الحاكم (وإن اعتبر حاكما غير شرعي) تحت مبرر خشية الفتنة... والاكتفاء فقط إما بالنصيحة السرية، أو بالإنكار العلني".
+ أما الثاني، فهو خيار الخروج المسلح، وما قد يترتب عن ذلك من فوضى وخراب. وهو المستبعد من لدن العديد من الجماعات.
أما القول بأنه "في الديموقراطية الحكم للشعب، وفي الإسلام الحكم للشريعة"، فهو قول خاطئ يقول المؤلف، "لأن المرجعية في المجتمع المسلم هي دوما للشريعة. لكن تطبيق الشريعة كان يسند في التاريخ الإسلامي إلى حاكم فرد متغلب، وكان هذا الحاكم ينحرف كثيرا عن أصول الشريعة، ولم يكن النظام السياسي التقليدي ينطوي على أية آليات أو طرق عملية وسلمية تمنع هذا الحاكم من الانحراف عن الشريعة. أما في النظام الديموقراطي، فيسند تطبيق الشريعة إلى الأمة، التي هي أقدر على صونها وحمايتها من انحراف الحكام".
إن بالنظام الديموقراطي، يقول الكاتب، فكرة صميمية لا يمكن أن تستقيم إلا بها، وهي فكرة التعددية الحزبية، ومبدأ حق المعارضة. بالتالي، فما دام الانتخاب وفصل السلطات قائما، فإن لا خلاف كبيرا حول النظام الديموقراطي، إذ الفعل التشريعي يطال المباح والمتاح، ولا يمكنه أن يمس جوهر الشريعة في النظام الإسلامي. العبرة هنا برأي الكاتب، في من يوكل إليه أمر تطبيق الشريعة وحمايتها: الأمة أم الحاكم الفرد.
إن السلفيين الذين ينتقدون النظام الديموقراطي إنما يفعلون ذلك، برأي المؤلف، على خلفية من التلازم الذي يرونه بين الديموقراطية والعلمانية، وإذا ما تم هذا الارتباط، فإن "القاعدة الصلبة لمنهجية هذا النقد، تكون حينئذ قد فقدت العنصر الأهم لنفي المشروعية الدينية".
إن الديموقراطية، يقول الكاتب، ليست نهاية للتاريخ، "بل على الأمة أن تسعى دوما للبحث عن النموذج الأفضل والأكثر التصاقا بالشريعة، والأقرب لترسيخ العدالة، والأوسع تمثيلا للشعوب. وحين نصل إلى إنتاج نموذج أفضل، فلا حرج ساعتها أن نلقي بالنظام الديموقراطي في سلة المهملات.
ولكن، يتابع المؤلف، وحتى نصل إلى هكذا نموذج، ألا يجب على مجتمعاتنا أن تبحث عن حل، وأن تصنع شيئا أكثر من ممارسة طقوس الانتظار؟...أما أن يكون السعي فقط في اتجاه رفض ونقد وتشويه النموذج الوحيد المتاح حاليا (النموذج الديموقراطي)، فهذا دون شك، يصب عمليا في مصلحة الاستبداد والتفرد والجور".
نافذة "قرأت لكم"، 13 غشت 2009