تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عندما تتجنى بعض الفضائيات العربية على المقاومة العراقية"

news-details

لم يكن من مواز، في الحرب الأنجلو/أمريكية على العراق ووضعه تحت الاحتلال المباشر وشرعنة ذلك بقرار من الأمم المتحدة، أقول لم يكن من مواز للسرعة التي انهار بها النظام وسقطت بها بغداد، إلا سرعة انفجار المقاومة وانطلاقة شرارتها الأولى خطابا وفي الممارسة اليومية.

والواقع أن انطلاق شرارة المقاومة العراقية أياما معدودات فقط على سقوط عاصمة الرشيد إنما يشي موضوعيا (وعلى المستوى العملي أيضا) أن المقاومة إياها كانت لربما قد رتبت أمرها وحسمت خيارها مذ وطأت الطلائع الأولى للجنود الإنجليز والأمريكان أرض العراق في العشرين من مارس من السنة 2003 ولربما قبل ذلك بكثير عندما تأكد لها قطعا وبالملموس أن البلاد لا محالة آيلة إلى السقوط في يد الاحتلال سواء طال أمد المعركة المباشرة أم قصر.

بالتالي، فانطلاق أولى عملياتها مباشرة بعد سقوط بغداد واختفاء الرئيس وأعوانه وتهاوي الدولة وأركانها، إنما تأتت لها القناعة بذلك تسليما في خضم المواجهات المباشرة كما قبلها بفترة بعيدة دون شك.

لم يكن لأحد أن يصدق (أو لم يسمح له بذلك أصلا) بأن استهداف جنود الاحتلال وطائراته ومجنزراته ومواقع إقامته والعناصر المتعاونة معه إنما هو عمل من أعمال المقاومة بقدر ما تم احتساب "أفعالها" على جهات ثلاث تم الترويج أن لها في ذلك ثأرا أو نتاج يأس نهائي أو مصلحة ما على خلفية من تصفية الحساب:

+ فهي (أعني المقاومة) صنفت منذ البدء بأنها صادرة عن فلول وأزلام النظام المطاح به تتغيأ من وراء ذلك لا الثأر لذات النظام فحسب بل إعادته لمقاليد السلطة هيئة قيادية ونظام حكم.

وهو أمر كان للمرء أن يستسيغه جزئيا مادامت تركيبة النظام السابق لا يزال أعضاؤها أحياء (حتى وإن كان جزء منهم بسجون الاحتلال) أو تمت تصفيته أو استبعاده.

والأمر كذلك وأكثر مادام رأس الدولة لا يزال على قيد الحياة، يصدر من مخبئه البيانات التحريضية، يردد التوكيد على شرعيته ويعد بالعودة عندما تنتفي ظروف الغياب القسري الذي فرض قهرا عليه وعلى أبنائه وعلى أعضاء الدولة والحزب الذي كان رأسهم وزعيمهم. أما وأن الرئيس قد اعتقل وسلالته تقوضت وبنيان نظامه قد انهار جملة وتفصيلا، فإن احتساب المقاومة عليهم جميعا لم يعد ذو جدوى أو مصداقية تذكران.

+ والمقاومة (أو بعض من "عناصرها") تم احتسابها على "أيتام النظام" وعلى الذين تطوعوا (من العرب أساسا) للدفاع عنه..."فتكسرت طموحاتهم على أسوار بغداد التي راهنوا على دحر العدو لمجرد الاقتراب منها".

لم يتعلق الأمر، بهذه النقطة تحديدا، على المتطوعين العرب الذين استفزهم سلوك زعماء التحالف الأنجلو/أمريكي، بل وأيضا مئات الآلاف من الأفراد والعوائل التي حكم عليها "السفير برايمر" بالتشرد والضياع ونهاية الحال ولربما المآل أيضا.

وهو أمر يمكن للمرء أن يستسيغه في حينه مادام الجيش قد حل وتمت ملاحقة كبار ضباطه أو تصفيتهم، أما ولم يعد من ذلك شيئا يذكر، فكيف حصر المقاومة فيه أو في بعض من عناصره؟

+ أما الجهة الثالثة التي تم الادعاء بأن لها مصلحة في استهدافها لقوات الاحتلال ومواقع تمركزه فتمثلت في "الأطراف الخارجية" (منظمة القاعدة أساسا) التي بتعذر استمرارية مقاومتها بأماكن أخرى (بأفغانستان تحديدا) أتت للعراق لتصفية حسابها مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا كما مع غيرهما.

