تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المغرب واغتيال صدام حسين: ازدواجية الرسمي والشعبي"

news-details

قد يكون من قبيل الاجترار الصرف، معاودة الحديث عن وفي سياقات محاكمة الرئيس/الشهيد صدام حسين، وتوقيت النطق بالحكم عليه، وطقوس تنفيذ حكم الإعدام/الاغتيال فيه. كلها أمور لم يعد ثمة مجال للمزايدة بشأنها، بجهة أن الأمريكان هم الذين اغتالوه واختاروا لذلك الأدوات، وضمنها تحديدا الأداة الطائفية والصفوية، والمكان مكان المخابرات العسكرية (حيث يزعم أن العديد من أعضاء حزب الدعوة أعدموا به بدم بارد) وكذلك اليوم، يوم كان جزء من مسلمي العالم ينحر الأضحية بمكة المكرمة، وجزء آخر يستعد لنحرها، صبيحة الثلاثين من دجنبر الماضي.         

ولما بات الرجل بين يدي ربه يحاسبه على ما قدمت يداه وأخرت،  فإن ذكرى اغتياله  (وبلده تحت نير الاحتلال)، والطريقة التي تم بها ذات الاغتيال لم ولن تندمل، على الرغم من تقدم الرجل للمقصلة وخطاه ثابتة، ورأسه مرفوع ووجهه مكشوف (فيما شانقيه متخفين خلف أقنعة سوداء) كما لو أنه يتحدى المقصلة والموت حقا...فما بالك  تحديه لجوقة الانتقام والتشفي االمحيطة به صبيحتها، وهو ينطق الشهادة مرتين.  

وإذا غدا من الثابت اليوم، أن طقوس الإعدام/الاغتيال لم تحترم الرجل وهو يستعد للقاء وجه ربه، ولا حرمة الموت (المادية منها على الأقل)، ولا قدسية اليوم الذي نفذت فيه العملية أو جلالة صبيحة العيد، فإنه غدا من الثابت أيضا أن مواقف التشفي والتعبير عن الابتهاج، الذي عبرت عنه بعض الطوائف داخل العراق، وبعض الدول "العربية والإسلامية" بكل طوائفها، إنما يشي من بين ظهرانيهم جميعا (دولا وطوائفا) بأنه من دنو الأخلاق حقا اللجوء إلى ذوات مظاهر والرجل بين يدي ربه يقتص منه.        

قد يجد المرء بعضا من الشفاعة لموقف دول كالكويت وإيران، كان لها مع الرجل ثأر بحياته ورغبة في القصاص منه، وقد يجد بعضا منها لدول، كإسرائيل، أضمرت له العداء والكراهية، واستعجلت نهايته بعد أن انتهى نظامه. لكن الذي لا يستطيع المرء تفهمه، ولا إيجاد الشفاعة له، إنما مواقف بعض من دول أصدرت، في أعقاب الإعدام/الاغتيال، بيانات استهجنتها شعوبها بالداخل، قبل أن تستهجنها باقي أمم وشعوب الأرض.    

والحقيقة أن البلاغ الذي أصدرته وزارة الخارجية بالمغرب، غداة خروج الآلاف من المواطنين (أو بعده) وبكل المدن، إنما يعبر حقيقة عن الانفصام التام والمطلق بين شعب اهتز لحادثة الإعدام/الاغتيال، وبين بيان حكومة لم يأت على ذكر الحادثة إياها بالفصيح المباشر، أو بالتلميح حتى، ليكتفي ببضعة أسطر يطالب فيها العراقيين "بضرورة تحقيق المصالحة بين مختلف فئات الشعب العراقي، المدعوة إلى التعايش في سلام وأمن وتقدم"...

ويتابع بنبرة تضمر الأبوية والنصح: "إن هذه المصالحة ستتيح لهذا البلد الشقيق استعادة مكانته الشرعية في العالم العربي والإسلامي".  

هو بلاغ خارج السياق تماما، لا يعكس بالمرة الغاية من صدوره بهذا التوقيت، يتجاوز على غصة الواقعة ليخلص مباشرة إلى مستوى النصيحة والوعظ. هو بالتالي، وبالمحصلة، بيان لا يصلح للمناسبة، بل قل صالح لكل المناسبات. إذ قد يجد مسوغه ومبرره من مقتل أي عراقي (وقد قتل منهم مئات الآلاف مند احتلال بلدهم من لدن الأمريكان والإنجليز ولا يزال)، أو أي اقتتال بين أبناء الوطن، أو لمجرد تنابذ الألفاظ فيما بينهم...فما بالك أن يعدم رئيس لم يكن ليقوض نظامه أو يعدم، لولا تآمر الأجنبي (وذوي القربى أيضا) عليه في السر وفي العلن.  

لم نكن ننتظر من حكومة تكنوقراط أن تدين حادثة الإعدام أو تندد بسلوك منفذيها، أو تعلن الحداد على الراحل، أو تتغاضى عمن يذهب بهم الغضب والحزن لدرجة فتح بيوت عزاء، أو تدعو الناس للاستنكاف عن نحر أضحية العيد، وقد تم النحر بالنيابة عنهم جميعا...

لم نكن ننتظر من حكومة نعرف جيدا طبيعتها، والخلفيات الناظمة لأعضائها أن تقوم بذلك. كنا ننتظر منها على الأقل (وعلى الأقل في حده الأدنى) أن تستهجن يوم التنفيذ وطقوس التنفيذ، كما نددت به العربية السعودية مثلا، وهي التي أوشكت تسعينات القرن الماضي، أن تستهدف بعدما تسنى للرئيس الراحل إحكام القبضة على الكويت.    

