لم نكن لنتصور يوما أن بلدا اسكندنافيا كالدنمارك غير ذي باع يذكر في العلاقات الدولية ولا تأثير له على مجرياتها ثابت ويبدو في كثير من قضايا العالم (شأنه في ذلك شأن جاراته الثلاث الأخريات) غير مكترث، شبه منغلق على نفسه... محايد إلى حد ما... وفي جزء جغرافي من الكرة الأرضية بارد مثلج، من المتعذر حقا على الوافد الجديد إليه تحديد ليله من نهاره.
ولم نكن لنطلع على ما يكتبه إعلام البلد إياه حول العرب والمسلمين (حول حالنا بوجه من الوجوه أعني) لولا بعض من الجالية المقيمة هناك، المتشبتة بهويتها ودينها والتي لم يحل تشبتها هذا دون اندماجها في المجتمعات إياها واحترام قوانينها وأعرافها وتقاليدها وطقوس عيشها.
وعلى هذا الأساس، فلم يكن لنا لأن نعرف (بحكم محلية اللغة) أن صحيفة يومية تصدر بكوبنهاغن قد أعلنت منتصف العام 2005 عن مسابقة في فن الكاريكاتير (اختير لموضوعها شخص النبي صلى الله عليه وسلم) ارتأت (من بين أربعين رسما) نشر إثنا عشر منها تبين شخص النبي في وضعيات لاأخلاقية، تنعته بشتى الأوصاف، تلصق به مختلف أنواع النعوت، تتهمه في رسالته وتطعن في صفة النبوة المضفاة عليه دون باقي البشر.
وعلى الرغم من أن الرسومات قد نشرت لأول مرة شهر شتنبر من العام 2005 ولم تثر حينها إلا اشمئزاز الجالية المسلمة المقيمة هناك، فإن القضية لم تعرف التدويل الذي عرفته بداية العام 2006 إلا جراء تمادي الصحيفة ورفضها الاعتذار وتعمدها الاستمرار في ذات السلوك شكلا وبالمضمون.
ليس في الأمر ما يجبر على الاعتذار (تقول الجريدة) إذ ذلك لا يخرج عن إطار حرية التعبير والتفكير التي تدفع بها قوانين الدولة إياها لدرجة القدسية. وليس في الأمر ما يدعو للاعتذار (لدرجة استحالة ذلك يقول رئيس وزراء الدنمارك) لأن حرية التعبير مقدسة والقانون لا يمنع التعرض لكذا مواضيع والصحيفة فضلا عن ذلك ملكية خاصة ليس للحكومة من مدخلة فيما تقدمه أو تقدم عليه.
قد لا يستطيع المرء أن يزايد على الصحيفة (ولا على قريناتها التي أعادت نشر الرسوم هنا وهناك) ولا على رئيس الحكومة تقديسهم لحرية التعبير والتفكير سيما لو كنا (بالعالم العربي والإسلامي) طلابها كوننا محرومون منها تحت هذا المسوغ أو ذاك. لكن الذي أقدمت عليه الصحيفة إنما يتجاوز الخطوط الحمر الأخلاقية ويبلغ بالحرية مبلغ المحذور:
+ فحرية التعبير ليس معناها التطاول على مقدسات الأفراد والجماعات وضرب عقيدتهم ومعتقداتهم بالصميم وإلصاق الصفات الدنيئة برموزهم الدينية أو بشعائرهم.
ومعنى هذا أنه إذا كانت حرية التعبيرتحرم على الصحفي التعرض لأعراض الناس وبسط خصوصياتهم بالفضاء العام، فكيف يكون الأمر لو تعدى ذلك إلى شتم شخص هو سيد الخلق بدون منازع؟
وإذا كانت حرية التعبير تجرم السب والقذف في حق شخص عادي، فكيف لها أن تسوغ سب وشتم شخص يقدر أتباعه بما يقارب المليار ونصف المليار من البشر؟
يبدو بهذه النقطة أن القصد من الإساءة كان المسلمين وليس الرسول الكريم وأن المقصود بالتحديد هو الرسالة وليس صاحبها وهو بكل الأحوال أبعد وأسمى من أن تطاوله رسوم كهاته أو تدرك مقامه الجليل جرائد كتلك.