وهو أمر لطالما تم الدفع به (من لدن قوات الاحتلال) لتبرير التفجيرات الكبرى التي طاولت العراقيين وأودت بحياة المئات منهم من هذه الطائفة أو تلك...لكنه لم يتم التثبت في الغالب الأعم من مصادر ذات العمليات ولا من الجهة الثاوية خلفها...ولا تم إعمال التحقيقات بغرض معرفة ذات المصادر والجهات.

ما السر إذن في تحميل المقاومة العراقية وزرا غير قائم أصلا واستصدار حق لها ضمنته لها الشرائع والمواثيق لفائدة جهات هي براء منها بالجملة والتفصيل.

إذا لم يعد الأمر، بعد مرور عام ونيف على احتلال العراق، لم يعد مثار تشكيك كبير بأن الذي يجري بأرض العراق اليوم إنما هو أعمال مقاومة بامتياز ينصهر بصلبها الوطني بالقومي بالإسلامي بالذي لا انتماء عقائديا له يذكر...الكل (83 بالمائة يعتبر أن وجود القوات الأنجلو/أمريكية هو وجود احتلالي) والكل (80 بالمائة من العراقيين بطوائفهم ومعتقداتهم الدينية وما سوى ذلك يعتبرون أن مواجهة الاحتلال تمر عبر المقاومة)...الكل إذن أضحى في خندق المقاومة بعدما تأكد له بالملموس أن ذات القوات لم تأت لزرع الديموقراطية وإرساء دولة الحق، بل أتت أولا وأخيرا لضمان مصالحها والحفاظ على امتيازاتها.

ما السر إذن في استماتة البعض (وفي مقدمتها بعض من الفضائيات العربية) في نفي صفة المقاومة على العراقيين واعتبار ما يقومون به مجرد "أعمال إرهابية وتخريبية" يقوم بها وعليها "ملثمون" و"مجهولون" و"مجموعات مسلحة" و"جهات مجهولة" و"عناصر مخربة" وما إلى ذلك من الصفات والمسميات؟

قد لا ينزعج المرء بالمرة عندما ترد ذات الصفات على ألسن مجلس في الحكم معين، عميل، يداهن الاحتلال ولا يجد غضاضة في محاباته تحت هذا المسوغ أو ذاك، لكنه ينزعج أيما يكن الانزعاج عندما ترد ذات المسميات بفضائيات عربية (كالجزيرة والعربية ومركز تلفزيون الشرق الأوسط وفضائيات مصر والمغرب العربي وما سوى ذلك)...كانت في بعضها إلى حين عهد قريب مكمن استحسان واستلطاف بل واعتبرناها في حينه طفرة في الإعلام العربي غير مسبوقة في التاريخ؟

لن يتعذر التحاجج كثيرا لو كان للمرء أن يجد المسوغات والخلفيات في ذلك:

+ فالفضائيات إياها جزء من أنظمة حكم (بالخليج كما بالمشرق كما بالمغرب العربي) لا تنطق بالمحصلة إلا بمنطوقها وليس لها قطعا أن تتحدى خطوطا حمراء حددت لها بالمباشر الحي أو بالملمح إليه المبطن.

والواقع أنه لو هان الأمر للتدليل على ذلك بكل فضائيات المنطقة العربية ، فإنه لن يتعذر كثيرا بالنسبة لفضائية الجزيرة وهي التي ادعت منذ البدء "استقلاليتها" عن دولة قطر ممولها، وأثبتت في حالات عديدة "مصداقيتها" لكنها في حالة العراق المحتل (كما أثناء الإعداد لاحتلاله)  كانت صوت دولة-المقر للفضائية إياها كما لرئاسة أركان التحالف الأنجلو/أمريكي)...كيف لها جدلا أن تعمد إلى سلوك في التوصيف غير سلوك القائمين الحقيقيين علها حتى وإن لم يكن ذلك إلا بالضمني والملمح إليه.

+ لم ترتكن ذات الفضائيات إلى ترويج ما تم لسلطات الاحتلال اعتماده من عبارات وتوصيفات، بل ذهبت لحد التماهي مع وضع ذات السلطات في الشكل كما في الجوهر: فهي تنعتها "بسلطة التحالف" وتصف مستهدفيها بالصفات السابقة الذكر، بل وتقطع سير برامجها لتمرر لمؤتمراتها الصحفية أو لإذاعة تصريح لحاكمها.