قد يبدو من العبث حقا المراهنة على "موقف حي" من حكومة موات. لكن المطلوب منها على الأقل هو الاصطفاف على مواقف دول وشعوب، كانت تكن الكراهية والحقد للرئيس الراحل، لكنها مع ذلك استهجنت تاريخ وطقوس إعدامه، لدرجة أوشك بعضها على تأبينه والاعتراف له ب"المرجلة" طيلة مراحل حكمه، وحين تم إلقاء القبض عليه، كما عند تقديمه ل"لمحاكمة" والحكم عليه... كما عندما أرغم جلاديه على اختيار بعض من تفاصيل موته... واستسلموا. 

وإذا كان موقف/لاموقف المغرب بهذه الحالة مدعاة قرف شديد يدعو للغثيان، فإن له في ذلك حسابات، قد لا يستطيع المرء إدراك تفاصيلها الصغيرة، حتى وإن تسنى له استشفاف بعض من عناصرها:  

+ فموقف الحكومة من عملية الإعدام/الاغتيال لربما أملته خلفيات "برغماتية" مؤداها الأساس، أنه مادام الرجل قد أعدم وانتهى أمره، فما الفائدة من اعتماد موقف "متطرف" (بجهة التنديد أو الاستنكار أو ما سواهما)، لن يزيد بكل الأحوال إلا "تأجيجا للفتنة هناك"...بالتالي، وجب التجاوز على الحدث بجهة الدفع ب"المصالحة"، على اعتبار المثل السائد أن "الحي أبقى من الميت".   

+ والموقف إياه لربما ترتب عن خوف من غضب الأمريكان (وهم الآمرون/الناهون هنا وهناك)، أو خشية ردة فعلهم في مغرب عربي الكل به (سيما المغرب والجزائر) أضحى يراهن على دور الأمريكان خدمة لهذا التوجه أو ذاك سيما بجهة قضية الصحراء، والتسابق على التموقع بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالمغرب العربي وبإفريقيا جنوب الصحراء وبما سواها.

+ وموقف الحكومة إياه لربما حددته علاقات المغرب "الجديدة" مع حلفاء قدامى/جدد كالكويت مثلا (وباقي دول الخليج الأخرى)، بات لها بالمغرب استثمارات مباشرة، ومصالح كبرى، من "المتعذر حقا" المجازفة بها، أو تركها تحت رحمة موقف قد يبدو بالحكمة السياسية المعتادة ببلادنا، موقفا "طائشا أو متهورا".

هي كلها حسابات واردة وإلى حد ما موضوعية، بعين الواقعية السياسية و"البراغماتية المعتدلة" التي لطالما طبعت السلوك الخارجي المغربي، وجعلت مواقفه بإزاء القضايا الكبرى إما "معتدلة" التوجه والنبرة، أو "محايدة"، أو في أحسن الأحوال غير مكترثة بالأحداث كما لو أن هذه الأخيرة غير موجودة أصلا.   

وإذا كان لدى المرء الاستعداد الكامل لتفهم "موقف"المغرب من إعدام/اغتيال الرئيس الشهيد، فإنه لا يستطيع بالمقابل أن يتجاهل حقيقتين اثنتين أذكاهما الموقف إياه، وجعلته غير شاذ بالمرة قياسا إلى سلوكه المعتاد:     

+ فالمغرب بات على الأقل منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، شبه غائب عما يتموج بالعالم من قضايا وأحداث. يتجاهل بعضها، يبدي برودة ببعضها الآخر، ويصم آذانه جملة وتفصيلا بإزاء أخرى كما حصل مع عملية الاغتيال إياها. 

فالحكومة أبقت على موقفها في ظل تظاهرات شعبية حاشدة، والأحزاب (حتى تلك التي كان للرئيس الراحل أفضالا كبرى عليها) عمدت إلى الصمت و"التنديد" المطبوع بالاستحياء في أدنى درجاته. والإعلام السمعي والمرئي أبقى على شبكته البرامجية، بل تطاول على الحدث في سهرات مرح ومجون قل نظيرها ليلة رأس السنة، ودم الرجل لم يجف بعد من حول رقبته. 

+ والمغرب بات غير عابئ بموقف "الغوغاء" من شعبه (من بيننا أعني)، ولا يجد غضاضة في تجاهل تعبيراته... في ظل نظام من الوصاية، ليس للرعية بموجبه من سبيل إلا سبيل الاصطفاف حول الموقف الرسمي وتزكيته بالسر والعلانية.

إن الذي عبر عنه بيان الخارجية المغربية (والأحزاب الرسمية أيضا) بإزاء واقعة اغتيال الرئيس/الشهيد، إنما يعبر عن الشرخ العميق والانفصام التام عن تموجات الشارع (ناهيك عن الازدراء بما قد يصدر عنا)، وما يعتمل من بين ظهرانيه من احتقان وغضب يكاد يبلغ مستوى الانفجار...وسينفجر يوما بكل الأحوال... 

ومهما يكن من أمر، فالرجل عاش شجاعا ومات بطلا، ولم يعد بحاجة لبيانات أو مواقف من هذا القبيل...ألم يشدد على محاميه، أياما على اغتياله، عدم استعطاف رقبته لدى الحكام العرب...كل الحكام؟

"المغرب واغتيال صدام حسين: ازدواجية الرسمي والشعبي"، التجديد العربي، 15 يناير 2007، جريدة التجديد، الرباط، 17 يناير 2007، شبكة الرافدين، 18 يناير 2007، القدس العربي، 24 يناير 2007. الصحيفة الجديدة، 29 يناير 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال