تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن المقاومة كقوة ردع"

news-details

منذ السابع والعشرين من شهر دجنبر العام 2008، وآلة الحرب والدمار الإسرائيلية تدك قطاع غزة من الجو والبحر والبر دكا، لدرجة تأكد لنا معه أن إسرائيل إنما تريد إفناء غزة بقوة النار والحديد، بعدما تأكد لها أن لا جدوى من حصارها، أو فائدة من تجويع أهلها، أو نتيجة تذكر من إرهاب ساكنتها، حكاما ومحكومين.

وفي ظرف لم يتجاوز الثلاثة أسابيع، "نجحت" إسرائيل في قتل المئات، معظمهم أطفال ورضع ونساء وعجزة، وجرح الآلاف معظمهم مدنيون آمنون، و"نجحت" في تجريف الحقول والمزارع، و"نجحت" فوق كل هذا وذاك، في تدمير كامل البنية التحتية، المادية والمؤسساتية، لتحول قطاع غزة بالمحصلة، إلى أرض منكوبة، تبدو للناظر، ولو عبر الفضائيات، ولكأن زلزالا عنيفا قد طاولها، أو كارثة طبيعية قد حلت بها. كل ذلك والعالم، كل العالم، يتفرج عن بعد، كما لو أن الأمر لا يهمه، أو الأحداث والصور اختلطت عليه، فخال نفسه بإزاء فيلم من أفلام الرعب، سرعان ما ستنجلي أطواره، وفق ما يتصوره المخرج ويرتضيه.

وعلى الرغم من حجم الدمار اللامتناهي الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بغزة، بشرا وحجرا وشجرا، فإنها، وهي تعلن وقفا أحاديا "لإطلاق النار"، في صبيحة الثامن عشر من يناير العام 2009، إنها إنما تكابر في ترويجها للقول بأنها بلغت أهدافها، ونفذت الخطة التي وضعتها، ولم يعد لها بالتالي إلا جني الثمار السياسية، التي بالاحتكام إليها شنت الحرب من الأساس:

+ فالعملية العسكرية العنيفة والخاطفة التي عمدت إليها إسرائيل، لم تمنع المقاومة من إطلاق الجرعة اليومية من الصواريخ، التي طاولت المستوطنات المجاورة للقطاع، ونجحت في بلوغ العمق الإسرائيلي ذاته، لا بل إن ذات الصواريخ كانت تطلق بقوة على النقب، تزامنا وبالتوقيت الآني مع إعلان رئيس وزراء إسرائيل، وقف إطلاق النار من "جانب واحد"، كما لو أن لسان حالها يقول له بالمباشر الحي: "ها هي الصواريخ التي تبجحت بتقويض منصات إطلاقها، لا تزال تمطر مدنك ومستوطناتك، وتزرع الهلع في نفوس مواطنيك، فأرنا كيف تستطيع اليوم أو في القادم من أيام، إيقافها، أو تحديد أماكن إطلاقها".

+ والعملية العسكرية، المرتبة من مدة بعيدة، ومن لدن أعتى جنرالات إسرائيل، لم تضعف المقاومة، ولا نجحت في تقويض قوة حماس وجلد باقي الفصائل، لدرجة لم يتجرأ الجيش الإسرائيلي الالتحام بعناصرها مباشرة، أو بلوغ الخنادق حيث تتحصن، أو إدراك المواقع حيث تترصد لجنوده بالكمائن والقنص عن بعد، وحرب العصابات المتمكنة من تفاصيل وجغرافيا المكان، والمدربة على قتال الكر والفر.

إن المقاومة، بهذه النقطة، لم تنجر، ولم تسقط بحبال الاستدراج بالأماكن المفتوحة حيث مقتلها، بل تربصت بجنود الاحتلال بالأزقة ومقاطع الطرق، ولسان حالها يقول "لن تمروا من هنا، حيث نوجد، إلا على أشلائنا".

+ والعملية العسكرية، وعلى همجيتها وانتفاء معايير الأخلاق من بين ظهرانيها، لم تخلق، كما ادعى قادة إسرائيل، وتماهت معهم في ارتجاء ذلك نظم وحكومات، من الأغيار كما من ذوي القربى، لم تخلق بجنوب إسرائيل "واقعا أمنيا جديدا"، يحمي ذات الجنوب، ويضمن لمستوطنيه الاستقرار والأمان، بل أفرزت واقعا جديدا آخر، مفاده أن لا نجاعة للقوة في الإتيان بالأمن، أو قدرة للتحايل على شعب يدرك أنه بأرضه مرابطا، ويعلم جيدا أن لا بديل له عنها، اللهم إلا التدمير أو التطهير أو التهجير.

