تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"من يحكم التلفزة بالمغرب؟"

news-details

1- قد تبدو صياغة التساؤل، في "من يحكم التلفزة بالمغرب"، اختزالية المنحى كونها تحصر الإشكال التلفزي برمته في الجهة التي "من المعتقد" أن التلفزة" مسؤولة أمامها نهاية المطاف. وقد تبدو، بدرجة كبيرة، بديهية... بداهة أن الذي  يحكم المغرب هو الذي يحكم التلفزة والعكس بالعكس...

 ليس من المحرج في شيء (على الأقل من زاوية النظر المنهجية) أن تختزل إشكالية التلفزة في الجواب على السؤال إياه في صيغته تلك، إذ منه (من الجواب أعني) يتأتى الجواب على باقي الفروع، فروع الإشكالية المطروحة.

 وليس من أحكام القيمة في شيء أيضا "الادعاء" بأن الذي يحكم المغرب هو الذي يحكم التلفزة وإلى حد ما الإعلام، ليس من باب الشرطية الجاف ولكن بحكم الأمر الواقع الملاحظ لأكثر من أربعة عقود.

 من يحكم التلفزة بالمغرب؟

 من مسلمة أن التلفزة جزء من بنية (وليست بنية قائمة الذات) يتأتى الجواب: فالتلفزة في تاريخ المغرب "المستقل" لم تكن يوما (ولم يرد لها أن تكون) بناء قائما تحكمه قواعد العمل الإعلامي ويحتكم إلى فرضية من وجود رأي عام وينأى بنفسه عن حسابات السلطة بجهة ارتهانه أو توظيفه.

 لم تكن التلفزة، طيلة هذا التاريخ، جهازا مؤسساتيا "مستقلا" بقدر ما كانت جزءا من جهاز قائم (جهاز السلطة السياسي) ترتبط به عضويا، تستقطب من ميزانيته ميزانيتها (أو الجزء الأكبر منها)، تستوظف القدرات البشرية تحت إشرافه وتشكل شبكتها البرامجية (شكلا كما في الجوهر) بناء على توجيهاته...وهكذا.

 لا ينفع التحقيب الزمني كثيرا لاستقراء ذلك، إذ "مراحل" الارتباط العضوي للتلفزة بهذه الجهة (وزارات الإعلام أو وزارات الداخلية) أو تلك (وزارة الاتصال والثقافة آخرها) لا تفيد كثيرا إذا كانت وجهة التحليل المعتمدة تلمس جوانب التحولات النوعية التي طرأت على واقع التلفزة انتماء وأداء.

 وعلى هذا الأساس، فاعتماد وصول "حكومة التناوب" إلى السلطة كمقياس مفصلي في تاريخ التلفزة بالمغرب هو أمر مجانب للصواب لا فقط على اعتبار أن أطر الداخلية هم القائمون عليها لحد الآن، ولكن أيضا لأن "خطية" الأداء بقيت على حالها ولم يمسسها التطور لا من أمامها ولا من خلفها.

 بل قل إن الأمر لم يزد إلا تعقيدا بوجود وزارة للاتصال (وللاتصال والثقافة فيما بعد) معاقة الوسيلة، مرهونة القرار و لا سلطة لها تذكر على مؤسسة من الفروض (من الواجب أعني) أن تكون للوزارة الوصية بشأنها الكلمة الفصل، إن لم يكن في طبيعة الأداء فعلى الأقل في تحديد الاستراتيجية والتوجه.

 نحن إذن، في حالة التلفزة بالمغرب، بإزاء حالة شاذة أكثر ما يكون الشذوذ: قائمون على التلفزة معينين بظهير ومرتبطين وظيفيا (في بعضهم بالداخلية) وفي بعضهم الآخر بجهة التعيين، ووزير للاتصال (معين مثلهم بظهير) منفلتة من بين يديه، بحكم الأمر الواقع، كل سبل القرار أو المحاسبة أو الرقابة أو غيرها.

 لا يقل الأمر شذوذا عندما يكون للوزير إياه أن يبرر قرارا بالتلفزة أو ممارسة تلفزية (بالبرلمان كما بغيره) ليست من صنعه ولا استشير في شأنها و لا كان (في العديد من الحالات) له اطلاع عليها حتى.

