فارس حسن شكر المهداوي، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك، 2007، 122 ص.
تنقسم دراسة فارس المهداوي إلى خمسة فصول أساسية، حاول من خلالها ملامسة إشكالية صحافة الإنترنيت بالعالم العربي، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة من بين ظهراني الإعلام العربي:
+ بالفصل الأول ("المقدمة المنهجية") يقول المؤلف: "شهد آخر القرن العشرين قفزات تكنولوجية هائلة في مجال وسائل الاتصال والمعلومات. ولا شك أن أحدثها وأهمها ظهور شبكة المعلومات الدولية، الإنترنيت، وانتشارها، وما صاحبها من قفزات في النشر الألكتروني، واستخدام هذه الشبكة في البحث العلمي ونقل المعلومات".
ويتابع: لقد "كسبت هذه الوسيلة الاتصالية الجديدة جمهورا عريضا من مختلف فئات الجماهير، وأصبحت منافسا قويا لوسائل الإعلام التقليدية".
وقد اختار الباحث حالة بعض الفضائيات العربية المعروفة، ليرى كيف تنشئ مواقع لها بالإنترنيت، وما الوظيفة المتوخاة منها، وما مجموع الأدوار التي تقوم بها هذه المواقع، "وهل هي لخدمة أهداف الموقع أم أهداف القناة، وكذلك المشكلات التي تحيط بعمله"، على أساس أن الإشكالية الأساس قائمة بين الصحافة الألكترونية المرتبطة بالفضائيات الإخبارية العربية، وبين هذه الفضائيات نفسها، من زاوية "الاختلاف التفاعلي بين أسلوب القناة والموقع الألكتروني المعتمد".
إن الغاية من هذه الدراسة، يقول الباحث، إنما الوقوف عند تفاصيل المواقع الصحفية والإخبارية الألكترونية المرتبطة بالفضائيات، وكذلك "الكشف عن الأشكال التحريرية التي تجعل من المواقع الصحفية الألكترونية المرتبطة بالصحف المطبوعة أول الأمر، ثم بقنوات التلفزيون الفضائي في مراحل لاحقة، مكملة أو مرتبطة بأداء الجهة المرتبطة بها، والتي تمثل مشكلة مهنية وعلمية تتطلب الدراسة والمتابعة"، ناهيك عن التطلع للكشف عن مستوى محاكاة هذه المواقع للقنوات الفضائية، ومستوى الإحالات القائمة بينها.
+ بالفصل الثاني ("الإطار النظري") يتعرض الباحث لجانب نشوء وتطور شبكة الإنترنيت، حيث يتحدث عن "شبكة كمبيوتر عالمية، تربط ملايين من أجهزة الكمبيوتر في العالم". وقد بدأ الإنترنيت، وفق المؤلف، "كمشروع حكومي في الولايات المتحدة بحدود عام 1960، حيث طلبت الحكومة الأمريكية من مؤسسة راند، إنشاء نظام اتصال متطور لتبادل المعلومات والاتصال، يربط القواعد العسكرية الأمريكية في العالم بعضها ببعض، لتحقيق أكبر قدر من السهولة في العمل، ويمنح هذه الشبكات قوة الوجود في أحنك الظروف، وهو في الحقيقة ترجمة لأمر الرئيس الأمريكي إيزنهاور بضرورة بناء قاعدة بيانات، وتأمين القدرة على عدم إتلافها إذا ما قامت حرب نووية. بالعام 1983، سمحت الولايات المتحدة لبعض الحكومات الحليفة (النرويج وبريطانيا تحديدا) للاستفادة من خدمات الشبكة.
ويعتبر المؤلف أن أهم ما يميز شبكة الإنترنيت بنيتها اللامركزية، حيث يقف المستثمرون العاديون على قدم المساواة مع أكبر الشركات العالمية. ثم هناك انخفاض كلفة تبادل المعلومات، والذي لا يتعدى أجرة المكالمة المحلية، ناهيك عن تهاوي أثمنة الحواسيب وأجهزة الربط الطرفية وغيرها.
ثم يستعرض الباحث الخدمات التي تقدمها الشبكة، كالبريد الألكتروني وشبكة الإخباريات ومجموعات الأخبار وخدمات التراسل الفوري ومحركات البحث والويب وما سواها. ويتحدث أيضا عن التطبيقات الإعلامية لشبكة الإنترينت، ويبين كيف أن جميع الوسائل الإعلامية لم يتم تجاوزها كما أتت بذلك بعض التنبؤات، لا بل إن الإنترنيت أسهم بقوة في تطور هذه الوسائل، من حيث المضمون الإعلامي والشكل الفني. وقد استفادت منه جميع الوسائل التقليدية للإعلام بغرض "زيادة انتشارها ووصولها إلى كل مكان في العالم دون تكلفة تذكر، بعدما كان الكثير منها يوزع في نطاق محدود".