بهذه المستويات الثلاثة، يبدو لنا أن إسرائيل لم تدرك ما أعلنته من أهداف، دع عنك ما حددته، ولم تبلغ ما راهنت عليه، دع عنك ما صرحت به، لا بل إنها فجعت، وهي تعلن "وقف إطلاق النار"، بكون المقاومة لم تستسلم، ولم ترفع الرايات البيض، ولم تستغث النجدة أو الرحمة من الجلاد، بل تحدته عسكريا ونغصت عليه سياسيا، وجاءته بالرد المناسب من حيث لم يحتسب.

إن المقاومة الفلسطينية بغزة دخلت الحرب (أقول الحرب) بشروطها ومسلماتها، وأدارت رحى ذات الحرب، وهي رافعة لواء ذات الشروط والمسلمات، متشبثة بها، وأعلنت أنها لن تقبل بأقل من ذات الشروط والمسلمات (رفع الحصار، فتح المعابر، وقف الاستفزاز الإسرائيلي المتكرر)، فلم تساوم، ولا عمدت إلى التنازل حتى ونيران قنابل الفوسفور ويورانيوم القنابل المنضب، يتهاطل عليها آناء الليل وأطراف النهار.

إن الذي تشي لنا به الإدارة الرائعة للحرب مع إسرائيل، التي ثوت خلفها المقاومة الفلسطينية، لا يكمن فقط في استبسالها في دحر العدوان والوقوف بوجهه، ولا يكمن فقط في وعيها العالي بطبيعة المعركة، ومصيريتها بالنسبة للقضية برمتها، بل يكمن أولا وبالأخير، في قلبها لمعادلة النصر والهزيمة، التي لطالما عهدتها النظريات العسكرية التقليدية.

والقصد بهذا إنما القول، بأنه مادامت بنى المقاومة لم تتضرر كثيرا، ومعدل إطلاقها للصواريخ لم يتأثر، وإرادتها في التشبث بمطالبها لم تتزعزع، والمزايدات من حولها لم تنل منها ولا من صلابتها، مادام كل ذلك لم يتحقق لإسرائيل، فإن هذه الأخيرة لا تستطيع الادعاء بالنصر، أو المجاهرة بكونها أدركت المبتغى، اللهم إلا إذا كان مقياس النصر لديها كامنا في قصف المدنيين، وتدمير منازلهم من على رؤوسهم، وتحويل آمنيهم إلى أشلاء متناثرة بالشوارع، أو جثثا تحت الأنقاض.

ثم إن الذي تشي لنا به المقاومة الرائعة لأهل غزة، فصائلا وشعبا، إنما نجاحهما معا في قلب معادلة الحياة والموت، بين جندي إسرائيلي مرتبط بالحياة لحد النخاع، وبين مقاوم يرى في الشهادة حياة جديدة، تهون الحياة الدنيا أمامها جملة وتفصيلا.

وعلى هذا الأساس، فإن ادعاء إسرائيل بأنها قد قلبت "المعادلة بجنوب البلاد"، وبأنها قد "استرجعت قوة ردعها" (لمواجهة إيران يوما ما، أو لرد الاعتبار في أعقاب هزيمتها بيونيو العام 2006 أمام حزب الله)، إنما هو ادعاء كاذب وزائف، وغير ذي مصداقية بالمرة.

إن الحقيقة التي أثبتتها الأسابيع الثلاثة من الحرب على غزة، إنما تبين بالواضح الجلي، بأن المقاومة هي التي باتت قوة الردع الحقيقية، الناجعة والمهيأة، والقادرة على أخذ المبادرة، إن تسنى لإسرائيل أن تعيد الكرة مستقبلا.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فليثبت لنا من لم يتمثل ذلك على حقيقته، ليثبت لنا متى هزمت مقاومة، أو دحرت، أو استسلمت، أو رفعت الرايات البيض...حتى والشعب الحاضن لها يدمر، ويعمد إلى تقتيله بالجملة.

"عن المقاومة كقوة ردع"، شبكة الرافدين، 19 يناير 2009. التجديد العربي، 19 يناير 2009. التحالف الوطني العراقي، 20 يناير 2009.

يمكنكم مشاركة هذا المقال