 2- لا أعتقد على هذا الأساس، بأن الذي يحكم المغرب هو الذي يتحكم في التلفزة، إذ حكومة التناوب مثلا(وهي التي " تقرر"، منذ ثلاث سنوات، في حال المغرب ومآله أو هكذا يقال) لم تستطع ، لا في صيغتها الأولى ولا في صيغتها المعدلة، إزاحة الشذوذ القائم أو فك الارتباط البنيوي بين التلفزة ومن يتحكم حقيقة الأمر في كينونتها كما في صيرورتها.

 وبقدر ما لا نعتقد جازمين بسلطة ما " لحكومة التناوب" على التلفزة (شأنها في ذلك ربما شأن ما سبقها من حكومات)، فإننا لا نعتقد بالقدر نفسه بأن القائمين عليها (في التسيير أساسا) هم المتحكمون الحقيقيون في حالها ومآلها.

 التلفزة بالمغرب تحكمها "منظومة قيم" هي إلى السيادة والمقدس أقرب إليها من أي منظومة قيم أخرى إعلامية كانت أم سياسية أم اقتصادية.

 بالتالي، فلا يعدو القائمون عليها حاليا (كما السابقون لهم في فترات زمنية أخرى)، لا يعدو كونهم أدوات ذات "المنظومة"، مفوضوها ومنفذوها والمترجمون على أرض الواقع لتمثلها للتلفزة وللعمل التلفزي شكلا كما في الجوهر.

 بل قل إن لا تمثل للتلفزة وللعمل التلفزي، من وجهة نظر المنظومة إياها، خارج نطاق مبدأ تكريس السيادة وتكريس المقدس وجعل التلفزة أداة من أدوات المبدأ إياه كائن من كانت جهة تجلي هذا التصور وزارة الداخلية أو غيرها.

 لو كان لزعمنا هذا نصيب من الموضوعية يذكر، فإن الاختلاف بشأنه لن يطال الزعم في حد ذاته بقدر ما سيطال درجات صحته أو مستويات إكراهاته.

 ثم لو سلمنا به كطرح، فإن عمق الاجتهاد لن يبقى حتما محصورا في شخصنة "الصراع" (في الأفراد أو في المؤسسة القائمة على التلفزة) بل سيتعداه، من باب تحصيل حاصل، إلى ضرورة تفكيك عناصر التمثل المتحكم في التلفزة وتجريد "منظومة القيم" من رمزيتها وسلطانها.

 بالتالي، فمن تفكيك تلك العناصر ومن تجريد هذه "المنظومة" تسقط الأدوات تباعا وينفلت جوهر الأمر من يد المؤسسة الأداة التي لا يعتبر استمرارها الحالي إلا دليلا على استمرار التمثل والمنظومة المذكورين.

 ومعنى هذا أن استمرار الجدل حول بعض الأفراد (مشخصين عموما في الوالي مدير عام الإذاعة والتلفزة وغيره) أو بعض المؤسسات (وزارة الداخلية، بعض لوبيات المصالح المتنفذة وغيرها)،إنما هو في تصورنا، استمرار للجدل حول الفروع وحول التجليات وحول الأدوات، في حين  كان على البحث أن ينصب في منطق التمثل القائم وأبعاده.

 وعلى هذا الأساس، فلا خلاص للتلفزة، نعتقد، خارج تفكيك بنيان التمثل إياه والبناء على أنقاضه في الشكل كما في المضمون.

 3- لقائل يقول: أو ليس من باب أولى أن تبدأ حركة الخلاص تلك من الأدوات (أفرادا ومؤسسات وغيرهم)...لا على اعتبار كونهم دخيلين على القطاع، بل وأيضا لأن تواجدهم هو رمز لعهد قيل إنه ولى دونما إمكانية ارتداد؟

 صحيح أن بقاء رموز العهد القديم هو أمر غير مستحب البتة، وصحيح أن المراهنة على ذهابهم أو إبقائهم مع تغيير بعض من سلوكياتهم لم يتسن لها النجاح، وصحيح أيضا (بالملاحظة كذلك) أن هؤلاء لربما فقهوا التمثل القائم وتشبعوا به لحد اندغامهم فيه.

 لكن الثابت (بالملاحظة أيضا) أن تغيير مدير التلفزة (القناة الأولى) لم يفرز مثلا تجددا في الممارسة أو تجديدا في العطاء.