معنى هذا، يقول الكاتب، أن ظهور الإنترنيت قد أدى إلى تغيير طرائق البحث عن الأخبار وإنتاجها وتوزيعها، وأضاف وظائف أخرى للاتصال الجماهيري، من حيث تقديم الخدمة المباشرة للجمهور المستقبل، وقلل من أهمة الرقابة...الخ. كما أدى إلى بروز ظاهرة التفاعلية في العملية الاتصالية، بين المستقبل والمرسل.
ويعزو المؤلف ظهور صحافة الإنترنيت إلى تطور الشبكة، وكنتيجة للمزج بين ثورة تكنولوجيا الاتصالات وثورة تكنولوجيا الحاسبات، بما يعرف بالتقنية الرقمية. هذه الصحافة هي امتزاج الإعلام بالتقنية الرقمية إذن، وهي على الرغم من عمرها القصير، فقد حققت ما لم تحققه الصحافة المطبوعة في عشرات السنين. و"تمكنت صحافة الإنترنيت من تقديم مكاسب عديدة للمهنة الإعلامية، ولجمهور القراء، وكذلك لمستويات أخرى من المستفيدين، مثل المعلنين والطبقة السياسية ومروجي الأفكار والدعاة وسواهم.
صحيح، يقول الكاتب، إن التلتيكست (المعتمد على جهاز التلفزيون) تم توظيفه من لدن هيئة الإذاعة البريطانية قبل بروز الإنترينت، إلا أن ظهور هذا الأخير، كان المنطلق الأول للصحافة الألكترونية. وقد كانت صحيفة بالو ألتو أونلاين أول جريدة تنطلق في العام 1993، في كلية الصحافة والاتصال الجماهيري في جامعة فلوريدا...لتتبعها في ذلك العديد من الصحف الأمريكية، وأهمها صحيفة الواشنطن بوست، ثم الصحف الفرنسية مثل جريدة لوموند ولفيغارو، لدرجة بلغت الصحف المتواجدة على الشبكة 4000 صحيفة في العام 2000، بعدما لم يكن عددها يتجاوز 10 صحف، بداية تسعينات القرن الماضي.
وقد كانت الصحف بالبداية، تعيد نشر كل أو جزء محتوى الجريدة الورقية، بعد ذلك تم إغناء ذلك بروابط وإشارات مرجعية، ثم بالمرحلة الثالثة، قام الصحفيون "بإنتاج محتوى خاص بصحيفة الإنترنيت، يستوعبوا فيه تنظيمات النشر الشبكي، ويطبقوا فيه الأشكال الجديدة للتعبير عن الخبر".
هناك بالتالي، يقول الباحث، نوعان من الصحف على الشبكة:
°- صحف ألكترونية كاملة، قائمة بذاتها، وإن كانت تحمل إسم الصحيفة الورقية، وميزتها أنها لا تكتفي فقط بتمرير ما هو موجود بالصيغة الورقية، ولكن أيضا تفرد أبوابا إضافية، توفرها الشبكة كالبحث داخل الموقع أو في شبكة الويب، ناهيك عن توافر الأرشيف، وخدمات الربط بمواقع أخرى، وغير ذلك.
°- ثم النسخ الألكترونية من الصيغة الورقية، حيث تتم إعادة مضمون الصحيفة الورقية، مع بعض الإضافات البسيطة، مثل الإعلانات وسبل الاشتراك وما سوى ذلك.
وعن سمات الصحافة الألكترونية، يلاحظ الباحث، أن هذه الصحافة كانت بالبداية مقتصرة على إعادة نشر الصحف الورقية، تنشر بنفس التوقيت، وتصاغ بنفس الطريقة، وتتحكم فيها نفس السياسة التحريرية، وتهدف في الغالب الأعم إلى مخاطبة نفس الجمهور.
لكنه مع التطور، باتت الصحف الألكترونية تخضع لدورية صدور مختلفة عن الصحف الورقية، وطورت جمهورها الخاص، وأيضا سياستها التحريرية، تبعا لتغير الجمهور وطبيعته، وكذلك تقنياتها الخاصة، "مستفيدة من إمكانات الكمبيوتر وشبكة الإنترنيت، التي تجمع بين مميزات الصحيفة والراديو والكتاب والتلفزيون المحلي والفضائيات، وصارت الصحافة الألكترونية بذلك تستخدم كل تقنيات وسائل الإعلام السابقة بشكل متكامل، وأضافت إلى ذلك كله ميزة التفاعلية، التي تجعل القارئ شريكا إيجابيا في العملية الإعلامية".