هي تبدو بالتالي ولكأنها تتناغم مع سلطات الاحتلال في صمتها كما في نطقها سواء بسواء.

+ وهي تتقاطع وسلطات الاحتلال عندما تستنكر استهداف المدنيين وتدين التنكيل ببعض الجنود القتلى بالفلوجة دونما الاعتبار من لدنها (أو التلميح بذلك على الأقل) بأن ذات الاستهداف إنما هو عرض من أعراض المقاومة وليس بأي حال من الأحوال استهدافا للأبرياء.

ثم إنها عندما تدين ذات التنكيل (كما أدانه بعض من الكتبة العرب، فلا تلمح إلى التنكيل إياه (بصرف النظر عن موقف المرء منه) إنما هو رسالة من لدن المقاومة للقائمين على الاحتلال بالعراق كما بواشنطن كما بعواصم "التحالف" الأخرى.

بالتالي فلم يكن الاستهداف غاية في حد ذاته كما لم يكن التنكيل بجنود قتلى...هي وسائل ورسائل للمقاومة تبرز من خلالها وجودها الثابت وتوضح عبرها الدرجة التي يمكنها بلوغها حالا وفي المستقبل.

هل بإمكان فضائيات بهذا اللون أن تنفي على المقاومة العراقية، بالكلمة والصوت والصورة ما استطاعت المقاومة إياها تحقيقه بقوة الإرادة والعزيمة والفعل؟

قد تستطيعه بهذا الخبر المجتزأ أو ذاك، بهذه النشرة المفصولة عن سياق الذي يحدث أو ذاك، لكنها لا تستطيع ذلك في المطلق مادامت المقاومة إياها قد أضحت واقعا حيا تتكاثر لفعله ردود الأفعال بالإعلام كما بالاستهداف العشوائي كما بالاعتقالات من أجل الاعتقال.

وعلى هذا الأساس، فلو سلم المرء تلقائيا بأن واقع الاحتلال إنما يفرز حتما من بين ظهرانيه واقع مقاومة، فكيف له أن يسلم بشرعية المقاومة بالعراق في الوقت الذي تمت الشرعنة للاحتلال "حقوقا" كما في الواجبات؟

كيف لهذا المنبر الإعلامي "العربي" أو ذاك أن يتجرأ ويذهب لدرجة نعت ذات المقاومة بالإرهاب أو ب"التآمر على العراق" أو يصف عناصرها ب"المجهولين" أو "الملثمين" أو "المسلحين" دونما استحضار من لدنه أن واقع الاحتلال إنما يؤكد موضوعيا واقع المقاومة المشروع لا يتم تكريسه على أرض الواقع إلا بقوة السلاح في الغالب الأعم وبحرب العصابات لو تعذر على ذات المقاومة اعتماد المواجهة المباشرة.

بالتالي فالمقاومة بالعراق لا تنشد منة من هذه الجهة أو تلك استثنائية أو مكرمة من هذا المنبر أو ذاك في التوصيف...إنها تنشد أن يتم الاعتراف لها بمشروعية رد الفعل تماما كما شرعت المواثيق للاحتلال الفعل. لماذا لا تتراص أنظمة الحكم وفضائياته في اعتبار العراق أرض مقاومة بعدما أكد شعبه ذلك ممارسة أو بالتبني الضمني لذلك؟

لماذا تنتقص معظم الفضائيات العربية من تضحيات مقاومة تتوانى مرحليا في التبيان عن وجهها وبرنامجها اللهم إلا إعمال الجهاد المباشر لإنهاك قوى الاحتلال ووضعه على المحك في أفق دحره؟

لماذا التجني من لدن أنظمة حكم فاسدة والتجني من لدن فضائيات ناطقة باسمها على مقاومة العراق (كما على المقاومة الفلسطينية) أضحت نقطة الضوء الوحيدة للخروج من النفق؟

إننا نقولها جهارا ودونما لثام أو تنكر بزي: إن الذي يجري على أرض العراق إنما هو وبكل المقاييس مقاومة خالصة وأن الذي يسقطون جراء خيار المقاومة ذلك إنما هم شهداء وأبطال...كائنة ما تكن خلفياتهم ومعتقداتهم وطرق مقاومتهم...

* "عندما تتجنى بعض الفضائيات العربية على المقاومة العراقية"، جريدة العلم، 13أبريل 2004، مجلة المحرر، العدد 223، السنة 13، 2005.

يمكنكم مشاركة هذا المقال