 بالتالي، فما الفائدة من تغيير الوجوه إذا بقي التمثل واستمر أو تم حقن الوجوه الجديدة به أو اصطدامها به بالتجربة اليومية أو استشفاف جزء منه في ظهائر التعيين... فنبقى نهاية المطاف إزاء أفراد "جدد" هم حقيقة الأمر، صورة طبق الأصل، لمن سبقوهم بحكم بقاء علة التمثل.

 ولهذا السبب، فإننا نعتقد جازمين بأن "إصلاح" التلفزة بالمغرب هو بدوره أمر ترقيعي وعرضي، ليس فقط لأنه يراهن على الأفراد والمؤسسة ذات الوصاية عليهم، ولا فقط لأنه يدفع بالشكل في تعذر الجوهر، ولكن أيضا لأنه يقفز على حقيقة أن المنطق الذي يحكم التلفزة يتجاوز الزمن والأفراد، السياسات والحكومات سواء بسواء: منطق تمثل التلفزة والعمل التلفزي خارج المنظومة الإعلامية وصهر الأفراد والمؤسسات، في تمثل عام للسلطة وللمجتمع وللثقافة وما سواها.

 لرب سائل يتساءل: لو سلمنا جدلا بوجود تمثل للتلفزة من نوع ما، ولو سلمنا بأن العمل التلفزي إنما هو إفراز طبيعي لذات التمثل، أفلم يحن الأوان بعد لتجاوزه أو على الأقل "لتجديده" قياسا إلى ما حدث من طفرات في البث التلفزي وفي القنوات الفضائية وفي الأقمار الصناعية وفي تنافسية تلفزيونات العالم بجهة الجودة والتجاوب مع الجماهير؟

 قد يكون الجواب هينا وسهل الصياغة لو اقتصر الأمر على التلفزة، إذ بإمكان القرار السياسي (لو توفرت لديه العزيمة في ذلك) أن يستنبت على أنقاض القناة الأولى، قناة تلفزية جيدة المضامين، حسنة الشكل، واسعة الإقبال...لن تنفذ الإمكانات لأجل ذلك ولن ينقص العنصر البشري ولا الإطار المؤسساتي.

 لكن الإشكال، بالنسبة للتلفزة في المغرب، هو من إشكال طبيعة النظام المخزني وطبعه، هو من بنية المخزن التي لا تتجزأ ومن أنماط إعادة الإنتاج المستمرة لذاته.

 بالتالي، فبنيان التلفزة هو من بنيان المخزن، بل قل إن عمرانها من عمرانه، لا سبيل لإعمال التغيير بها إذا لم يتسن له أن يتم بداخله، ولا إمكانية لاستنبات الجديد من حوله إذا لم يستنبته داخله شكلا ومضمونا.

 هي إشكالية منظومية إلى حد بعيد، يكون من المتعذر على التلفزة بداخلها أن تتغير إذا لم يتم التغيير في محيطها.

 وهي إشكالية بنيوية في جانب آخر منها، إذ الطرف المهيمن في خضمها هو المحدد في الآن ذاته وإن على المدى المتوسط.

 4- ما طبيعة التمثل الواجب الدفع به إذن إذا كان تمثل المخزن للتلفزة لا يخرج عن نطاق كونه توظيفا لها للترويج لإيديولوجيته ولتكريس منظوره ولتبرير منظومته؟

لن يكون من مصداقية تذكر لتمثل بديل إذا لم يأخذ في الاعتبار رأي القائمين المباشرين على التلفزة تكوينا وخبرة وممارسة وتجربة.

 ولن يكون له من قابلية تذكر إذا لم يأخذ في الحسبان مطالب الرأي العام الذي هو، بداية المطاف ونهايته، مادة العمل التلفزي وهدفه.

 قد يبدو ذات المطلب عسير الترجمة على أرض الواقع في الأمد القصير، لكنه يبدو في اعتقادنا، أحد المداخل المركزية لتوفير المناخ للعمل التلفزي.

* "من يحكم التلفزة بالمغرب؟"، جريدة العلم، 28 يناير 2002. مدونات مكتوب، 17 ماي 2007.

يمكنكم مشاركة هذا المقال