ويلاحظ الكاتب أن العديد من الصحف العربية بشبكة الإنترنيت لم تتبلور بعد، بل هي نسخة كربونية للصحيفة الورقية، وتفتقر في معظمها لخدمة البحث عن المعلومات، وعلى أرشيف المواد. ويحصر الباحث مميزات الصحيفة الألكترونية في سبعة مميزات:
°- نقلها الفوري للأخبار، مع قابلية تعديل النصوص في أي وقت، مما يجعلها تنافس الوسائل الأخرى سيما الإذاعة والتلفزة.
°- قدرتها على اختراق الحدود والقارات والدول، دون رقابة أو موانع أو رسوم، بشكل فوري، ودون تكاليف تذكر.
°- تكاليفها البسيطة، قياسا إلى ما هو مطلوب لإصدار صحيفة ورقية، إذ لا تحتاج إلى مباني أو مطابع أو مستلزمات الطباعة، ناهيك عن متطلبات التوزيع والتسويق، والعدد الكبير من الموظفين والمحررين والعمال.
°- لجوءها للتمويل من خلال الإعلانات، إعلانات اليافطات أو البانير بلغة الشبكة.
°- قدرتها على معرفة دقيقة بزوار مواقعها، وقدرتها على التواصل مع جمهورها. بالتالي، فرد الصدى هذا لم يكن متاحا للصحافة التقليدية.
°- توفرها على فرص لحفظ الأرشيف الألكتروني وإمكانية استرجاعه.
°- فرضها على الصحفيين لشروط عمل جديدة، إذ باتوا مطالبين بالإلمام بالإمكانيات التقنية، وبشروط الكتابة بالإنترنيت، كون الصحافة الألكترونية تجمع بين نمط الصحافة ونمط التلفزة ونمط الحاسوب.
أما بالنسبة للصحافة العربية، فيلاحظ الباحث أنها مرت بمراحل مختلفة مكنتها بالنهاية، من بلوغ شكل فني ومهني لا بأس به. وقد بدأت بالأقراص المدمجة، حيث كانت صحيفة "الحياة" سباقة بالعام 1995، إلى إصدار قرص مدمج بأرشيف الأشهر الستة من نفس العام. بعد ذلك جاءت "السفير" ثم "النهار" اللبنانيتين (1997)، ثم الأهرام، ثم الشرق الأوسط، في العام 1998. ثم جاءت مرحلة إصدار النسخة الألكترونية، وقد جاءت متأخرة على الرغم من وعيها بضرورة تواجدها على الشبكة، وقدرتها على تخليصها من الموانع السياسية، والالتفاف على قوانين الإعلام الزجرية، أو المقيدة للحريات بمعظم الدول العربية.
ثم مرحلة إصدار الصحيفة الألكترونية، التي بدأت بيناير من العام 2000، من خلال صحيفة "الجريدة" بأبو ظبي، ثم إيلاف بالعام 2001، وكانتا ألكترونيتان دونما توفر نسخة ورقية لهما.
وفيما يتنبأ البعض بمستقبل واعد للصحافة الألكترونية العربية (بحكم تزايد أعدادها بالشبكة)، فإن البعض الآخر يعتقد أن أمامها تحديات كبرى، لعل أهمها عدم توفر الكادر الصحفي المتخصص في تقنيات الحاسوب والإنترنيت، وعدم توفر برامج كافية باللغة العربية وضعف التمويل، ناهيك عن الأمية الألكترونية والمعلوماتية المرتفعة.
أما عن المواقع الألكترونية المرتبطة بالفضائيات الإخبارية، فيتحدث الباحث عن التجربة الرائدة لقناة الجزيرة القطرية، التي أنشأت لها موقعا على الإنترنيت (الجزيرة نت) كموقع إخباري، وظيفته الأساسية "استكمال الدور الريادي لقناة الجزيرة، في تطوير الرسالة الإعلامية العربية، وتمكين الجمهور العربي من المتابعة التفاعلية المتواصلة للإخبار، وتحليلاتها على شبكة الإنترنيت".