+ وحرية التعبير ليست مجالا مطلقا ولا هي " سوقا مفتوحة دونما قواعد أو أخلاقيات" إذا لم يكن الأمر مقصودا ومتعمدا...وهل هناك تعمدا ومؤامرة أكثر من إعلان الصحيفة ذاتها عن مسابقتها وعن موضوع المسابقة وتمرير "أكثرها إبداعا"؟
لقائل يقول: وما الذي يمنع هذه الصحيفة أو تلك من التعرض لهذا الشخص أو ذاك (حتى وإن كان سيد الخلق أجمعين) مادام القانون القائم لا يمنع ذلك أو يحرمه أو يجرمه أو يعترض عليه؟
وهو قول ظاهره حق لكنه مضمر للباطل المطلق في هذه الحالة تحديدا، إذ الذين قرروا نشر الرسومات كانوا يعلمون علم اليقين أن ذلك سيكون من شأنه استفزاز وإثارة مشاعر مئات الملايين من المسلمين ومن المسيحيين أيضا...كيف لا ومريم العذراء هي المرأة الوحيدة المذكورة إسميا بالقرآن والمكرمة من لدنه بالذكر المباشر؟
لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يذهب هؤلاء (عندما نحدثهم عن "القدسية" التي يضفونها على المحرقة اليهودية و "الجرم الكبير" الذي قد يلصق بمن يقترب منها تشكيكا أو تحليلا) بأن ذلك مسطر بالقوانين ولا لبس حوله ومتعارف عليه فضلا عن كل هذا وذاك.
إذا كان الأمر كذلك، فالمحرقة (إذا كانت هناك محرقة اصلا) لم تطاول اليهود فحسب (حتى يرفعونها إلى أسمى مقام) بل ذهب في جريرتها (حقيقة أو بهتانا) سود ومعتوهون ومعوقون ومختلون وما سواهم...فلم لا تنص القوانين على هؤلاء أيضا وبنفس الدرجة؟
لقائل آخر يقول: ما السر في نفاق هؤلاء إذ أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على أوتان بوذية حطمتها حركة طالبان بأفغانستان (وجندت لها اليونسكو جيشا من "المحافظين على التراث") واكتفت ببعض البيانات الباهتة من لدن هذه الدول الغربية أو تلك؟
ألا يدفع ذلك على الاعتقاد، يقول ذات السؤال، إلى أن هؤلاء إنما يقدسون الأوتان ولا يعيرون كبير اعتبار لمشاعر الملايين من البشر؟
هو ذاك وأكثر في مجتمعات استباحت قيم وأخلاق الآخر (بعدما تم لها ذلك مع قيمها وأخلاقها) وغدت تبدو لها (قيم الآخر أعني) " شاذة"، "مصدر إرهاب" و"في منعرج من الحضارة منخفض" من المواتي الآن الانقضاض عليها دونما تأخير.
وعلى هذا الأساس، فإن المغزى من تمرير ذات الرسوم بالوقت الراهن إنما هو مزيج من أمرين:
+ فهو في جزء كبير منه صنيعة صهيونية بامتياز في ظل سيطرة العديد من المنابر الصهيونية على وسائل الإعلام الكبرى (بدليل إعادة نشر الرسوم بأكثر من منبروبأكثر من دولة معروف ضغط الصهيونية بصلبها).
+ وهو في الجزء الآخر صنيعة المتطرفين من"المحافظين الجدد" (بالولايات المتحدة تحديدا) ضيقت عليهم المقاومة بالعراق واستفزتهم تصريحات القاعدة وزعزعهم نصر حماس بفلسطين.
هما أمران لا علاقة لهما في الظاهر بما قد يدعى من أنه نظرية مؤامرة. المؤامرة قائمة ومثبتة ولربما هو ما يزال يجهله بعض المنافقين الداعين إلى "حوار الحضارات والأديان والثقافات"... فليرونا كيف سينسجوا خيوط هذا الحوار بعدما اشتد الاستعداء وبرزت عناصر المؤامرة بمسوغ ودونما مسوغ يذكر.
الرباط، 5 فبراير 2006