وقد بلغ الموقع حوالي 85 مليون صفحة مشاهدة شهريا، حسب إحصاءات العام 2003، أي مليار و14 مليون صفحة مشاهدة خلال العام ذاته. ويعرض الموقع للبث الحي، جميع البرامج الحية والمسجلة من قناة الجزيرة، بالصوت والفيديو والنص. وهناك بالموقع العديد من الأقسام، وأيضا متابعة الصحافة العربية والدولية، مع عرض دراسات ومعالجات معمقة وموسعة لأبرز القضايا العربية والدولية.
أما موقع العربية نت، فقد افتتح في يونيو 2004، كوسيلة إخبارية عربية على الإنترنيت، تدعيما لقناة العربية، وبه أيضا العديد من الأقسام ونوافذ التحليل. وتشير مراحل نمو وتطور موقع الفضائيتين، إلى حسن استخدام لتقنيات الإنترنيت، قياسا بمواقع عربية أخرى، سواء كانت امتدادا للتلفزيون، أم لوسائل إعلام أخرى.
+ بالفصل الرابع ("البحث التطبيقي")، يلاحظ الباحث أن كيان موقع العربية نت أريد له أن يكون مخلوقا إعلاميا مختلفا عن القناة، مع العمل على أن يكون له جمهوره الخاص، ولا يكون وسيلة ملحقة بالقناة.
لهذا السب، يقول الباحث، نجد أن بالعربية نت العديد من الصفحات السياسية والاقتصادية والرياضية والمنوعات، وأيضا المكتبة التفاعلية...وهو ما جعل لكل صفحة محررا، ولكل زاوية فريق (فريق الأخبار، فريق التغطيات الخاصة، الفريق الإبداعي، الفريق التقني، فريق التدقيق اللغوي، فريق التعليقات...الخ).
ويعتمد الموقع على مجموعة من مصادر الأخبار: وكالات الأنباء الكبرى، شبكات التلفزة العالمية، وكالات الأنباء العربية، مراسلي الفضائية، والصحف العربية والمراسلات وغيرها. ويوضح الباحث أن موقع العربية نت يستهدف أساسا "القطاعات عالية الثقافة والأكاديمية من المجتمعات العربية، التي تستخدم المواقع الألكترونية".
وعن متابعة الجمهور، يلاحظ الكاتب أن الجمهور السعودي يتابع الموقع بنسبة 25 بالمائة، والجمهور العربي بالولايات المتحدة وكندا ب 20 بالمائة، والمغرب ب 16 بالمائة، ثم مصر ب 10 بالمائة، والإمارات وفلسطين ب 7 بالمائة وهكذا.
ويلاحظ الكاتب أن الموقع لا يخضع لرقابة رسمية، لكن القائمين عليه أخبروه أنهم يعمدون إلى الرقابة الذاتية فيما "يتعلق بالقضايا السياسية الحساسة، بالنسبة للحكومات، ويقع التعامل معها بحساسية". ويبرز الكاتب أنه على الرغم من محاولة الثاوين خلف الموقع لتمييزه عن الفضائية، فإن ذلك ليس ثابتا، إذ إسم الموقع مأخوذ من الفضائية، وهذه الأخيرة تمارس حملة دعائية لفائدته، بنشرات أخبارها. وعلى الرغم من أن العديد من مواد الموقع هي شأن القائمين عليه، إلا أن القضايا الحساسة كالنقد السياسي للحكومات والأنظمة، غالبا ما يستشار بها المدير العام والمشرف العام في بعض الأحيان، وهما مرتبطان بالدولة السعودية بوضوح تام.
+ بالفصل الخامس ("النتائج والتوصيات والمقترحات") يلاحظ الباحث أن الاهتمام بصحافة الإنترنيت متدني للغاية بالعالم العربي، اللهم إلا بعض الندوات والمؤتمرات واللقاءات هنا أو هناك. ويلاحظ أيضا أن العديد من الفضائيات التي أنشأت مواقع لها على شبكة الإنترنيت، أرادتها أن تكون متمايزة عنها، حتى وإن كانت تحت مسؤوليتها وإشرافها، وتوظف أخبارها وشبكات مراسليها.
ويوصي الباحث بضرورة تعزيز البحث العلمي والأكاديمي بهذا الجانب، مع العمل على إيجاد سبل توسيع مجال استخدام الإنترنيت "كواسطة أساسية وأولية، لانتشار صحافة الإنترنيت في الوطن العربي"، مع تكثيف الدراسات المتخصصة لمعرفة طبيعة الجمهور المستهدف. ويوصي بحالة الفضائيات، أن تتحدد طبيعة ومستوى العلاقة بينها كقنوات، وبين مواقعها الألكترونية على الشبكة.
نافذة "قرأت لكم"، 24 أبريل 2008